ارشيف من :ترجمات ودراسات
هيرش: أميركا واوباما كذبا حيال استخدام الاسد لغاز السارين
بقلم غاري غراي
عن موقع Mondialisation.ca
12 كانون الأول/ ديسمبر 2013
نشر المحقق الصحافي سيمور هيرش الحائز على جائزة بوليتزر مقالة بيّن فيها أن الحكومة الأميركية والرئيس أوباما قد كذبا عن سابق قصد وتصميم عندما أكدا أن الحكومة السورية قد نفذت، في آب/أغسطس الماضي، هجوماً بغاز السارين على منطقة تسيطر عليها الجماعات المسلحة.
التقرير المفصل الذي وضعه هيرش يوم الأحد في نشرة London Review of Books، يستند إلى معلومات أدلى بها مسؤولون سابقون وحاليون في كل من أجهزة الاستخبارات والجيش الأميركي، كاشفاً عن الكذب المتعمد في البروباغندا التي تبثها الحكومة الأميركية بشكل يومي والذي تردده وسائل الإعلام دون أي نقاش خلال أسابيع بهدف تبرير هجوم عسكري على نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وكشف التقرير أيضاً عن الاختلافات الواضحة جداً داخل جهاز الدولة الأميركية حول شن ضربات جوية كان من شأنها، بحسب أحد كبار المستشارين الأميركيين في مجال العمليات الخاصة، "أن تأتي كدعم جوي عن قرب لجبهة النصرة المتفرعة عن تنظيم القاعدة".
وفي النهاية، فإن الاختلافات الداخلية حول موضوع القيام بعمل عسكري مباشر، وهي الاختلافات التي تفاقمت بفعل المعارضة الشعبية الواسعة في الولايات المتحدة لفكرة شن حرب في الشرق الأوسط دون أن يكون هنالك استفزاز يبررها، دفعت الحكومة الأميركية إلى التراجع والموافقة على الخطة الروسية الخاصة بتدمير الأسلحة الكيميائية السورية. وقد أعقب ذلك إطلاق مفاوضات مع إيران، الحليف الرئيسي لسوريا في المنطقة.
ويستعرض هيرش مسلسل الأكاذيب الهادفة، في تقارير أجهزة الاستخبارات الأميركية، إلى دفع الشعب الأميركي نحو حرب جديدة، ويؤكد أن تراجع أوباما عن ضرب سوريا لا يعني التراجع عن التوجهات العسكرية. كل ما في الأمر أن تغيراً مؤقتاً في التكتيك قد حدث، لكنه لا يلغي أهداف الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط الغني بالنفط، وأن واشنطن تتجه نحو تكثيف المزيد من الإمكانات الدبلوماسية والعسكرية بهدف عزل واحتواء روسيا، وخصوصاً الصين، اللتين تعتبرهما عدوين أشد خطورة.
كتب سيمور هيرش: "لم يقل باراك أوباما كل شيء عندما حاول أن يقنعنا هذا الخريف بأن بشار الأسد هو المسؤول عن الهجمات الكيميائية التي وقعت قرب دمشق في 22 آب / أغسطس الماضي. فقد تناسى معلومات هامة، من جهة، وقدم افتراضات على أنها وقائع، من جهة ثانية. والأهم من ذلك أنه لم يعترف بواقعة معروفة جيداً من قبل جميع أجهزة الاستخبارات، وهي أن الجيش السوري ليس الجهة الوحيدة - في الحرب الأهلية التي تدور رحاها في سوريا- التي يمكنها أن تحصل على غاز السارين، هذا الغاز المتلف للأعصاب والذي استخدم في هجوم صاروخي وفق دراسة للأمم المتحدة لم تلق المسؤولية على جهة معينة".
خلال الأشهر التي سبقت هذا الهجوم، صدرت عن أجهزة الاستخبارات الأميركية سلسلة من التقارير السرية جداً أبرزها تقرير تحت اسم " Operation Order"، وهو وثيقة على صلة بالتخطيط لشن هجوم بري. وهي تورد أدلة على أن جبهة النصرة، الجماعة الجهادية المتفرعة عن تنظيم القاعدة، تعرف جيداً تقنية إنتاج غاز السارين ويمكنها أن تنتج هذه المادة بكميات كبيرة.
وعندما وقعت الهجمات الكيميائية، كان من المفروض أن تدور الشبهات حول جبهة النصرة، لكن الحكومة الأميركية انتقت بعناية المعلومات التي يمكنها أن تبرر توجيه ضربة إلى النظام السوري".
ويتناول هيرش الخطاب الذي ألقاه أوباما في 10 أيلول / سبتمبر ونقلته قنوات التلفزة الأميركية حيث أكد بشكل حاسم : "نحن نعلم أن نظام الأسد هو المسؤول" عن هجوم بغاز السارين غربي الغوطة قتل فيه حوالي مئة شخص. كما أكد أوباما في خطابه هذا أن الاستخبارات الأميركية كانت قد تعقبت، خلال عدة أيام سبقت تنفيذ الهجوم، ما كانت تقوم به الحكومة السورية من تحضيرات لهذا الهجوم.
وعلى ما يثبته هيرش، انطلاقاً من معلومات أدلى بها مسؤولون في أجهزة الاستخبارات والجيش الأميركي (دون أن يفصحوا عن أسمائهم للرأي العام لأسباب معروفة)، فإن الحكومة الأميركية لم تكن على علم مسبق بالهجمة التي نفذت بغاز السارين. لكنها استخدمت معلومات عن تجربة سابقة في سوريا على غاز الأعصاب، وهي تجربة لم تؤد إلى سقوط ضحايا، واختلقت سيناريو قدمته على أنه معلومات حديثة جداً عن هجوم 21 آب / أغسطس.
ويستشهد هيرش بأحد هؤلاء المسؤولين في مقارنة أجراها بين عملية تزوير المعلومات هذه وبين حادثة خليج تونكين عام 1964 حيث قامت حكومة جونسون بقلب نظام تسلسل الاتصالات الملتقطة من قبل وكالة الفضاء الأميركية (نازا) رأساً على عقب، من أجل تبرير قصفها لفيتنام الشمالية.
وهنالك ما هو أكثر استحقاقاً للإدانة من "استنساب" المعلومات وتزويرها : أعني التصميم على تجاهل وإخفاء سلسلة كاملة من تقارير الاستخبارات الأميركية الصادرة خلال الربيع والصيف الفائتين والتي تصل إلى نتيجة مفادها أن "المتمردين" التابعين لعناصر جهادية يدعمها الغربيون يتمتعون بالقدرة على امتلاك غاز السارين واستخدامه. وبين التقارير المذكورة هنالك تحليلات صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سبق وأعلم بها البيت الأبيض بخصوص أمر عمليات أوصى بتنفيذها مؤتمر قادة أركان الجيش الأميركي. وهذه التحليلات تصل إلى النتيجة التالية : إن القوات الأميركية البرية التي يمكن أن ترسل للاستيلاء على مواقع تخزين الأسلحة الكيميائية السورية يمكنها أن تجد نفسها في مواجهة مع قوات "المتمردين" "القادرين على مهاجمة القوة العسكرية الأميركية بغاز السارين لأنهم قادرون على إنتاج هذا الغاز القاتل".
كما تقدم كشوفات هيرش أدلة داخلية تثبت صحة ما كان قد أصبح معروفاً من قبل أي مراقب محايد ويمتلك معلومات متواضعة. أي أنها تثبت أن البروباغندا الحربية الأميركية عن هجمات بالغاز تشنها الحكومة السورية هي نسيج من الأكاذيب الهادفة إلى إيجاد مبرر لعدوان عسكري ينتهي بإسقاط النظام السوري.
لم يكن للنظام السوري في تلك الفترة ما يدعوه إلى شن مثل هذا الهجوم. فقد كان بصدد توجيه الضربات العسكرية لقوات "المتمردين" المكروهين والمحتقرين من قبل غالبية السكان والذين كانوا قد اقتصروا في نشاطهم على النهب وقتل المسيحيين والشيعة. ثم إن الهجوم بالكيميائي قد وقع على بعد كيلومترات قليلة من مكاتب مفتشي الأمم المتحدة الذين دعاهم الأسد إلى سوريا وبدأوا تحقيقهم حول الهجمات السابقة. وفي شهر نيسان / مايو، كانت كارلا ديل بونتي، عضو هيئة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة، قد قدمت أدلة "قوية وملموسة" تثبت أن القوى المدعومة من قبل الغرب هي التي نفذت تلك الهجمات السابقة.
في المقابل، كان هنالك ما يدعو "المتمردين" المرتبطين بتنظيم القاعدة والدول الداعمة لهم، من أميركا وفرنسا وبريطانيا والسعودية، إلى ارتكاب مثل هذا العمل الفظيع، خصوصاً وأنهم قادرون على ارتكابه بهدف تبرير تدخل مباشر من قبل الغرب وتفادي الهزيمة.
كما أن حكومة أوباما لم تتمكن مطلقاً من تقديم أي دليل ملموس من شأنه أن يثبت أن نظام الأسد هو من نفذ هذا الهجوم بالغاز.
إن مقالة هيرش قد أفحمت وسائل الإعلام الأميركية التي كانت قد هرعت لالتقاط فرصة إضافية لتضخيم البروباغندا الحربية التي كانت تطلقها الحكومة الأميركية. إذ بعد ساعات من الهجوم بغاز السارين في آب / أغسطس الماضي، كانت "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" تنشران افتتاحيات تؤكد جرمية الحكومة السورية وتطالب برد عسكري أميركي. وكان صحافيون في قنوات التلفزة ممن يتم شراؤهم بأثمان كبيرة يروجون لبروباغندا الحكومة ويحاولون دفع الرأي العام إلى مواقع مؤيدة لشن حرب جديدة.
ويشير هيرش إلى أن البيت الأبيض قد دعا -بعد تسعة أيام من الهجوم بغاز السارين- مجموعة من الصحافيين تم اختيارها بعناية بالغة حيث تم تسليمهم "تقييماً من الحكومة الأميركية" يصفه هيرش بأنه "حجج سياسية لدعم وجهة نظر الحكومة في عدائها لنظام الأسد". وبين الذين تم استثناؤهم من الدعوة، نجد، على الأقل، اسم الصحافي المعروف بمواقفه النقدية عموماً جوناثان لاندي، مراسل ماك كلاتشي لشؤون الأمن القومي.
أما دور "نيويورك تايمز" فقد كان إجرامياً بوجه خاص. فقد كانت "الصحيفة المرجعية" قد استجمعت كل قواها لترويج وشرعنة أكاذيب الحكومة خلال فترة الإعداد للحرب على العراق، وقامت بنقل جميع تأكيدات الحكومة الأميركية على أنها وقائع لا حاجة معها إلى تحقيق مستقل.
ويستشهد هيرش بمقالة في مجلة "تايمز" تسعى إلى أن تثبت، بالاعتماد على تحليل عن سرقة صاروخين يعتقد بأنهما استخدما لإطلاق غاز السارين، وبأن مصدرهما هو قاعدة للجيش السوري تقع على بعد أكثر من تسعة كيلومترات من المكان المستهدف. وبهذا الصدد، يورد هيرش وصف تيودور بوستول لمقالة "التايمز" بأنها "مجرد جنون" لأن مدى الصاروخين المذكورين لا يتجاوز على الأرجح مسافة كيلومترين على الأكثر. وتيودور بوستول هو بروفسور في التكنولوجيا والأمن القومي في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، ومستشار قائد العمليات البحرية في الجيش الأميركي.
وقد عبر روجيه كوان من مجلة "تايمز" عن الخاصية المضادة للديموقراطية في مجمل هذه العملية، وذلك في مقالة كتبها في اليوم الذي عقد فيه المؤتمر الصحفي مع البيت الأبيض، بقوله ان "التعب من الحرب ليس عذراً للتخلي عن ثروة تتمتع بأهمية استراتيجية مستدامة (أي المصداقية القومية) مقابل كسب عابر هو الرأي العام".
أما منظمات اليسار الكاذب من نوع المنظمة الاشتراكية الدولية فقد انضمت إلى جوقة الدعاة إلى الحرب حيث اعتبرت بروباغندا الحكومة الأميركية صادقة تماماً واستخدمتها في بروباغندا الدعوة إلى الحرب الخاصة بها.
لقد جاءت مقالة هيرش لتثبت صحة الموقف الذي اتخذه موقع World Socialist Web Site واللجنة الدولية للأمية الرابعة.
وكان الموقع المذكور قد كتب في 23 آب / أغسطس : "إن الاتهامات غير القائمة على أساس والقائلة بأن النظام السوري الذي يقوده الرئيس بشار الأسد قد ارتكب هجوماً بالسلاح الكيميائي بالقرب من دمشق قتل فيه عدد كبير من المدنيين، تتوفر (الاتهامات) على جميع مواصفات الاستفزاز الملفق والهادف إلى الدفع باتجاه تدخل عسكري غربي في سوريا.
وبعد ذلك بأربعة أيام، قمنا بنشر مقالة جاء فيها : "بعد عشرة أعوام من شن الحرب الأميركية على العراق بالاستناد إلى أكاذيب حول أسلحة دمار شامل غير موجودة، ها نحن الآن نشهد استفزازاً وقحاً من تدبير باريس ولندن وواشنطن بهدف تبرير حرب عدوانية جديدة لكن ضد سوريا، هذه المرة. إن الاتهامات الموجهة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد بشن هجمات بالأسلحة الكيميائية يوم الأربعاء الماضي في الغوطة قرب دمشق، لا تتمتع بأي قسط من المصداقية".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018