ارشيف من :أخبار لبنانية
الأنبار... دولة عازلة بين إيران والمتوسط ؟
عصام نعمان-"البناء"
انتفاضات «الربيع العربي» لم تقرع ابواب العراق. مع ذلك يشكو نوري المالكي متأخراً عصفها المدمر. ففي خلال احتفال بعيد الشرطة قال المالكي «إن التيار الذي اجتاح المنطقة وتفاعلنا معه وأسميناه الربيع العربي قد تحوّل الى وباء وكارثة على الأمة العربية بكل دولها والذي لم تصبه شرارة من هذا الربيع فهي قادمة اليه».
«الربيع العربي» الذي يشكو منه المالكي هو غير الربيع العربي المزعوم الذي عصف بتونس ومصر وليبيا واليمن وسورية ويهدد لبنان الآن. إنه ربيع «الإسلام القاعدي» الذي يجتاح بلاد الرافدين ولا سيمـا محافظـة الأنبار التـي تشكّل وحدها نحو ثلث مساحة العراق. هو «الربيع» نفسه الذي كان غزا سورية تحت أسماء شتى أشهرها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» «داعش» و»جبهة النصرة» ومعهما فصائل أصغر حجماً تنتمي الى فكر «القاعدة».
إذا كان ربيع سورية قد انطلق بتظاهرات إصلاحية تطالب بما أسمته «الحرية والديمقراطية والكرامة» قبل ان تغدرها بالعسكرة والسلاح حركاتٌ اسلامية متطرفة فإن ربيع العراق انطلق باعتصامات أهلية في مدن محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى تطالب بالاصلاح قبل أن يطغى عليها تنظيم «داعش» بشعارات ومطالب «قاعدية» ليس أقلها استعادة الخلافة الإسلامية.
الى ذلك فإن « للربيعين» السوري والعراقي بُعداً خارجياً واضحاً وفاضحاً. تجلّى ذلك مبكراً في احتضان الولايات المتحدة وتركيا وبعض دول حلف «الناتو» للمعارضة السورية التي اتخذت من اسطنبول مقراً لها. كما تجلّى في احتضان تركيا وضمناً الولايات المتحدة للمعارضة العراقية التي لجأ اليها بعض رموزها في السلطة قبل ان يعسكر «داعش» الصراع بسيطرته على الفلوجة وعلى قسم من الرمادي ومناطق أخرى من محافظة الأنبار.
سَبَق سيطرة تنظيم «داعش» على أنشطة المعارضة العراقية في الأنبار تراجعُ الولايات المتحدة عن تزويد العراق مقاتلات «اف- 16». لكن بعد نجاح «داعش» في السيطرة على مناطق واسعة في كبرى محافظات العراق تحركت واشنطن وأبلغت المالكي استعدادها لتزويد الجيش العراقي مزيداً من صواريخ «هلفاير». كما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن إدارة أوباما وعدت بغداد ببيعها 20 الى 30 طوافة من طراز «أباتشي» لاستعمالها ضد مقاتلي «القاعدة».
الحقيقة أن لتلكؤ الولايات المتحدة في تزويد العراق أسلحةً ثقيلـة أسباباً ثلاثة:
الأول أميركي صهيوني. ذلك أن واشنطن وتل ابيب تتخوّفان دائماً من وقوع هذه الأسلحة في «الأيدي الخطأ» أي في أيدي قوى تنتمي إلى «القاعدة» أو إلى قوى المقاومة والممانعة.
الثاني أميركي خليجي. ذلك أن الولايات المتحدة ودول الخليج تتخوف من مفاعيل جنوح حكومة المالكي إلى التعاون مع محور طهران دمشق الأمر الذي يضاعف من قوة الجمهورية الإسلامية في المنطقة.
الثالث إسرائيلي أطلسي. ذلك أن أعضاء في الوفد السياسي الإقتصادي الفرنسي الذي رافق الرئيس فرنسوا هولند في زيارته الاخيرة للسعودية كشفوا لأصدقاء لهم من المعارضين السوريين المقيمين في باريس جانباً من أسباب «الجفوة» بين الرياض وواشنطن التي نشأت بعد إحجام إدارة أوباما عن تنفيذ ضربتها العسكرية الموعودة ضد سورية. يقول هؤلاء إن الضربة كانت مقررة ووشيكة الى ان تأكدت واشنطن من أنها لا تخدم مخططاً إسرائيلياً- أطلسياً يستهدف سورية والعراق بقدر ما تخدم على المدى المتوسط تنظيم «القاعدة» فكان أن صرفت النظر عن الضربة الموعودة.
ما المخطط المقصود؟
بحسب المعلومات المسرّبة من الفرنسيين كانت «اسرائيل» وضعت بالتعاون مع اجهزة استخبارات أطلسية مخططاً لتأجيج الصراع المذهبـي السني- الشيعي في العراق بغية تقسيمه الى ثلاث دويلات: كردية في الشمال وسنيّة في الوسط وشيعية في الجنوب. وقد ضاعفت «إسرائيل» من جهودها في هذا السبيل بعد احتدام الحرب في سورية وعليها بين الجيش السوري وفصائل المعارضة المسلحة من جهة وفي العراق بين حكومة المالكي وبعض المعارضة السياسية والعشائرية العراقية في الأنبار من جهـة أخرى. الغاية المتوخاة من تزخيم الصراع في الأنبار هي تمكين قوى المعارضة السنّية من السيطرة على كبرى المحافظات العراقية الممتدة على مسافة 600 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب على الحدود السورية العراقية والملاصقة للمحافظات السنّية السورية الحدودية من الحسكة في الشمال الى دير الزور في الوسط الى شرقي محافظة درعا حوران في الجنوب. فالسيطرة على محافظة الأنبار تتيح توحيدها مع المحافظات السورية المشار اليها ما يسهّل قيام دولة عازلة تفصل جغرافياً إيران والدويلة الشيعية المحتملة في جنوب العراق عن الأردن وفلسطين المحتلة وتالياً عن البحر المتوسط.
غير ان تطوراً مؤثراً لم يكن في حسبان «إسرائيل» والولايات المتحدة حَدَث وحَمَل واشنطن على إعادة النظر بدعمها للمخطط المرسوم. فقد تمكّن تنظيم «داعش» من انتزاع زمام المبادرة من قوى المعارضة السنّية العراقية المتعاونة مع واشنطن والتمدد في مناطق واسعة من محافظة الأنبار وإقامة قواعد له في مدن الرمادي والفلوجة والخالدية ومعبريّ القائم وربيعة على الحدود مع سورية.
هذا التطور المؤثر استثار ريبة واشنطن وخشيتها من تحوّل الأنبار على ايدي «داعش» الى أفغانستان أخرى أي إلى قاعدة للتنظيمات التكفيرية ومنطلقٍ لعملياتها الإرهابية ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ويبدو أن المالكي تنبّه الى حساسية إدارة أوباما في هذا المجال فأوعز الى سفيره في واشنطن لقمان فيلي ليضرب على هذا الوتر الحساس. وعليه قام السفير فيلي باتصالات مكثّفة مع اعضاء مجلسيّ الكونغرس كما ادلى بتصريحات هادفة متعددة كان آخرها لصحيفة «واشنطن تايمز» بأن أميركا «لا يمكنها تحمّل سقوط مدينة كاملة او محافظة كاملة في ايدي «القاعدة»...هذا يخالف المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ويهدد الأمن القومي الأميركي».
يوضح أعضاء الوفد الفرنسي العائد من السعودية إنهم حصلوا على هذه المعلومات في معرض شروحات قدّمها مسؤولون سعوديون في سياق تأكيدات بأن لا خلاف جدّياً بين السعودية والولايات المتحدة لأن عزوف هذه الاخيرة قبل أشهر معدودة عن ضرب سورية لم يأتِ نتيجةً لخلاف جدّي بينهما بل بسبب خشية أميركا من مخاطر سيطرة «القاعدة» وتفرعاتها على مناطق واسعة من العراق وسورية ما يؤدي الى استهداف مصالحها في المنطقة وتهديد أمنها القومي بخاصةً أن السعودية لن تتضرر من تأجيل إقامة دولة الأنبار العازلة.
هذا ما يقوله الفرنسيون فما رأي المعارضين السوريين والعراقيين الذين لا يجدون غضاضة في التعاون مع الأميركيين وحلفائهم؟
انتفاضات «الربيع العربي» لم تقرع ابواب العراق. مع ذلك يشكو نوري المالكي متأخراً عصفها المدمر. ففي خلال احتفال بعيد الشرطة قال المالكي «إن التيار الذي اجتاح المنطقة وتفاعلنا معه وأسميناه الربيع العربي قد تحوّل الى وباء وكارثة على الأمة العربية بكل دولها والذي لم تصبه شرارة من هذا الربيع فهي قادمة اليه».
«الربيع العربي» الذي يشكو منه المالكي هو غير الربيع العربي المزعوم الذي عصف بتونس ومصر وليبيا واليمن وسورية ويهدد لبنان الآن. إنه ربيع «الإسلام القاعدي» الذي يجتاح بلاد الرافدين ولا سيمـا محافظـة الأنبار التـي تشكّل وحدها نحو ثلث مساحة العراق. هو «الربيع» نفسه الذي كان غزا سورية تحت أسماء شتى أشهرها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» «داعش» و»جبهة النصرة» ومعهما فصائل أصغر حجماً تنتمي الى فكر «القاعدة».
إذا كان ربيع سورية قد انطلق بتظاهرات إصلاحية تطالب بما أسمته «الحرية والديمقراطية والكرامة» قبل ان تغدرها بالعسكرة والسلاح حركاتٌ اسلامية متطرفة فإن ربيع العراق انطلق باعتصامات أهلية في مدن محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى تطالب بالاصلاح قبل أن يطغى عليها تنظيم «داعش» بشعارات ومطالب «قاعدية» ليس أقلها استعادة الخلافة الإسلامية.
الى ذلك فإن « للربيعين» السوري والعراقي بُعداً خارجياً واضحاً وفاضحاً. تجلّى ذلك مبكراً في احتضان الولايات المتحدة وتركيا وبعض دول حلف «الناتو» للمعارضة السورية التي اتخذت من اسطنبول مقراً لها. كما تجلّى في احتضان تركيا وضمناً الولايات المتحدة للمعارضة العراقية التي لجأ اليها بعض رموزها في السلطة قبل ان يعسكر «داعش» الصراع بسيطرته على الفلوجة وعلى قسم من الرمادي ومناطق أخرى من محافظة الأنبار.
سَبَق سيطرة تنظيم «داعش» على أنشطة المعارضة العراقية في الأنبار تراجعُ الولايات المتحدة عن تزويد العراق مقاتلات «اف- 16». لكن بعد نجاح «داعش» في السيطرة على مناطق واسعة في كبرى محافظات العراق تحركت واشنطن وأبلغت المالكي استعدادها لتزويد الجيش العراقي مزيداً من صواريخ «هلفاير». كما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن إدارة أوباما وعدت بغداد ببيعها 20 الى 30 طوافة من طراز «أباتشي» لاستعمالها ضد مقاتلي «القاعدة».
الحقيقة أن لتلكؤ الولايات المتحدة في تزويد العراق أسلحةً ثقيلـة أسباباً ثلاثة:
الأول أميركي صهيوني. ذلك أن واشنطن وتل ابيب تتخوّفان دائماً من وقوع هذه الأسلحة في «الأيدي الخطأ» أي في أيدي قوى تنتمي إلى «القاعدة» أو إلى قوى المقاومة والممانعة.
الثاني أميركي خليجي. ذلك أن الولايات المتحدة ودول الخليج تتخوف من مفاعيل جنوح حكومة المالكي إلى التعاون مع محور طهران دمشق الأمر الذي يضاعف من قوة الجمهورية الإسلامية في المنطقة.
الثالث إسرائيلي أطلسي. ذلك أن أعضاء في الوفد السياسي الإقتصادي الفرنسي الذي رافق الرئيس فرنسوا هولند في زيارته الاخيرة للسعودية كشفوا لأصدقاء لهم من المعارضين السوريين المقيمين في باريس جانباً من أسباب «الجفوة» بين الرياض وواشنطن التي نشأت بعد إحجام إدارة أوباما عن تنفيذ ضربتها العسكرية الموعودة ضد سورية. يقول هؤلاء إن الضربة كانت مقررة ووشيكة الى ان تأكدت واشنطن من أنها لا تخدم مخططاً إسرائيلياً- أطلسياً يستهدف سورية والعراق بقدر ما تخدم على المدى المتوسط تنظيم «القاعدة» فكان أن صرفت النظر عن الضربة الموعودة.
ما المخطط المقصود؟
بحسب المعلومات المسرّبة من الفرنسيين كانت «اسرائيل» وضعت بالتعاون مع اجهزة استخبارات أطلسية مخططاً لتأجيج الصراع المذهبـي السني- الشيعي في العراق بغية تقسيمه الى ثلاث دويلات: كردية في الشمال وسنيّة في الوسط وشيعية في الجنوب. وقد ضاعفت «إسرائيل» من جهودها في هذا السبيل بعد احتدام الحرب في سورية وعليها بين الجيش السوري وفصائل المعارضة المسلحة من جهة وفي العراق بين حكومة المالكي وبعض المعارضة السياسية والعشائرية العراقية في الأنبار من جهـة أخرى. الغاية المتوخاة من تزخيم الصراع في الأنبار هي تمكين قوى المعارضة السنّية من السيطرة على كبرى المحافظات العراقية الممتدة على مسافة 600 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب على الحدود السورية العراقية والملاصقة للمحافظات السنّية السورية الحدودية من الحسكة في الشمال الى دير الزور في الوسط الى شرقي محافظة درعا حوران في الجنوب. فالسيطرة على محافظة الأنبار تتيح توحيدها مع المحافظات السورية المشار اليها ما يسهّل قيام دولة عازلة تفصل جغرافياً إيران والدويلة الشيعية المحتملة في جنوب العراق عن الأردن وفلسطين المحتلة وتالياً عن البحر المتوسط.
غير ان تطوراً مؤثراً لم يكن في حسبان «إسرائيل» والولايات المتحدة حَدَث وحَمَل واشنطن على إعادة النظر بدعمها للمخطط المرسوم. فقد تمكّن تنظيم «داعش» من انتزاع زمام المبادرة من قوى المعارضة السنّية العراقية المتعاونة مع واشنطن والتمدد في مناطق واسعة من محافظة الأنبار وإقامة قواعد له في مدن الرمادي والفلوجة والخالدية ومعبريّ القائم وربيعة على الحدود مع سورية.
هذا التطور المؤثر استثار ريبة واشنطن وخشيتها من تحوّل الأنبار على ايدي «داعش» الى أفغانستان أخرى أي إلى قاعدة للتنظيمات التكفيرية ومنطلقٍ لعملياتها الإرهابية ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ويبدو أن المالكي تنبّه الى حساسية إدارة أوباما في هذا المجال فأوعز الى سفيره في واشنطن لقمان فيلي ليضرب على هذا الوتر الحساس. وعليه قام السفير فيلي باتصالات مكثّفة مع اعضاء مجلسيّ الكونغرس كما ادلى بتصريحات هادفة متعددة كان آخرها لصحيفة «واشنطن تايمز» بأن أميركا «لا يمكنها تحمّل سقوط مدينة كاملة او محافظة كاملة في ايدي «القاعدة»...هذا يخالف المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ويهدد الأمن القومي الأميركي».
يوضح أعضاء الوفد الفرنسي العائد من السعودية إنهم حصلوا على هذه المعلومات في معرض شروحات قدّمها مسؤولون سعوديون في سياق تأكيدات بأن لا خلاف جدّياً بين السعودية والولايات المتحدة لأن عزوف هذه الاخيرة قبل أشهر معدودة عن ضرب سورية لم يأتِ نتيجةً لخلاف جدّي بينهما بل بسبب خشية أميركا من مخاطر سيطرة «القاعدة» وتفرعاتها على مناطق واسعة من العراق وسورية ما يؤدي الى استهداف مصالحها في المنطقة وتهديد أمنها القومي بخاصةً أن السعودية لن تتضرر من تأجيل إقامة دولة الأنبار العازلة.
هذا ما يقوله الفرنسيون فما رأي المعارضين السوريين والعراقيين الذين لا يجدون غضاضة في التعاون مع الأميركيين وحلفائهم؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018