ارشيف من :أخبار لبنانية

«الأمر الواقع» أفق مغلق.. و«الوحدة الوطنية» مخرج وحيد

«الأمر الواقع» أفق مغلق.. و«الوحدة الوطنية» مخرج وحيد

ايلي الفرزلي - صحيفة "السفير"

حكومة المثالثة تتقدم. وإذا سارت الأمور كما يأمل كثيرون، فإن تشكيلها لن يتأخر عن الأسبوع المقبل. فقد تتابعت في اليومين الماضيين حركة الاتصالات. تواصل وائل أبو فاعور مع نادر الحريري ثم مع علي حسن خليل و«حزب الله». وبالتزامن مع استمرار التواصل والتنسيق بين أطراف «8 آذار»، كان الرئيس سعد الحريري يستقبل في باريس كلاً من فريد مكاري ونهاد المشنوق ومروان حمادة. ومساء أمس، زار أبو فاعور الرئيس فؤاد السنيورة يرافقه نادر الحريري، فيما كان على تواصل دائم مع قصر بعبدا.

وبعد أن يلتقي السنيورة سليمان اليوم، فإن أي لقاء سيجمعه مع بري لاحقاً، سيكون إعلاناً عن انتقال المشاورات إلى مرحلة التفاوض على الحقائب والأسماء، خاصة أن ثمة تفاصيل لا تزال في حاجة الى بحث معمق، لا سيما ما يتعلق بوزارة الطاقة وكذلك وزارة المالية، حيث ترددت معلومات عن وجود تحفظ من السنيورة على إسنادها الى وزير محسوب على الثنائي الشيعي.

التفاؤل الذي يعممه العاملون على خط التوافق لم يلغ حقيقة أن حكومة الأمر الواقع لا تزال مستعدة لأخذ موقعها بمجرد الإعلان عن فشل المفاوضات. الرئيس ميشال سليمان يذكّر بها في كل مناسبة. أعطى أمس أيضاً فترة سماح تنتهي بعد عشرة أيام.

يتردد أن العقبة الوحيدة الباقية تتمثل في تبرير «المستقبل» انقلابه على ما سبق وأعلنه مراراً لجمهوره. بالرغم من أن معظم الأحزاب لا تتعامل مع جمهورها بوصفه رقيباً على أعمالها إنما بوصفه تابعاً طائفياً، إلا أن الانعطافات الكبيرة غالباً ما تقابل بالإحجام. وليد جنبلاط ليس معياراً في ذلك، إلا أن لـ«المستقبل» بيئة مختلفة. ثمة دائماً من هو جاهز لقضم حصة من حساب «التيار».

انطلاقاً من ذلك، يُفهم قلق «المستقبل» ورغبته في تهيئة قاعدته الجماهيرية. الفترة الحالية تبدو أشد حساسية من مرحلة زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق. الحرب السورية جعلت كل الأسقف مرتفعة. وعليه، يجد «المستقبل» نفسه مضطراً أن يبرر، لبعض حلفائه، ولا سيما «القوات»، إضافة إلى بعض قيادييه المعترضين على «انبطاحه» من أجل المواقع الوزارية، ومن ثم شارعه، كيف سيشارك مع «حزب الله» في الحكومة، بعدما رفض ذلك طيلة الفترة الماضية بحجة مشاركة الحزب في الحرب السورية. ما طرأ من معطيات في الآونة الأخيرة، ولا سيما استشهاد محمد شطح، وبدء جلسات المحكمة الدولية الأسبوع المقبل، زاد الأمور صعوبة بالنسبة له: مشاركته في حكومة جامعة سيعني «جلوسه على طاولة واحدة مع من يتهمه بقتل شطح والرئيس رفيق الحريري».

ثمة من يؤكد أن المخرج الذي يبحث عنه «المستقبل» لمواجهة شارعه، وما يزال مرفوضاً بشدة من قبل «حزب الله»، هو أن لا يُمثل الحزب بوجوه حزبية فاقعة، ويكتفي بتسمية وزراء محسوبين عليه.

مع فائض التفاؤل الذي يتسابق «8 و14 آذار» على تعميمه، هنالك كثر من الطرفين لا يصدقون أن ما كان مستعصياً خلال طيلة الفترة الماضية أصبح متاحاً اليوم. هؤلاء ينطلقون من بديهية وحيدة: إذا كان المشهد السوري قد جمّد كل شيء في لبنان، فذلك المشهد لم يتغير بعد. كل ما عدا ذلك يسجلونه في خانة المناورة.

لو صدقت توقعات هؤلاء فإن «الأمر الواقع» يصبح الأكثر ترجيحاً، خاصة في ظل تأكيد سليمان أنه عندما يتبلغ فشل محاولات تشكيل حكومة جامعة، سيسير مع تمام سلام بتشكيل «الحكومة الواقعية».

مصدر متابع في «8 آذار» يجزم أنه لا مصلحة لفريقه في تأخير مفاوضات تشكيل الحكومة. يقول إنه لا يكفي أن توحي «14 آذار» أنها تسعى لإتمام التوافق ثم تغرق النقاش في التفاصيل. ويوضح أن فريقه يرفض إطالة عمر المشاورات، وبالتالي «إذا تبين أن الحكومة الجامعة لن تبصر النور وأن سليمان لن يتراجع عن تشكيل حكومة واقعية، فمن مصلحة 8 آذار الإسراع في تشكيل هذه الحكومة الساقطة سلفاً». يوضح المصدر أن ذلك سيعني «إفساح المجال أمام الإسراع أيضاً في إسقاطها في المجلس النيابي ومن ثم بدء رئيس الجمهورية لاستشارات جديدة وتكليف رئيس حكومة جديد».

قبل ذلك يطرح المصدر أكثر من سؤال عن معنى تشكيل حكومة معروف سلفاً أنها لن تنال ثقة المجلس النيابي، وستكون ميثاقيتها مفقودة، في ظل توقعات باستقالة الوزراء الشيعة والدروز منها.

ومع افتراض تشكيل الحكومة مع نهاية الشهر الحالي، فإن الموعد التقريبي لمثولها، مع بيانها الوزاري، أمام المجلس، سيكون في نهاية شهر شباط المقبل، حيث تتحول رسمياً إلى حكومة تصريف أعمال. عندها يفترض برئيس الجمهورية، حسب العرف، أن يحدد موعداً لاستشارات نيابية جديدة خلال أيام، ومن ثم تكليف شخصية جديدة لتشكيل الحكومة، قبيل منتصف شباط. وحده النائب وليد جنبلاط سيكون قادراً على تحديد ملامح هذه الشخصية، فإذا كانت من «8 آذار»، وهو مستبعد، لن يكون من الصعب تكرار تجربة حكومة اللون الواحد. أما إذا كانت وسطية فيتوقع أن لا تكون مسيرتها مختلفة عن مسيرة سلام. وبالرغم من أن «8 آذار» وجنبلاط سيفضلان حينها إعادة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي، إلا أنه يتوقع أن لا يقبل تكرار تجربة سلام.

كل الخطوات الدستورية التي ستلي فتح سجل خاص باسم حكومة سلام بوصفها الحكومة الأولى التي تفشل في نيل الثقة، لن يلغي حقيقة، أنها ستحل محل حكومة ميقاتي في تصريف الأعمال.

تعذر تشكيل حكومة جديدة في الفترة الفاصلة عن موعد الاستحقاق الرئاسي سيعني نظرياً تسلمها لصلاحيات الرئاسة. ذلك، يطرح إشكاليات عديدة إذ يقول خبير دستوري: هل يعقل أن تتسلم حكومة غير حاصلة على ثقة المجلس صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يفترض أن ينتخبه المجلس نفسه؟ وهل يعقل أن تتسلم حكومة مبتورة السلطة التنفيذية بشقيها الرئاسي والوزاري، إذا ما استمر غياب طائفتين عنها؟ يرى المصدر أنه لاستباق الأزمة التي يمكن أن تنتج عندها، على رئيس الجمهورية إلغاء المراسيم الثلاثة التي أصدرها (قبول استقالة ميقاتي، تكليف سلام وتشكيل الحكومة) فور فشل الحكومة في الحصول على ثقة المجلس. ويوضح أن ما يعطي القوة للحكومة هو الثقة وليس مرسوم تشكيلها، وبالتالي فإن إلغاء المراسيم يكون تعبيراً عن قرار المجلس النيابي. مصادر متقاطعة في «8 و14 آذار» تعارض وجهة النظر هذه بشدة، مؤكدة أنه فور صدور مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة، تصبح حكومة ميقاتي مثلها مثل أي حكومة سابقة، وبالتالي يستحيل إحياؤها مجدداً.

تخلص مصادر الطرفين، بعد جردة الاحتمالات المطروحة، إلى أن تشكيل حكومة وحدة وطنية في أسرع وقت هو الحل الوحيد الذي يمكن أن يعطي أملاً للبنانيين بعدم انهيار الوفاق الهش الذي ما يزال يحقق الحد الأدنى من الأمان، اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً وسياسياً.
2014-01-11