ارشيف من :أخبار لبنانية
«جنيف - 2» وحكومة «الأمر الواقع»... والمنطقة
غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"
على الطريق الى مؤتمر الحلّ السياسي «جنيف - 2»، ترتسِم صورة سياسية وأخرى أمنية على مستوى المنطقة كلها. الحراك السياسي، المواقف، التصريحات، والصفقات الدولية العلنيّة والسريّة.
كلّها ملامح تدلّ على أنّ كل ما يجري في الاقليم مرتبط مباشرة بالأزمة السوريّة، في حين يجري "تزخيم" المتفرعات من هذه الأزمة، لزوم التفاوض والمناورات وتقوية الموقف قبل المؤتمر.
مَن استمع الى المؤتمر الصحافي لوزير الاعلام السوري عمران الزعبي أمس، سيلاحظ انّ دمشق رَفعت "السقف السياسي" قبَيل "جنيف ـ 2" الى الحد الاقصى. وقد ألزمَت نفسها وحلفاءها في المؤتمر وخارجه، بجملة مواقف من شأنها منع "استفرادها"، وبالتالي جَرّها الى "تنازلات" ليست في وارد تقديمها الآن.
"ترشيح الرئيس بشار الاسد "مطلب جماهيري"، وعلى عاتِق "جنيف ـ 2" مكافحة "الارهاب" و"الضغط على الدول الراعية للمسلحين لكي توقِف دعمها الحرب على سوريا".
في لبنان، يبدو أنّ تأليف الحكومة ارتبط ايضاً بمسار "جنيف ـ 2". ثمّة رغبة سعودية تترجم ضغوطاً، للإسراع في تأليف حكومة تستبعد "حزب الله" وحركة "أمل" وقوى 8 آذار.
وبالتالي، استبعاد وزير الخارجية عدنان منصور بما يمثّله من موقف سياسي. وعليه، يصبح موفد لبنان الى "جنيف ـ 2 " جزءاً من محور الضغط على دمشق، وليس "حليفاً" وسنداً، مثلما جرى في السنوات الثلاث الماضية.
وفي هذا السياق تعتقد أوساط مطلعة أنّ رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف سيُقدمان على "التأليف" قبيل انعقاد "جنيف ـ 2" بأيّام، بعد استنفاد كلّ المحاولات لتأليف حكومة "جامعة"، علماً أنّ مشاورات التأليف الأخيرة اتسمَت بشيء من الإيجابية التي قد تفضي الى تفاهم على "حكومة" ترضي الجميع في هذه المرحلة.
إستبعاد ايران عن مؤتمر "جنيف ـ 2"، ووقوف لبنان مع محور الحرب على سوريا، وحساسية الموقف العراقي الذي سيكون وسطياً في المؤتمر. بالإضافة الى الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوروبي و"الجامعة العربية" بثِقلها الخليجي ـ السعودي. سيجعل موقف دمشق السياسي ضعيفاً، حيث لا حليف جديّاً سوى روسيا التي تتعامل سياسياً بمنطق المصالح، وليس بمنطق إيديولوجي كالاتحاد السوفياتي السابق.
المعارضة السورية تذهب الى المؤتمر منقسمة ومُنهكة عسكرياً ومُربكة سياسياً. الورقة السياسية الرابحة معها هي شِبه الإجماع خلف مواقفها من ضمن الدول المدعوّة، في حين انّ النظام السوري يذهب بجملة أوراق، منها السقف السياسي المرتفِع، ومنها الإنجازات الامنية والعسكرية على الارض. هذه المعادلة داخِل "جنيف ـ 2" تعكس التوازن القائم حول الازمة السورية منذ "جنيف ـ 1" عندما حصلَ الاعتراف رسمياً بوجود طرفين في الازمة، وعدد من اللاعبين الدوليين والإقليميين.
هذا التوازن، واستبعاد ايران، وسَعي روسيا الى أن تكون المرجعية الوحيدة، والتشدّد السعودي، وعدم المبالاة الاميركية، وانعدام الفاعلية الاوروبية تضَع مساعي الحلّ السياسي أمام جملة احتمالات، منها أن ينعقد المؤتمر بمقررات مُلتبِسة يصعب تفسيرها وتطبيقها كما "جنيف ـ 1"، ومنها تأجيله مجدداً الى وقت لاحق في انتظار أن تنضج ظروف أفضل للجميع.
إذا أُرجىء المؤتمر، وهذا خيار وارد بقوّة في ظلّ مراوحة موازين القوى السياسية والعسكرية، ستعود الكلمة للميدان، وستشهد سوريا، على الارجح، موجة جديدة من العنف والاقتتال. وهذا يعني أيضاً اشتداد الموقف في لبنان وخروج الأمور عن السيطرة أمام احتمال فراغ رئاسي اذا ذهبت الامور نحو حكومة غير تمثيلية.
الايام المقبلة مفصليّة بالنسبة الى صانع القرار اللبناني. مشهد المنطقة معقّد الى درجة يصعب معها اتخاذ مواقف وقرارات غير محسوبة بدقة. الضغط الاقليمي، والاستحقاقات الدستورية، والانقسامات الداخلية، والانكشاف الامني، والمخاطر الاقتصادية تحتّم إبداعاً في السَّير بين الألغام والصواعق. هنا، يمكن تأكيد "العبقرية" و"الفرادة" اللبنانية أمام معضلة كبرى تهدّد كيانات أكبر وأكثر رسوخاً من الكيان اللبناني...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018