ارشيف من :ترجمات ودراسات
مأساة إفريقيا الوسطى : عملية افتراس إنساني أخرى يقوم بها الغرب
بقلم البروفسور شمس الدين شيطور
عن موقع Mondialisation.ca
27 كانون الأول / ديسمبر 2013
"يسقط المطر دائماً حيث تكون الأرض مغمورة بالمياه"
مثل إفريقي
هذا المثل يلخص قدر البلدان الإفريقية التي تمتلك، لسوء حظها، احتياطات منجمية مثيرة للأطماع. فمرة أخرى، ولكي لا يتغير واقع الحال، يحل بإفريقيا صراع جديد بعد كل ما حل بها من صراعات. نحن في كانون الأول / ديسمبر 2013، ولا يزال الصراع قائماً في مالي مع إسلاميي تنظيم القاعدة. والآن بلد آخر -إفريقيا الوسطى- يقولون منذ بعض الوقت إنه قد دخل في صراع ديني. وقد دعيت فرنسا إلى أن تعيد فرض الأمن فيه بعد أن كانت قد سهرت على أن يظل مسرحاً للفوضى... لا بد هنا من لمحة مختصرة عن إفريقيا الوسطى.
جمهورية إفريقيا الوسطى... التاريخ والجغرافيا باختصار
تقع جمهورية إفريقيا الوسطى في وسط إفريقيا. ويبلغ عدد سكانها أربعة ملايين و500 ألف نسمة، ومساحتها 632 الف كم مربع, وتتوزع أراضي البلاد بين سهول السافانا شبه الصحراوية في الشمال والغابة الاستوائية في الجنوب. أما مناخها فمداري بوجه عام. ولا تمتلك جمهورية إفريقيا الوسطى أي منفذ على البحر، غير أن أراضيها تحتوي على العديد من الثروات الطبيعية كاليورانيوم تحديداً والذهب والألماس. أما النفط والطاقة الكهرومائية فهي ثروات ممكنة الاستغلال ولكنها غير مستغلة حتى الآن. وقد وقعت هذه المنطقة تحت الاستعمار الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر، وقام الفرنسيون بإدارتها بعد أن أطلقوا عليها اسم "أوبانغي-شاري". وكان هدف المشروع الاستعماري الفرنسي اختراق القارة الإفريقية من الغرب إلى الشرق. لكن البريطانيين أوقفوا تقدم هذا المشروع عام 1898 في فاشودا (من هنا الحديث عن عقدة فاشودا الشهيرة التي تعاني منها فرنسا).
ويعتبر بارتلميو بوغاندا، وهو أول رئيس للدولة بمثابة الأب الروحي للأمة في إفريقيا الوسطى. وفي العام 1965، نفذ الرقيب في الجيش هو جان بيدل بوكاسا انقلاباً على ابن عمه دافيد داكو وتسلم السلطة. والمعروف أن "ألماسات" بوكاسا، وهي الفضيحة التي تلطخ بها الرئيس جيسكار ديستان، هي التي سمحت له بقضاء وقت أطول في الحكم وبترقية نفسه إلى رتبة امبراطور. وقد تلاعبت صحيفة "لوكانار أونشينيه" الفرنسية الساخرة بحروف كلمة امبراطور لتستخرج منها كلمة تعني بالفرنسة أن حالة إمبراطورية بوكاسا "مزرية".
وفي أيلول / سبتمبر 1979، أبعد بوكاسا عن الحكم وأعيد إليه دافيد داكو نتيجة تدخل فرنسي عرف باسم "عملية باراكودا". والحقيقة أن بوكاسا كان يقترب بصورة متزايدة من القذافي الذي كانت سياسته في تشاد متعارضة بشكل كامل مع المصالح الفرنسية. ولكن فترة حكم دافيد داكو الجديدة لم تكن طويلة حيث إنه أبعد عن السلطة في أول أيلول / سبتمبر 1981 من قبل الجنرال آندريه كولينغبا الذي أقام نظاماً عسكرياً استمر حتى العام 1993 أي السنة التي تم فيها، بتأثير من فرنسا، انتخاب آنج-فيليكس باتاسي رئيساً للجمهورية، وذلك تمشياً مع تيار الدمقرطة الذي أطلق في قمة "لابول" في فرنسا خلال فترة فرانسوا ميتران. وفي العام 2001، جرت محاولة انقلابية أدت إلى مواجهات عنيفة في العاصمة، بانغي. وبعد مسلسل جديد من الاضطرابات، وبالرغم من تدخل الأسرة الدولية (قوة السلام مينوركا) في 15 آذار / مارس 2003، تمكن الجنرال فرانسوا بوزيزي من تسلم السلطة بفضل مساعدة عسكرية فرنسية (قامت طائرتان مقاتلتان فرنسيتان تابعتان لسلاح الجو الفرنسي بالتحليق فوق بانغي وقامتا بتصوير مواقع القوات الحكومية لصالح بوزيزي)، وكذلك بفضل مسلحين قدموا من تشاد وبقي قسم كبير منهم إلى جانبه بعد أن تسلم مقاليد الحكم.
وفي 13 آذار / مارس من العام 2005، أجريت انتخابات رئاسية بعد تأجيلها لمرات عديدة، وسجلت اعتراضات عنيفة على فوز بوزيزي واندلعت حرب أهلية في أنحاء البلاد استمرت من العام 2004 إلى العام 2007، تاريخ التوقيع في باريس على اتفاق للسلام. لكن المتمردين حملوا السلاح مجدداً في أواخر العام 2012، وشنوا سلسلة هجمات شكلت بداية الحرب الأهلية الثانية في إفريقيا الوسطى. وفي 24 آذار / مارس 2013، استولى متمردو تحالف السيليكا على العاصمة التي هرب منها بوزيزي، وأعلن ميشيل دجوتوديا نفسه رئيساً على جمهورية إفريقيا الوسطى. لكن التعديات الكثيرة التي ارتكبتها ميليشيات السيليكا، وأكثر أفرادها من المسلمين، أغرقت البلاد في حالة من انعدام الأمن، وتشكلت ميليشيات "آنتي بالاكا" المسيحية للدفاع الذاتي. وهكذا أفضى الصراع، بحسب فرنسا والولايات المتحدة، إلى وضع البلاد على شفير حرب الإبادة. وفي 5 كانون الأول / ديسمبر 2013، صدر عن الأمم المتحدة قرار يسمح لفرنسا بإرسال جنود إلى إفريقيا الوسطى (عملية سانغاري) بهدف نزع فتيل الصراع وحماية المدنيين.
التكالب على إفريقيا الوسطى من أجل ثرواتها
ما الذي يفسر هذا التكالب على السلطة وهذا الاستقواء الدائم بفرنسا، القوة المستعمرة السابقة ؟ هل ما يجري هو حرب بين إتنيات، أم حرب دينية ؟ بحسب الـ World Factbook التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فإن 50 بالمئة من السكان مسيحيون نصفهم من الكاثوليك والنصف الآخر من البروتستانت، و15 بالمئة مسلمون. أما الباقي، أي 35 بالمئة، فيعتنقون ديانات إفريقية تقليدية (إحيائية، عبادة الجن، عبادة الأجداد، تعددية الآلهة).
ما يفسر التكالب إذن هو السبب الاقتصادي. فقبل التدخلات الخارجية، كان الناس في إفريقيا الوسطى يعيشون في ظل الوئام والتفاهم. لكن ثقافة الانقلاب العسكري تتم رعايتها من الخارج، وتحديداً من قبل فرنسا التي انطبعت سياستها حتى على أحجار إفريقيا الوسطى لتأخذ شكل فرنسآفريك أو فرانس آفريك (فرنسا المال) بدلاً من سانترآفريك (إفريقيا الوسطى). أما السبب الثاني فيتعلق بثروات هذا البلد الذي وصلت المداخيل فيه، رغم تأخره الشديد، إلى 350 دولاراً للفرد عام 2007. وتمثل الزراعة 55 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، أما النمو فكان بنسبة 2 بالمئة عام 2005. ويشكل استغلال المناجم (الذهب والألماس) المصدر المهم الآخر للمداخيل في جمهورية إفريقيا الوسطى على مستوى عائدات التصدير. ولا بد من الإشارة إلى وجود شركات عابرة للقارات منها "آريفا"، وهي مجموعة صناعية فرنسية متخصصة في استثمار اليورانيوم في منطقة مبومو في باكوما.
أصول الصراع الحالي
إذا ما عدنا قليلاً إلى الماضي، نلاحظ أن الصراع الخفي المترافق مع التدخلات الأجنبية يعود، فيما يتعلق بالمرحلة الراهنة، إلى أواخر العام 2012. وقد كتب باتريك أوكونور : "إن الولايات المتحدة وفرنسا تقومان بإرسال قوى عسكرية إضافية إلى جمهورية إفريقيا الوسطى بالتزامن مع تقدم الميليشيات المعادية للحكومة نحو العاصمة بانغي. ويأتي هذا التدخل كجزء من عملية تعزيز أكبر للعمليات العسكرية الإمبريالية في إفريقيا بوجه عام، في وقت تسعى فيه واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون إلى الاستمرار في فرض سيطرتهم الاستراتيجية على القارة وعلى ثرواتها الطبيعية".
ووقد كتب باتريك أوكونور في 4 كانون الثاني / يناير 2013 أن كلاً من الولايات المتحدة وفرنسا تنفذان "عمليات عسكرية في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ ما قبل الهجوم الذي شنه المتمردون وشكل تهديداً لحكومة الرئيس فرنسوا بوزيزي (...). وقد استفادت واشنطن من هذا الوضع المتأزم من أجل المزيد من تعزيز عملياتها العسكرية في إفريقيا. وجاء الانتشار العسكري الأميركي في جمهورية إفريقيا الوسطى بعد أيام قليلة من إعلان صدر عن الجيش الأميركي وأفاد بأن فرقة مسلحة خاصة قوامها 3500 جندي ستقوم بنشاطات دائمة في عموم إفريقيا. إن ما يجري هو هروع جديد نحو إفريقيا (...). وخلف مفهوم "عدم التدخل" الكاذب، فإن من الأكيد أن الحكومة الفرنسية تعمل يداً بيد مع الحكومة الأميركية من أجل التحكم بمسار الأزمة في جمهورية إفريقيا الوسطى".
أما سبب كل هذا الاهتمام، فلسنا من السذاجة بحيث نصدق أنه إنساني. فباتريك أوكونور يتحدث عن النفوذ الصيني الناعم الذي تتمتع به الصين ويحاربه الغربيون : "في 17 حزيران / يونيو 2009، أرسل السفير الأميركي رسالة [إلى وزارة الخارجية] قال فيها حرفياً إن ’’العلاقات بين فرنسا وجمهورية إفريقيا الوسطى تشهد توتراً خطيراً‘‘ (...). وبعد خمسة أشهر، بعث برسالة ثانية تحمل عنوان ’’النفوذ الصيني المتعاظم في جمهورية إفريقيا الوسطى لا مجال للشك فيه‘‘. وأضاف أن 40 ضابطاً في جيش جمهورية إفريقيا الوسطى يتم إعدادهم سنوياً في الصين، مقابل ضابطين أو ثلاثة يتم إعدادهم في الولايات المتحدة، وما بين 10 و15 ضابطاً يتم إعدادهم في فرنسا. وفي الرسالة الأولى، تظهر بوضوح النوايا الافتراسية الكامنة وراء الوجود الأميركي والفرنسي في جمهورية إفريقيا الوسطى وذلك من خلال التنويه بـ ’’الثروات الطبيعية غير المستغلة‘‘ في البلاد، وكذلك من خلال التنبيه إلى أن الاستثمارات الفرنسية والنفوذ الفرنسي بوجه عام في تراجع، وأن من المرجح أن الصينيين يعززون مواقعهم بوصفهم المحسن الرئيسي لجمهورية إفريقيا الوسطى مقابل أن تفتح أمامهم مناجم اليورانيوم والذهب والحديد الضخمة (وكذلك مناجم الألماس والبترول على الأرجح".
تصميم فرنسا على التدخل
لقد صممت فرنسا على التدخل مرحلة بمرحلة : فخلال الزيارة التي قام بها إلى بانغي العاصمة في 13 تشرين الأول / أكتوبر الماضي، أعلن وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، أن فرنسا ستنشر قوات إضافية في البلاد قبل نهاية العام.
فلمرات عديدة، اتهم أفراد من ميليشيات السيليكا الذين قدم كثير منهم من تشاد والسودان المجاورين بنهب كنائس وترويع المسيحيين. لكن المشروع الفرنسي يشكل جزأً من تزايد التدخلات العسكرية الفرنسية في إفريقيا بهدف المحافظة على مصالح فرنسا الاستراتيجية واحتواء النفوذ الصيني المتعاظم في القارة. فخلال أقل من ثلاث سنوات، شنت فرنسا ثلاث حروب في إفريقيا، من ليبيا إلى شاطئ العاج، إضافة إلى الحرب المحتدمة حالياً في مالي. وفي كانون الأول / ديسمبر 2012، انتقل متمردو السيليكا إلى الهجوم على قوات الرئيس فرنسوا بوزيزي واستولوا على مدن في شمال البلاد وشرقها. وكانت السيليكا قد اتهمت الحكومة بالتراجع عن اتفاقيات السلام الموقعة عامي 2007 و 2008 التي نصت على دفع رواتب لأفراد العصابات المتمردة وضمهم إلى الجيش الوطني.
وللتذكير، فإن اتفاقيات ليبرفيل الموقعة في 11 كانون الثاني / يناير 2012 حالت مؤقتاً دون وقوع انقلاب عسكري ووضعت أساساً لاتفاق على تقاسم السلطة. ولكن الاتفاق لم يعمر طويلاً لأن متمردي السيليكا شنوا هجوماً على قوات بوزيزي بدعم ضمني من الدول الامبريالية. وقد تم إسقاط بوزيزي في 24 آذار / مارس وأعلن زعيم المتمردين، ميشيل دجوتوبيا نفسه رئيساً . وكان انقلاب فرنسا على بوزيزي نتيجة لتوجه هذا الأخير في سياسته نحو الصين ووقع معها اتفاقيات ثنائية في مجالات الاستثمار والتجارة وتطوير البنى التحتية. وفي هذه الظروف، قدمت باريس دعمها لتحالف السيليكا المكون من مجموعات مسلحة قدمت من الشمال الشرقي يتزعمها مسلمون، شأنها في ذلك شأن اتحاد القوى الديموقراطية من أجل التجمع أو الائتلاف الوطني من أجل العدالة والسلام.
إذن، قامت الحكومة الفرنسية خلال الأسبوع الأول من كانون الأول / ديسمبر بإطلاق عملية "سانغاري" وذلك بهدف رسمي هو إنقاذ المدنيين الذين يتهددهم صراع داخلي. وعليه، تكون إفريقيا الوسطى قد أصبحت مسرحاً لتدخل عسكري فرنسي في القارة الإفريقية بعد شاطئ العاج في العام 2010، وليبيا في العام 2011، ومالي في العام 2012. وقد وصف الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولند، هذه العملية بأنها "إنسانية" وأضاف "على الفرنسيين أن يكونوا فخورين بتدخل في مكان لا مصلحة لهم فيه".
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقابل الأمر بالسذاجة. ففي 4 كانون الأول / ديسمبر، نشر هوبير فيدرين، وهو وزير خارجية سابق ومساعد لميتران بين العام 1981 و1995، نشر تقريراً كان طلبه منه وزير الاقتصاد في تلك الفترة، بيار موسكوفيسي، ويتضمن التقرير 15 اقتراحاً من أجل اعتماد آلية اقتصادية جديدة بين إفريقيا و فرنسا. وقد كتب فيدرين أن "حصة فرنسا في سوق جنوب الصحراء قد تراجعت بين العام 2000 والعام 2011 من 10،1 بالمئة إلى 4،7 بالمئة".
وفي 5 كانون الأول / ديسمبر2013، حصلت فرنسا على إجماع في مجلس الأمن حول القرار 2172 الذي يسمح بتدخل جديد في جمهورية إفريقيا الوسطى. وكان اتخاذ هذا القرار نتيجة لتوافق معقد جداً. ففرنسا كانت تريد أن يكون تدخلها لدعم بعثة أممية كما في مالي. ولكن معارضة الاتحاد الإفريقي لم تسمح بمناقشة إرسال قوة دولية إلا بعد انقضاء ثلاثة أشهر. وفي غضون ذلك، يكون على الاتحاد الإفريقي أن يرسل 6000 رجل (قوة ميسكا) لتحل محل القوات الإفريقية التابعة لمجموعة بلدان إفريقيا الوسطى (قوة فوماك) التي تنشر حالياً قوة قوامها 1400 جندي في جمهورية إفريقيا الوسطى. وهكذا حصلت فرنسا على موافقة مجلس الأمن على أن تقوم بإطلاق عملية موازية لعملية "ميسكا".
وفي 6 كانون الأول / ديسمبر 2013، ترأس هولند قمة في الإليزيه دعيت إليها 53 حكومة إفريقية. وخلال القمة، اقترح هولند أن تقوم فرنسا بتدريب 20 ألف جندي سنوياً من أجل تكوين قوة إفريقية. وتريد فرنسا من خلال هذا المسعى إضعاف الاتحاد الإفريقي وتعزيز بنى إقليمية تمكن السيطرة عليها بسهولة أكبر. وكل هذه الأحداث تأتي متناغمة مع استراتيجية تهدف إلى استعادة الهيمنة الاقتصادية على المنطقة التي يتهددها حالياً تصاعد نفوذ البلدان الناهضة كالصين والهند. وهذا لا يعني أن التدخل الفرنسي "مجرد عن المصلحة" وإذا كانت جمهورية إفريقيا الوسطى قد أصبحت منهكة تماماً في ظل ما تعيشه من فوضى عارمة، فإن فرنسا هي التي تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن هذا الوضع. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كانت جمهورية إفريقيا الوسطى تابعة لفرنسا على الدوام، إلى حد أن شركة آفيرا الفرنسية للطاقة قررت في العام 2010 تأجيل اعمل في استغلال منجم اليورانيوم في باكوما بانتظار تحسن أسعار هذه المادة. كما أن سياسة البلاد النقدية ترسم في باريس ومن قبل بنك فرنسا.
في العام 2050، سيكون ربع سكان العالم من الأفارقة، ما يعني أن هذه القارة التي تعج بالثروات ستصبح مقصداً لا محيد عنه بالنسبة للناهبين والكواسر. وبعد خمسين عاماً من الاستقلالات، ما تزال القوى الاستعمارية السابقة هي ما يحدد مصير إفريقيا. وهنا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كانت إفريقيا الوسطى قد انتهت. فالواقع أن هذا هو واقع إفريقيا التي لم تعرف السلام طيلة الخمسين عاماً المنصرمة بفعل تشابك مصالح القوى الاستعمارية السابقة، وبفعل ندرة المواد الأولية التي تغص بها إفريقيا، وأيضاً بفعل ظهور لاعبين جدد يقدمون لها ما لا تستطيع رفضه.
وإزاء كل هذا الواقع المر، ما الذي تفعله إفريقيا ؟ هل هنالك تنسيق بين دولها من أجل تحقيق الأمن الغذائي ؟ من أجل طبابة بمستوى لائق ؟ هل تدرس إفريقيا فرص تنميتها الذاتية ؟ هل تطلب من الآخرين أن يتركوها بسلام، هم الذين يزودون القوى المتنازعة بالسلاح ويدعمون الطغاة الذين يرفضون تداول الحكم ؟ لا شيء من كل هذا. قواتها لـ "التدخل السريع" التي تحمل أسلحة غربية أصبحت ضرباً من الخيال. فعلى سبيل المثال، تقوم تشاد في ظل حكم إدريس ديبي بدور كلب الحراسة في خدمة فرنسا طالما أنه يفوح برائحة القداسة حتى الانقلاب العسكري المقبل. إن سياسة فرنسا تجاه "مستعمراتها"، أياً يكن رئيسها، تتمتع بقابلية ممتازة للاستمرار، والبلدان الفرنكوفونية سابقاً تقبع كلها تحت حكام دكتاتوريين مدللين من قبل باريس.
ولكن، لماذا هذا الصراع في النهاية ؟ يبدو أن ذريعة التدخل الإنساني مناسبة تماماً. وهذه المرة، يوضع الصراع الديني في مقدم المسرح. وفي هذه الأثناء، فإن وسائل الإعلام التي تشيطن هذا أو ذاك وفق هندسة بأبعاد متغيرة تحدثنا عن جنوب السودان، المنتزع من السودان، والذي يصطرع اليوم من أجل النفط. سيسقط آلاف القتلى، وستحل مجاعة مرعبة، ولن يتحرك أحد اللهم إلا إذا تحرك بان كيمون الذي سيفتح صندوقه الفارغ ليطلب الصدقة دون جدوى من البلدان الغنية. هذا هو العالم !
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018