ارشيف من :أخبار لبنانية
الهدف هو الحكومة أم التمديد؟
جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"
ثمة شيء تبدّل على المستوى الاقليمي ما أنتج تحولاتٍ لبنانية لم تكن في حسبان أحد. ففي إيران كلام حول اتفاق تَنفيه واشنطن في شكل غير حاسم... وتحذير من الرمز الاصلاحي الأول هاشمي رفسنجاني للسعودية، فيما يشبه الدعوة الى البدء بالحوار. وفي سوريا إقصاء لحلفاء قطر عن «المجلس الوطني السوري»، وحرب لإنهاء «داعش».
أما في سويسرا فاستعدادات صعبة لانطلاقة «جنيف - 2»، فيما تبدأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان اولى جلساتها وفق وتيرة هادئة وبطيئة منسجمة مع حركة المفاوضات في المنطقة لا مع ضجيج الحرب المفتوحة.
تزامناً مع كل ذلك توقف فجأة خطاب التعبئة المذهبي الذي كان سائداً، وتراجع كل طرف خطوةً الى الوراء، وانخرط الجميع في حوار شاق تحت سقف التوافق بعد أن كانت لغة التفجيرات هي السائدة في الشارع مرةً لاغتيال محمد شطح، ومرات أُخرى لاغتيال الناس العزل في الضاحية الجنوبية المعتبرة عاصمة «حزب الله».
صحيح انّ الحزب تراجع عن صيغة الـ 6+9+9 والتي كان قد نصح أمينه العام السيد حسن نصرالله فريقَ «14 آذار» بالقبول بها، معتبراً اياها الفرصة الاخيرة، لكنّ تيار «المستقبل» قدّم تنازلاتٍ اكبر عندما تجاوز العناوين التي تصدرت خطابه السياسي - التعبوي طوال المرحلة الماضية لجهة عدم القبول بالجلوس مع «القتلة» ولتأليف حكومة من دون «حزب الله» وبعد انسحابه من سوريا، واما المطلب الذي توّج خطاب «المستقبل» فكان من خلال اعلان الرئيس فؤاد السنيورة بدء «معركة تحرير لبنان من السلاح».
وصحيح ايضاً انّ «خليلَي» حركة «أمل» و»حزب الله» فاجآ الجميع بإعلان قبولهما حكومة الـ 8+8+8، لكنّ الصحيح اكثر هو انّ «حزب الله» فوجِئ بقبول تيار «المستقبل» مبدأ «الوزير الملك» الذي اشترطه سراً لقبوله صيغة الـ 8+8+8. فالبعض من فريق «8 آذار» كان يعتقد الى حدّ الاقتناع انّ السعودية لن تقبل بهذا العرض تحت ايّ سبب وهي التي رفضته منذ تسمية سلام لتأليف الحكومة.
والواضح انّ ما ظهر حتى الآن هو تكريس لمبدأ فتح الابواب الاقليمية الموصدة ما يؤسس لمرحلة أُخرى لاحقاً لا بدّ من أن تشهد عودة التواصل السعودي ـ الايراني بطريقة او بأُخرى.
لكنّ موجةَ التفاؤل الواسعة التي سادت الاوساط السياسية والاعلامية بدا انه مبالغ فيها حول ولادة سريعة للحكومة، أو على الاقل، تفاؤل متسرع.
فصحيح انّ خطوة كبيرة الى الامام جرى إمرارها عبر التوافق على صيغة الـ 8+8+8 مدعومة بالقبول بـ»الوزير الملك»، إلاّ انّ تفاصيل كثيرة ما تزال تشكل عقبات كبرى لناحية توزيع الحقائب والبيان الوزاري ومطالب النائب ميشال عون واسم الوزير الملك، ما جعل احد المشاركين في الطبخة الحكومية يقول: «لقد تقدمنا بنسبة 35 % فقط ويتبقّى مسار طويل لـ65 %».
فمثلاً حتى في موضوع المداورة في الحقائب طلب السنيورة من رئيس الجمهورية عدم شمولها وزارة المال. لكنّ سليمان رفض معتبراً انّ المداورة ستشملها إن لم يكن اليوم فغداً. وبالتالي لا حاجة لخلق العراقيل.
وفي موضوع «الوزير الملك» يبدو سليمان مصراً على أن يكون العميد المتقاعد عبد المطلب حناوي، فيما يعتبره «حزب الله» من حصة الرئيس وليس قادراً أن يلعب دور «الوزير الملك».
انه غيض من فيض المشكلات التي ما تزال تعترض ولادة التشكيلة الوفاقية ما يبقي التفاؤل في اطار الشك. لكنّ السؤال الابرز: لماذا الحكومة الآن وليس توظيف المناخ التفاؤلي لمصلحة ملف الاستحقاق الرئاسي؟ وبكلام اكثر صراحة، فإنّ تأليف الحكومة ووفق هذا الجهد كله انما ليس لحكومة ستعيش اسابيع معدودة لأنّ المفترض ان يغادر رئيس الجمهورية قصر بعبدا في 26 ايار المقبل. وبالتالي فإنّ من غير المنطقي الدخول في هذه المصاعب الّا اذا كان الهدف تأليف حكومة وفاقية لتواكب اما الفراغ او التمديد.
من هنا يمكن استنتاج حماسة رئيس الجمهورية الذي ما يزال يراهن على تمرير التمديد بحجة تجنّب الفراغ. لذلك مثلاً سيقاتل حتى النهاية في تكريس العميد حناوي «وزيراً ملكاً»، وهو في المناسبة ابلغ الى الرئيس فؤاد السنيورة أنه يضمن أداءَ حناوي في الحكومة ضماناً كاملاً، فيما همس في أذن «حزب الله» أنّ حناوي معروف في أيّ معسكر سيكون لدى الوصول الى الفراغ الرئاسي.
والمعروف انّ التعديل الدستوري في حال التمديد يجب أن تتقدم به الحكومة بأكثرية الثلثين في مرحلة ما بعد آذار. والمثير ايضاً هذا الهمس الخافت بين مسؤولي تيار «المستقبل» بوجود فكرة التمديد لسليمان ما بين السنة والسنتين، وتقاطع ذلك مع تبرير الرئيس سعد الحريري في اطار انعطافته الجديدة بأنه لا يعتقد انّ الانتخابات الرئاسية ستحصل في موعدها.
اضف الى ذلك حرص سليمان على تبديد الجوّ البارد مع البطريرك الماروني اثر مواقفه يوم عيد الميلاد فعقب العظة التي القاها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي علّق سليمان منتقداً: لماذا ركز الراعي على حتمية انتخاب رئيس جديد؟ الم يكن من باب الواقعية تحذيره بعدم الوقوع في الفراغ؟
وصحيح انّ الكاردينال ساندري وصل الى لبنان حاملاً رسالة الفاتيكان بضرورة حصول انتخابات رئاسية كأولوية مطلقة، إلّا انّ هنالك من يراهن على الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند المتعاطف مع التمديد الى الكرسي الرسولي في 24 من الجاري، حيث جرى إدراج لبنان بنداً من بنود المحادثات.
ففرنسا التي استفادت من صفقة الثلاثة مليارات دولار في اطار دعم الجيش اللبناني، ارادت إرسال اشارة معبّرة من خلال مِنح سَبق للرئيس اللبناني الاعلان عنها. لكنّ الفاتيكان يبدو في وادٍ آخر وهو الذي يأخذ ضمناً على هولاند الفضائح التي تطاوله.
لكنّ هنالك من يستعدّ في وقت ليس ببعيد، وبعد تأليف الحكومة، لطرح التمديد لسنتين اسوة بمجلس النواب، وبحجة عدم إجراء تغيير في قيادة الجيش بسبب المعونة العسكرية التي ستصله. وفي المقابل يعتقد كثيرون أنّ ذلك سيضاعف من الاضطرابات الحاصلة، وانّ التوافق على الحكومة ربما سيكون حافزاً للتوافق على الرئيس المقبل لا العكس.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018