ارشيف من :أخبار لبنانية

14 آذار: زمن الحنين إلى عزّ عوكر 


14 آذار: زمن الحنين إلى عزّ عوكر

&#65279

غسان سعود - صحيفة الاخبار



لهجرة الرئيس سعد الحريري أثرها السلبي على قوى 14 آذار، وكذلك لاغتيال شخصياتها الرئيسية. إلا أن الضرر الأكبر بهذا الفريق تلحقه لا مبالاة السفارة الأميركية بما يتخبطون به، بعدما كانت عرّابة أحلامهم الكبيرة.

قبل بضعة أشهر، كان في صفوف سياسيي 14 آذار من يعدّ الأيام لتعيين سفير أميركي جديد محل مورا كونيللي. ليس لحاجة هذا الفريق إلى وصيّ، ولكن لافتقاده، في شكل أساسيّ، الى من يقول له أقلّه ماذا يحصل في العالم. التزمت كونيللي استراتيجية السفيرة التي سبقتها، ميشيل سيسون، بحصر الاهتمام الأميركي المعلن في الجوانب الثقافية اللبنانية، رغم التغييرات الإقليمية التي ظلّلت ولايتها. أحبّت كونيللي ضيافة معراب، وسُرّت بطموح النائبة السابقة نايلة معوض، لكنها لم تسع وراء أي دور قيادي على غرار السفير جيفري فيلتمان، مثلاً. بقيت المهمة الدبلوماسية، بالنسبة إليها، مجرد وظيفة تنتهي عند انتهاء الدوام. علّق الرئيس فؤاد السنيورة، بحسب مقربين منه، آمالاً كبيرة على عودة الأميركيين عبر السفير الجديد إلى إدارة الملف اللبناني، خصوصاً بعد اغتيال اللواء وسام الحسن وإقفال السفارة الأميركية في دمشق وابتعاد عوكر عن الملف السوري الذي يتولاه الدبلوماسيون الأميركيون في تركيا.

لم يتخيّل من يودّعون سفيراً بالصفير لاستقبال آخر بالتطبيل والتزمير أن تسلّم الإدارة الأميركية السفارة مجدداً الى من ودّعوه بالصفير سابقاً. السفير الأميركي الجديد ديفيد هيل يعرفهم جيداً ويعرفونه. وفي أكثر من مكان تتردد لازمة أخرى: «لا يعجبهم ولا يعجبونه». يروي أحد طبّاخي لقاء قرنة شهوان أن هيل، الرجل الثاني في السفارة الأميركية أيام السفير ديفيد ساترفيلد (1998 – 2001)، كان يسأل باستعلاء عمّا يفعلونه، موحياً باستحالة حكم اللبنانيين لأنفسهم بأنفسهم. وكان، لاحقاً، أحد أعمدة الفريق الذي سوّق، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لنظرية الانسحاب السوريّ إلى البقاع فقط. في هذا السياق، ينتمي هيل إلى دبلوماسية التسعينيات الأميركية في ما يخص الملف اللبناني: تفويض سوريا حكم لبنان. لا يسمح الرجل، كما يبدو، لأحد بلعب دور النائب وليد جنبلاط على يمين فيلتمان. يتحرّك بحذر دبلوماسي شديد، يقول أحد المطلعين، ولا يثق بأحد من السياسيين. ويضيف سفير لبنانيّ متقاعد: «على عكس غالبية السفراء، يعرف هيل وظيفة الرئيس فؤاد السنيورة طوال سنوات حكم الرئيس رفيق الحريري، وهو غير معجب بقيادة جنبلاط المتعرجة للطائفة الدرزية». ويشير المصدر نفسه إلى تجاهل بعض اللبنانيين، حين يتحدثون مع الأميركيين، أن هؤلاء بنوا امبراطوريتهم فوق جماجم الهنود الحمر وعاداتهم وتقاليدهم وخصوصياتهم، وأن التكتلات المذهبية المغلقة التي تتقدم مصلحتها المصلحة العامة تتناقض مع كل «نظام القيم الأميركية» المعلن. لن ترى دمعة على خد سفير أميركي حين تحدّثه عن الخطر المحدق بالعلويين أو الموارنة أو السنة أو الدروز؛ منطق الحديث لا يعنيه، وإن كان هيل يحرص على الاجتماع دورياً مع اللقاء المسيحي، مثلاً، مبدياً في كل مرة تفهمه لمخاوفهم.

عيّن هيل سفيراً في بيروت في 1 آب الماضي. حطّت طائرته، بعد أيام من تفجيري بئر العبد والرويس وقبل تفجير السفارة الإيرانية، في المطار الذي يذكّره طريقه بـ «الصورة الأيقونية» لأحد جنود مشاة البحرية الأميركية وهو يُنقل على حمّالة من تحت أنقاض مقر المارينز الذي دمّر في تفجير انتحاري شهير عام 1983. يقول مدير أحد المراكز الثقافية، ممن تجمعهم علاقة وطيدة بالسفارة، إن من ضرب الأميركيين في تلك المرحلة كان بالنسبة إليهم من دون عنوان، لا يفهمون عليه ولا يمكنهم بالتالي التفاهم معه. و«حتى لو لم يقل أحد من الدبلوماسيين الأميركيين ذلك، لم تكن السفارة الأميركية في بيروت قادرة يوم تفجير السفارة الإيرانية على تجاوز المقارنة، أولاً، بين ما يتعرض له خصمها المفترض اليوم وما تعرضت له في السابق، وثانياً حجم التغيير الذي طرأ على من تعتقد أنه استهدفها قبل ثلاثين عاماً من تحديده عنوان إقامته إلى فهمهما (من دون تفهّم) لبعضهما بعضاً». لم تصب السفارة النشوة التي غمرت أصدقاءها المفترضين، وعبّر نائب سابق أمام زملائه عن خيبته من تجهم السفير ومقاطعته تعليقاته بصرامة. وتحت عنوان الحفاظ على الاستقرار، يمكن رصد الانقلاب الأميركي على محاولة الإدارة السابقة إقصاء حزب الله. يقول هيل في اجتماعاته ببعض الأطراف اللبنانية ان بلاده تتمنى أن لا ترى حزب الله في الحكومة، لكن ذلك ــــ بحكم موازين القوى المحلية ــــ مستحيل. و«إقصاء الحزب يعزّز نفوذه».

يشير موقع الخارجية الأميركية إلى أن خريج كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون، إنتقل من بيروت إلى عمان ليشغل بين عامي 2005 و2008 موقع السفير، قبل عودته إلى واشنطن لشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية للمكتب المسؤول عن إسرائيل ومصر وبلاد المشرق، ما أتاح له العودة مجدداً إلى بيروت. هنا حافظ على برودة علاقات سلفيه (كونيللي وسيسون) مع غالبية القوى السياسية، باستثناء تغيير وحيد في علاقة إدارته برئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون. ويقول أحد المطلعين إن انفتاحه على عون ومحاولته الفوز بثقته يعود إلى الاعتقاد الأميركيّ بأن جنرال الرابية قادر على خلط كل الأوراق في البلد، كما فعل عام 2006، في حال تعذّر تفاهمه مع حلفائه في شأن رئيس الجمهورية المقبل.

يترك هيل بعد لقائه منسّق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد للأخير الحديث عن سلاح حزب الله وتدخّل الحزب في سوريا وغيره، يكتفي بالقول إن دولته «تتشارك مع القوى الممثلة في 14 آذار بالرغبة في دعم الممارسات الدستورية وتطبيق اتفاق الطائف». ويختم باللازمة الأميركية: «بالنسبة الى الولايات المتحدة، من الواضح أن نظام الأسد يجب أن يذهب». أما في الرابية فيتحدث عن إيمان بلده بوجوب أن تكون جميع المجتمعات الدينية حرة في ممارسة معتقداتها وأسلوب حياتها (...). ويستفيض في إدانة «الوحشية ضد المدنيين الأبرياء في سوريا، والهجمات ضد الأقليات الضعيفة». ويشير، هنا، إلى خطر الفساد وتهديده المؤسسات وطريقة الحياة في لبنان. ويكرر التذكير أنه يمثل بلده لدى جميع اللبنانيين، ويود الاجتماع بجميع الذين يستطيع أن يجتمع معهم: «أنا هنا للاستماع إلى جميع الأطراف». مع الأخذ في الاعتبار أن علاقته وطيدة جداً بالرئيس نبيه بري وقديمة بالنائب سليمان فرنجية، فيما يكشف أحد المطلعين أن سفارة هيل نقلت إلى حزب الله تحذيرين جديين من تفجير كبير قبل بضعة أسابيع عبر جهة أمنية، وأن لقاء غير رسمي عُقد بين دبلوماسية من السفارة وأحد المقربين من حزب الله.
يتفرج هيل من عوكر على سير المفاوضات الفلسطينية ــــ الإسرائيلية التي أمضى السنوات الثماني الأخيرة يحفر بالإبرة في صخورها. ورهانه على نجاح باراك أوباما حيث فشل كثيرون كبير. متابعته للأزمة السورية، يقول من يلتقونه، تقتصر على قراءة التقارير الدبلوماسية وبعض المقالات الصحافية. وينقل عن إدارته وجود سر يتألف من كلمة واحدة: الاستقرار. في جامعة هايكازيان يتحدث بحماسة مع الطلاب الجامعيين، تارة عن وسائل محاصرة البطالة عند الجامعيين وطوراً عن دعم المرأة العاملة في المجتمعات الفقيرة.

يقول دبلوماسي لبناني إن لبنان خارج شاشة الرادار الأميركي، ويلفت وزير خارجية سابق الى أن الأميركيين في مرحلة مواكبة الأرض بما يتلاءم مع إيقاع المنطقة وليس العكس. ويضيف: «اقتنع الأميركيون أن لبنان ساحة تبعية في كنف لاعبين آخرين، وليس الآخرين في كنفه». فعلياً، يتصرف سفيرهم في لبنان كمجرد دبلوماسي وليس كقائد لواء يتوجب عليه إبهار المحافظين الجدد بفتوحاته. مقارنة بشخصية فيلتمان النارية، هيل جبل جليد. وهو يمثل، على المستوى الشخصي وفي قناعاته، نقيض سمير جعجع: يؤمن بالتسويات وينسجم بالتالي مع سياسة إدارته التي يقودها صديقه وزير الخارجية الأميركي جون كيري. إنه الحظ السيئ لفؤاد السنيورة وفارس سعيد.
2014-01-10