ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا لو قبلت 14 آذار بالحكومة وماذا لو عطلتها؟

ماذا لو قبلت 14 آذار بالحكومة وماذا لو عطلتها؟

ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"

ماذا لو ولدت الحكومة السياسية الجامعة من رحم الانتظار المستمر منذ نحو عشرة أشهر؟ سؤال بدأت دوائر القرار في 8 آذار تبحث جدياً في مدلولاته وابعاده منذ ان اعطى فريق 14 آذار وبالتحديد تيار "المستقبل" موافقة مبدئية أولية على صيغة الـ"8، 8، 8" المعدلة، وكان الاستنتاج الاول ان ثمة وراء الاكمة بوادر تنطوي على توجهات جديدة لدى تيار "المستقبل" ومن يقف وراءه.

لم يعد خافياً ان القبول بالحكومة السياسية الجامعة معناه اسقاط لواء حكومة المحايدين التي دأب رموز هذا الفريق على التمسك بها واعتبارها معياراً شبه حصري للقبول بأي حكومة جديدة.

وهذا العنصر المستجد يعني استطراداً ان فريق 14 آذار تخلى عن فكرة عزل "حزب الله" أو اقامة أول حكومة لا يتمثل فيها الحزب ولا يسمي أعضاءها الشيعة الثنائي الشيعي، وهي تجربة سياسية جديدة كل الجدة في تأليف الحكومات منذ الشروع بانفاذ إتفاق الطائف عام 1990. واستتباعاً فإن ذلك القبول بالحكومة الجامعة بصرف النظر عن طبيعتها وبيانها الوزاري وتركيبتها، يعني العزوف عن كل الآمال والرهانات التي راودت فريق تيار "المستقبل" منذ ان نجحت الضغوط في استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والمتمحورة حول "الانتقام" بمفعول رجعي لخطوة اسقاط الفريق الآخر لحكومة الرئيس سعد الحريري الاولى، وفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة تفضي الى حشر "حزب الله" في الزاوية وجعله في موقع الدفاع الضعيف عن النفس.

وعلى المستوى السياسي العام يعني ايضاً قبول "المستقبل" الصيغة الحكومية السياسية الجامعة، بالنسبة الى فريق 8 آذار ان خصمه اللدود أيقن ان الرهان على امكان احداث تحولات في الداخل اللبناني في ضوء التحولات في الساحة السورية لم يعد لها مكان، خصوصاً بعد التطورات الدراماتيكية المتدحرجة منذ الاتفاق الروسي – الاميركي حول ملف السلاح الكيميائي السوري والذي اقترن بتغيرات جلية في مسار الميدان في سوريا وتحوّل النظام هناك من موقع المحجم والمنكفئ الى موقع المقدم والمهاجم ميدانياً. وهذا ما يمكن وصفه بأنه تكيف ولو متأخر مع التحولات الداخلية والاقليمية، والبحث عن سبل لتقليل حجم الخسائر خصوصاً بعد الموقف الاميركي – الاوروبي الذي كان جلياً في طلبه من الجميع بمن فيهم رئيس الجمهورية ميشال سليمان السير بخيار الحكومة السياسية الجامعة، والحيلولة دون المضي قدماً في خيار حكومة الحياديين التي تشكل وصفة كاملة للحكومة الصدامية التي تفتح الاوضاع في البلاد على احتمالات متعددة ولكنها سلبية المؤدى.

لا تخفي اوساط رئيس مجلس النواب نبيه بري ان حساباتها كانت حتى السبت الماضي أوشكت أن تكون محصورة دون احتمال واحد، وهو ان حكومة الامر الواقع واقعة لا محالة وان أمر اعلانها لن يتعدى أياماً قليلة، وان بري بدأ مقيماً على لون من القنوط خصوصاً وان خيارات مواجهة هذا الامر المرفوض من جانبه تكاد تكون منعدمة، وهو فوق ذلك كله مضطر الى ان يستقل سيارته ويذهب الى قصر بعبدا ليكون في الصورة التذكارية الى جانب شخصيات مجهولة بالنسبة اليه أو لها تاريخ من العداوة معه.

وتذكر هذه المصادر ان بري عادت الى خاطره صورة الأوضاع الصعبة والمريرة التي كانت في اعقاب انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل عام 1988 وما تداعى عنها. وبمعنى آخر وجد بري في الآتي بعد اشهر قليلة صورة طبق الأصل عن مرحلة يكنّ لها البغضاء ويمقت لحظة عودتها الى ذهنه. وهكذا فانه سارع الى دعم مبادرة النائب وليد جنبلاط (صيغة 8 – 8 - 8 "المعدلة" حتى قبل أن يقف على خاطر حلفائه لأنه وجد انها تحقق جملة اهداف في ضربة واحدة، فهي تربك المتحمسين للحكومة الحيادية كفريق تيار "المستقبل" وتفرمل اندفاعة رئيس الجمهورية ميشال سليمان المستعجل لجملة أهداف وتعطي المتعقلين في الفريق الآخر فرصة التجرؤ على الدفاع عن آرائهم.

ويبدو جلياً، وفق مصادر بري، ان الأهداف الثلاثة تحققت دفعة واحدة والخلاصة واحدة اذ ربما الفريق الآخر كان متخوفاً من تداعيات حكومة الأمر الواقع. وبالنسبة الى المصادر اياها امر كبير الاهمية ان تأتي لحظة سياسية يتبدى فيها للفريق المستعجل ان عليه منذ البداية ان يحسب خط الرجعة حتى لا يوقع نفسه وجمهوره في مخاطر الحسابات المستعجلة، وان الوطن شراكة ولا يمكن احداً أن يلغي احداً في الداخل حتى ولو كان ثمة جهة اقليمية فاعلة ووازنة تؤمن له الدعم المطلق وتجاريه في اندفاعاته.

وفي المقابل ماذا لو بدّد فريق 14 آذار فرصة الحكومة السياسية الجامعة وعاد الى خياره الاول أي حكومة الأمر الواقع متسلحاً بانعدام الفرص والسبل امام الفريق الآخر (8 آذار) للمواجهة وللرد؟ بالنسبة الى دوائر القرار في 8 آذار، يعني ذلك ان خيار دفع البلاد الى منزلق التصادم ما زال قائما عند اصحاب هذه الدعوة جميعاً. وساعتها ليس لدى فريق 8 آذار الا العودة الى خيارات المواجهة التي كان قد أعدّ عدتها قبل أن يشرع جنبلاط بترويج صيغته. ولم يعد هذا الفريق يخفي ان هذه الخيارات تتدرج على النحو الآتي:

- الضغط لإفقاد هذه الحكومة صفة الميثاقية من خلال اقناع الشخصيات الشيعية والدرزية المسمّاة فيها للاعتذار عن المشاركة.
- عدم اعطاء الحكومة الثقة في مجلس النواب.

- تحذير من يعنيهم الأمر بأن حكومة الأمر الواقع تعني قطع الطريق تلقائياً امام انتخابات الرئاسة الاولى وهو امر كان الرئيس بري اول من حذّر منه، ثم اعلنت الكتلة النيابية لـ"حزب الله" صراحة بالامس بأنه خيار مأخوذ بالاعتبار.

ووفق آخر حسابات فريق 8 آذار انه صار صعباً جداً على تيار "المستقبل" والرئيس سليمان وسلام تجاهل مبادرة جنبلاط والعودة الى الخيار الذي سار فيه الجميع بمن فيهم الصرح البطريركي.
2014-01-11