ارشيف من :أخبار لبنانية
تركيا.. سياسات مغلقة.. حروب مفتوحة
علي حسن الفواز - صحيفة الصباح العراقية
ما يجري على الساحة التركية يكشف طبيعة المتغيرات الاقليمية الصادمة، وتأثيراتها على المسارات السياسية والامنية في الكثير من الدول ذات العلاقة بالازمات، اذ تبدو الصورة التركية الحكومية تعبيرا عن انهيار الاحلام الاردوغانية بصناعة النموذج الاسلاموي التركي، او تسويق الخطاب (الاخوانعلماني) كخطاب تعميمي لصورة النموذج الاسلامي المهيمن في مرحلة مابعد التغيرات العربية في ربيعها السياسي الملتبس، فضلا عن احتضانها لكل القوى الجديدة ذات النزعات الاصولية التي افرزتها هذه التغيرات، كمحاولة لصناعة مركز عالمي جديد ازاء المركزية الاوروبية التي رفضت قبول تركيا في منظومة الاتحاد الاوروبي، فضلا عن وهم اصطناعها لمركز آخر مقابل القوة الاميركية الاقتصادية والتسليحية، وعلى افتراض بان الغرب سيقبل بهذه الخارطة الافتراضية التي تخيلها السيد اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، لكن يبدو ان الاحلام المفرطة لاتتطابق مع الواقع المعقد، ولاتتناسب ايضا مع المزاج التركي المشتبك مع مجموعة من المعطيات التاريخية، على مستوى بنية الدولة التركية ذات التوجهات العلمانية الاتاتوركية، وعلى مستوى القدرة لصناعة الدولة القياسية والباسها(طربوش) الباشوية العثمانية من جديد.
ماجرى في الواقع التركي كشف عن هشاشة البنى العميقة للدولة التركية، وعن ضعف قدرتها على انتاج نموذج الدولة المهيمنة، اذ كشفت ازمة ميدان تقسيم عن وجود ازمة عميقة للحريات والعدالة الاجتماعية في الدولة التركية، مثلما كشفت فضيحة الفساد عن هشاشة داخلية في النظام السياسي والاقتصادي والحكومي، فهذا الفساد طال المؤسسات السرية في الدولة، لاسيما الامنية منها، والمقربة بشكل خاص من رئيس الوزراء شخصيا ومن كابينته الحكومية والحزبية والبرلمانية، وهو ماتبدى عبر الاستقالات والاقالات التي تحولت الى مشكلة خطيرة ستهدد مستقبل اردوغان السياسي في الانتخابات المقبلة..
السياسة ومفارقات الحرب
الدور المعلن جدا للحكومة التركية في الاحداث السورية، وحتى في التعاطي مع الحالة العراقية انعكس بشكل خطير على صناعة الازمة التركية، اذ ان هذه التدخلات المحسوبة او غير المحسوبة تفتقر للنظرة الاستراتيجية الواضحة، وتغيب عنها الحكمة، لاسيما وان سوريا والعراق جاران لتركيا وليسا في المريخ، وهناك مصالح مشتركة كبيرة بينهما تلعب دورا في صياغة اطر العلاقات والمصالح والسياسيات في الحاضر والمستقبل..
ومن هنا نجد انه ليس غريبا على اي محلل سياسي ان يربط بين السياسة التركية المثيرة للجدل وبين مفارقات الحرب، لان هذه الحرب ستؤثر حتما على الاقتصاد المتنامي لتركيا، وهو ما انعكس خلال الايام الماضية على معدل صرف الليرة التركية، وعلى البنية الاقتصادية التصديرية بشكل خاص، مثلما هو تأثيرها على مصالح بعض الفرقاء الآخرين، وعلى حساباتهم داخل المنظومة السياسية التركية، والذين دأبوا على البحث في الكثير من الملفات السرية للدولة العميقة التي تدعي ضبطها حكومة اردوغان..
فكيف سيكون مستقبل الحكومة التركية؟ وهل ستستمر في نهجها الصانع للازمات هنا او هناك؟ وهل ان سياسة وزير الخارجية أحمد داود اوغلو في تصفير الازمات والمشاكل ستثبت فشلها وعجزها عن معالجة الازمات الداخلية المتفاقمة للنظام السياسي؟
هذه الاسئلة وغيرها تعني ان السيد اردوغان يعيش وضعا حرجا لم يشهده حزب العدالة والتنمية منذ حاكميته عام 2002 عندما تسلم السلطة في تركيا. فهذا الرجل لم ينجح في دفع تهمة الفساد عن شخصيات نافذة في حكومته، تلك التي تفاعلت مع عوامل اخرى مست جوهر النظام الذي يحاول ان يزاوج بوهم سياسي وايديولوجي متعالي المزج بين اتجاهات مختلفة ومتنافرة احيانا، وهو ماكشفت عنه الجهات المعارضة لـسياسته، عبر توافق غريب ومعلن بين الاتجاهات الاسلامية التي يقودها فتح الله غولن، وبين العلمانيين، وحتى بعض القيادات العسكرية الذين يشكّون اصلا باتجاهات اردوغان الاسلاموية، وقدرته على اعادة انتاج نظام سياسي محكوم منذ اكثر من تسعين سنة بنوع من العلمانية القاسية، والتي جعلت من تركيا بلدا لاينحاز الى الاتجاهات الرجعية والعنفية والاخوانية التي برزت في السنوات الاخرين بحماية بلدان محشوة بالكثير من الافكار والاتجاهات الغامضة سياسيا وايديولوجيا ومخابراتيا مثل السعودية وقطر وجماعات الاخوان المسلمين وحركات القاعدة والجهات المتطرفة والتكفيرية...
تركيا والحروب المفتوحة
ماعمدت اليه تركيا خلال السنوات الماضية كان الاقرب الى الدخول في مستنقع الازمات والحروب المفتوحة، اذ شهدت الجبهات الخارجية احتداما واضحا، على صعيد الملف الكردي التركي، والتعاطي مع ازمة الحقوق الكردية، وانسحابهم الى الجبال العراقية مقابل ايقاف العنف المسلح، مع تهديدات ظلت مفتوحة من قبل الكرد الاتراك بالعودة الى هذا العنف لان الحكومة لم تحقق مطالبهم وحقوقهم القومية.. كما ان الملف السوري ظل اكثر الملفات سخونة من خلال الدخول التركي المباشر على جبهة المحاربة، ودعم معارضي النظام السوري بكل الامكانات المادية واللوجستية والاعلامية، واحتضان مؤتمراتهم السرية والعلنية، واعتبار الارض التركية ممرا لعبور الاسلحة والمقاتلين الى الداخل السوري، وهذا ما جعل تركيا جزءا من المشكلة، وربما وضع الاقتصاد والعلمنة وسياسة تصفير المشاكل امام اختبارات حقيقية، ربما كان بعضها خارجا عن ما هو مخطط له وتحول الى بيئة لصناعة عنف داخلي، وصراعات داخلية، مثلما مهد الطريق لخلق بيئة فساد سياسي واقتصادي تكشفت مظاهرها فيما بعد..
كما ان الدور التركي في التعاطي مع المسألة العراقية على مستوى السياسة المائية، والسياسة الامنية، واحتضان بعض الاجتماعات السرية لمعارضين عراقيين وضع السياسة التركية امام الكثير من فقدان المصداقية، والتي اقترنت مع التصرف غير المسؤول وغير المهني لوزير خارجية تركيا بزيارة محافظة كركوك دون موافقة الدبلوماسية للحكومة العراقية، والذي جعل السياسة التركية الخارجية تتجاوز الكثير من الاعراف والمعايير الدولية وسياقاتها الدبلوماسية المعروفة بين الدول ذات السيادة..
كما ان التعاطي التركي غير الاستراتيجي مع الاحداث في مصر ودعمها العلني لسلطة الاخوان المسلمين، وضع هو الآخر السياسة التركية امام مأزق خطير، انعكس على العلاقات بين البلدين، وتمثل بسحب السفير المصري من انقرة، وتصاعد الحملات الاعلامية بين البلدين، والذي افقد تركيا عمقا اقتصاديا وسياسيا مهما في البلاد العربية، واحسب ان صنّاع الازمة في تركيا سيظلون ازاء الكثير من الخنادق المفتوحة، والصراعات التي تمس البنية السياسية والامنية والقضائية، ولعل اعادة محاكمة الكثير من الضباط الاتراك الذين واجهوا محاكمات بتهمة التآمر تعد ضربة موجعة لسياسات الحكمة، كما ان التصريح الاخير لاردوغان باتهام الخارج بوجود مؤامرة للاطاحة به يعكس حساسيته الداخلية ازاء فوبيا الازمات، وربما سيخلق فيما بعد ازمة دستورية تركية بين الجهات القضائية والجهات الحكومية..
ما يجري على الساحة التركية يكشف طبيعة المتغيرات الاقليمية الصادمة، وتأثيراتها على المسارات السياسية والامنية في الكثير من الدول ذات العلاقة بالازمات، اذ تبدو الصورة التركية الحكومية تعبيرا عن انهيار الاحلام الاردوغانية بصناعة النموذج الاسلاموي التركي، او تسويق الخطاب (الاخوانعلماني) كخطاب تعميمي لصورة النموذج الاسلامي المهيمن في مرحلة مابعد التغيرات العربية في ربيعها السياسي الملتبس، فضلا عن احتضانها لكل القوى الجديدة ذات النزعات الاصولية التي افرزتها هذه التغيرات، كمحاولة لصناعة مركز عالمي جديد ازاء المركزية الاوروبية التي رفضت قبول تركيا في منظومة الاتحاد الاوروبي، فضلا عن وهم اصطناعها لمركز آخر مقابل القوة الاميركية الاقتصادية والتسليحية، وعلى افتراض بان الغرب سيقبل بهذه الخارطة الافتراضية التي تخيلها السيد اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، لكن يبدو ان الاحلام المفرطة لاتتطابق مع الواقع المعقد، ولاتتناسب ايضا مع المزاج التركي المشتبك مع مجموعة من المعطيات التاريخية، على مستوى بنية الدولة التركية ذات التوجهات العلمانية الاتاتوركية، وعلى مستوى القدرة لصناعة الدولة القياسية والباسها(طربوش) الباشوية العثمانية من جديد.
ماجرى في الواقع التركي كشف عن هشاشة البنى العميقة للدولة التركية، وعن ضعف قدرتها على انتاج نموذج الدولة المهيمنة، اذ كشفت ازمة ميدان تقسيم عن وجود ازمة عميقة للحريات والعدالة الاجتماعية في الدولة التركية، مثلما كشفت فضيحة الفساد عن هشاشة داخلية في النظام السياسي والاقتصادي والحكومي، فهذا الفساد طال المؤسسات السرية في الدولة، لاسيما الامنية منها، والمقربة بشكل خاص من رئيس الوزراء شخصيا ومن كابينته الحكومية والحزبية والبرلمانية، وهو ماتبدى عبر الاستقالات والاقالات التي تحولت الى مشكلة خطيرة ستهدد مستقبل اردوغان السياسي في الانتخابات المقبلة..
السياسة ومفارقات الحرب
الدور المعلن جدا للحكومة التركية في الاحداث السورية، وحتى في التعاطي مع الحالة العراقية انعكس بشكل خطير على صناعة الازمة التركية، اذ ان هذه التدخلات المحسوبة او غير المحسوبة تفتقر للنظرة الاستراتيجية الواضحة، وتغيب عنها الحكمة، لاسيما وان سوريا والعراق جاران لتركيا وليسا في المريخ، وهناك مصالح مشتركة كبيرة بينهما تلعب دورا في صياغة اطر العلاقات والمصالح والسياسيات في الحاضر والمستقبل..
ومن هنا نجد انه ليس غريبا على اي محلل سياسي ان يربط بين السياسة التركية المثيرة للجدل وبين مفارقات الحرب، لان هذه الحرب ستؤثر حتما على الاقتصاد المتنامي لتركيا، وهو ما انعكس خلال الايام الماضية على معدل صرف الليرة التركية، وعلى البنية الاقتصادية التصديرية بشكل خاص، مثلما هو تأثيرها على مصالح بعض الفرقاء الآخرين، وعلى حساباتهم داخل المنظومة السياسية التركية، والذين دأبوا على البحث في الكثير من الملفات السرية للدولة العميقة التي تدعي ضبطها حكومة اردوغان..
فكيف سيكون مستقبل الحكومة التركية؟ وهل ستستمر في نهجها الصانع للازمات هنا او هناك؟ وهل ان سياسة وزير الخارجية أحمد داود اوغلو في تصفير الازمات والمشاكل ستثبت فشلها وعجزها عن معالجة الازمات الداخلية المتفاقمة للنظام السياسي؟
هذه الاسئلة وغيرها تعني ان السيد اردوغان يعيش وضعا حرجا لم يشهده حزب العدالة والتنمية منذ حاكميته عام 2002 عندما تسلم السلطة في تركيا. فهذا الرجل لم ينجح في دفع تهمة الفساد عن شخصيات نافذة في حكومته، تلك التي تفاعلت مع عوامل اخرى مست جوهر النظام الذي يحاول ان يزاوج بوهم سياسي وايديولوجي متعالي المزج بين اتجاهات مختلفة ومتنافرة احيانا، وهو ماكشفت عنه الجهات المعارضة لـسياسته، عبر توافق غريب ومعلن بين الاتجاهات الاسلامية التي يقودها فتح الله غولن، وبين العلمانيين، وحتى بعض القيادات العسكرية الذين يشكّون اصلا باتجاهات اردوغان الاسلاموية، وقدرته على اعادة انتاج نظام سياسي محكوم منذ اكثر من تسعين سنة بنوع من العلمانية القاسية، والتي جعلت من تركيا بلدا لاينحاز الى الاتجاهات الرجعية والعنفية والاخوانية التي برزت في السنوات الاخرين بحماية بلدان محشوة بالكثير من الافكار والاتجاهات الغامضة سياسيا وايديولوجيا ومخابراتيا مثل السعودية وقطر وجماعات الاخوان المسلمين وحركات القاعدة والجهات المتطرفة والتكفيرية...
تركيا والحروب المفتوحة
ماعمدت اليه تركيا خلال السنوات الماضية كان الاقرب الى الدخول في مستنقع الازمات والحروب المفتوحة، اذ شهدت الجبهات الخارجية احتداما واضحا، على صعيد الملف الكردي التركي، والتعاطي مع ازمة الحقوق الكردية، وانسحابهم الى الجبال العراقية مقابل ايقاف العنف المسلح، مع تهديدات ظلت مفتوحة من قبل الكرد الاتراك بالعودة الى هذا العنف لان الحكومة لم تحقق مطالبهم وحقوقهم القومية.. كما ان الملف السوري ظل اكثر الملفات سخونة من خلال الدخول التركي المباشر على جبهة المحاربة، ودعم معارضي النظام السوري بكل الامكانات المادية واللوجستية والاعلامية، واحتضان مؤتمراتهم السرية والعلنية، واعتبار الارض التركية ممرا لعبور الاسلحة والمقاتلين الى الداخل السوري، وهذا ما جعل تركيا جزءا من المشكلة، وربما وضع الاقتصاد والعلمنة وسياسة تصفير المشاكل امام اختبارات حقيقية، ربما كان بعضها خارجا عن ما هو مخطط له وتحول الى بيئة لصناعة عنف داخلي، وصراعات داخلية، مثلما مهد الطريق لخلق بيئة فساد سياسي واقتصادي تكشفت مظاهرها فيما بعد..
كما ان الدور التركي في التعاطي مع المسألة العراقية على مستوى السياسة المائية، والسياسة الامنية، واحتضان بعض الاجتماعات السرية لمعارضين عراقيين وضع السياسة التركية امام الكثير من فقدان المصداقية، والتي اقترنت مع التصرف غير المسؤول وغير المهني لوزير خارجية تركيا بزيارة محافظة كركوك دون موافقة الدبلوماسية للحكومة العراقية، والذي جعل السياسة التركية الخارجية تتجاوز الكثير من الاعراف والمعايير الدولية وسياقاتها الدبلوماسية المعروفة بين الدول ذات السيادة..
كما ان التعاطي التركي غير الاستراتيجي مع الاحداث في مصر ودعمها العلني لسلطة الاخوان المسلمين، وضع هو الآخر السياسة التركية امام مأزق خطير، انعكس على العلاقات بين البلدين، وتمثل بسحب السفير المصري من انقرة، وتصاعد الحملات الاعلامية بين البلدين، والذي افقد تركيا عمقا اقتصاديا وسياسيا مهما في البلاد العربية، واحسب ان صنّاع الازمة في تركيا سيظلون ازاء الكثير من الخنادق المفتوحة، والصراعات التي تمس البنية السياسية والامنية والقضائية، ولعل اعادة محاكمة الكثير من الضباط الاتراك الذين واجهوا محاكمات بتهمة التآمر تعد ضربة موجعة لسياسات الحكمة، كما ان التصريح الاخير لاردوغان باتهام الخارج بوجود مؤامرة للاطاحة به يعكس حساسيته الداخلية ازاء فوبيا الازمات، وربما سيخلق فيما بعد ازمة دستورية تركية بين الجهات القضائية والجهات الحكومية..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018