ارشيف من :أخبار لبنانية

مصر تستعيد الناصرية ودورها

مصر تستعيد الناصرية ودورها

سمير كرم - صحيفة السفير

الاستفتاء - حسب تعريف الموسوعة البريطانية - "تصويت يقوم به الشعب في بلد بأكمله او في إقليم، ليقرر امره بشأن موضوع معين، مثل اختيار حاكم او حكومة، خيار من اجل الاستقلال او ضم سلطة اخرى او مسألة تتعلق بسياسة وطنية".
وتاريخ البلدان ذات النظم الديموقراطية مليء بالاستفتاءات منذ اكثر من ثلاثمئة سنة. وإذا أمكن للمرء ان يتتبع هذا التاريخ لمعرفة تطور عملية الاستفتاء، كواحدة من اكثر العمليات السياسية الديموقراطية شيوعاً، فإنه يلاحظ ان الاستفتاء اتجه في تطوره نحو تأكيد إرادة مجموعة من الشعوب التي تجمع بينها سمات قومية ومصالح سياسية او اقتصادية عامة. أي أن الاستفتاء الذي بدأ كعملية تتعلق بشأن سياسي او اقتصادي محدد في بلد واحد، تطور ليكون تعبيراً عن الارادة السياسية لمجموعة من البلدان التي تربط بينها علاقات مشتركة ومصالح مشتركة وتوجهات مشتركة. ولعل اهم الاستفتاءات التي عاصرناها وتابعناها وعرفنا نتائجها هو الاستفتاء الذي جرى في اوروبا بشأن قيام الوحدة الاوروبية. وقد عرفنا من نتائج هذا الاستفتاء انه أسفر عما يشبه إجماعاً على هذه الوحدة لم تخرج من إطاره إلا بريطانيا. لقد اعتبر البريطانيون ان الدخول تحت مظلة الوحدة الاوروبية يمكن ان يمس الديموقراطية البريطانية بصورة تلحق ضرراً سياسياً بها، ولهذا آثر البريطانيون ان لا يكونوا في هذا الإطار جزءاً من اوروبا. ومع ذلك فإن بريطانيا قبلت وضعاً سياسياً في علاقاتها الاوروبية ضمن لها ولأوروبا معاً وضعاً قريباً للغاية من الوحدة. بل لعلنا نضيف ان بريطانيا لم تسجل مواقف سياسية مناقضة او حتى مختلفة عن المواقف السياسة الاوروبية منذ ان توحدت اوروبا قبل اكثر من ربع قرن.

طبعاً ان المناسبة التي نورد فيها هذه الحقائق العامة عن الاستفتاء وأهم استفتاء تاريخي ـ وهو الاستفتاء الأوروبي ـ هي مناسبة الاستفتاء الذي جرى قبل يومين في مصر واعتبر خطوة عملاقة باتجاه الديموقراطية في مصر. وهي خطوة تعلقت أساساً بالدستور المصري الجديد الذي وضعته مجموعة من خمسين من النخبة المصرية من السياسيين والمثقفين، ولكنها في واقع الامر خطوة عملاقة، نحو تأسيس الجمهورية المصرية الجديدة بعد إسقاط نظام «الإخوان» المتسلط والمتخلف الذي حكم مصر لمدة عام، شهدت الجماهير خلاله اسوأ صور الحكم وأكثرها ابتعاداً عن التاريخ المصري الحديث، الذي بدأ بالحقبة الناصرية، ولا يزال متأثراً بها وبإنجازاتها، بعد انقضاء خمسين عاماً على وفاة جمال عبد الناصر.

ان الاستفتاء المصري الجديد ارتبط سياسياً وثورياً أشد ما يكون الارتباط بشخصية الفريق اول عبد الفتاح السيسي. وبغض النظر عن كل ما يمكن ان يوصف به السيسي كقائد عسكري وكقائد للثورة المصرية التي وصفت قبل بزوغ دوره بأنها ثورة بلا قائد، فإن اوجه الشبه ـ او حتى التماثل ـ بين شخصيته ودوره في حياة مصر السياسية في ظروفها الثورية الراهنة تتجه بالنسبة لجماهير المصريين نحو اعتباره عبد الناصر الثورة الجديدة. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه شعبيته الجارفة، وهذه الشعبية الجارفة هي التي جعلت من شخصية السيسي أقرب ما تكون الى شخصية عبد الناصر في ظروف مصرية مختلفة عن الظروف التي ظهر فيها في أفق التاريخ المصري القائد عبد الناصر. ولا يمكن ان نغفل في هذا حقيقة ان الفريق اول السيسي لم يتردد في ان ينسب نفسه وأفكاره واتجاهاته السياسية والفكرية الى عبد الناصر والناصرية. الامر الذي رفع هامته امام الجماهير المصرية في هذه الفترة الانتقالية ـ التي افضّل لها تعبير الثورية ـ وهو نفسه الامر الذي جعل الاستفتاء الاخير في مصر، استفتاءً على رئاسة السيسي لمصر وزعامته للثورة المصرية في عهد الديموقراطية الجديد الذي تناضل جماهير الشعب المصري من أجل جعله بلورة حقيقية لعهد ديموقراطي اكثر مما هي لعهد ثوري.

كل هذه العوامل التي ترتفع بالاستفتاء المصري الى مستوى رفيع من الثورية والديموقراطية معاً تجعل من الطبيعي، بل من الحتمي، ان يتطلع الانسان العربي الى هذا الاستفتاء باعتباره نموذجاً او صورة حيَّة لاستفتاء عربي شامل نتصوره يجري في كل أرجاء الوطن العربي. ذلك ان الاستفتاء في مصر وبالنتيجة الحية والساحقة التي سينتهي اليها قد جذب وسيجذب بمعدل أكبر الجماهير العربية التي تعرضت في الفترة الاخيرة لضربات خارجية ـ اميركية بشكل خاص ومحدد ـ زادت من انقسامها الجغرافي والسكاني والسياسي، ولكنها لم تستطع أبداً ان تحول تفكيرها ووجدانها عن التطلع الى الوحدة العربية حتى ولو كحلم يتفاعل داخلها بلا توقف. فلقد ساهمت الاحداث الاخيرة في الوطن العربي ـ وعلى الرغم من كونها احداثاً حملت انتكاسات خطيرة الى الواقع العربي في مشرقه ومغربه، وجعلت اسرائيل تبدو اكثر استقراراً. لكن الاستفتاء المصري جاء ليؤكد حقيقة وأهمية دور مصر الكبير والواسع في الوطن العربي. ليس فقط من زاوية حجم مصر الجغرافي وموقعها الجغرافي كذلك، انما من زاوية دور مصر الحتمي في الوطن العربي باعتبارها رائدة للاتجاه القومي العربي.

إن من المستحيل بعد الخطوات التي قطعتها الثورة المصرية التي بدأت في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير2011 حتى الاستفتاء الذي جرى مؤخراً، والخطوات المحسوبة التي ستتخذها مصر خلال الاشهر القليلة القادمة، توقع او تصور غياب التطلع العربي في البلدان التي اصابها التقطيع في صورة حرب اهلية - كما حدث في سوريا مثلا ـ الى تطور طبيعي يعيد هذه البلدان الى مسارها ومسيرتها القومية. لقد تمكنت القوى المعادية للعرب ـ داخل اطار حكامها ومسانديهم في الخارج ـ من تعطيل المسيرة القومية الوحدوية في هذا الوطن طوال عشرات الاعوام منذ وفاة جمال عبد الناصر، وخلال تلك الفترة الطويلة سياسياً، القصيرة تاريخياً، تمكنت قوى الهيمنة العالمية من توجيه ضربات عنيفة الى بلدان الوطن العربي كان من نتيجتها ان أخّرت وأجّلت مسيرتها الوحدوية. وطوال تلك الفترة انعدمت افكار الوحدة العربية لتحل محلها أفكار الوحدة القطرية.

أما الآن ـ وقد تصدت مصر تصدياً حاسماً وثورياً ـ فإن عودة مصر الى ميدان التأثير الديموقراطي والوحدوي عربياً تبشر بقرب عودة التفكير القومي والوحدوي من منبعه، ليشمل أرجاء الوطن العربي كله في وقت واحد مع مقاومة الهيمنة الخارجية التي تمثلها اميركا وأوروبا. كانت مصر تفتقر الى القيادة اللازمة لهذا الدور وكانت تفتقر ايضاً الى القوة السياسية والعسكرية اللازمة للقيام به. وهي الآن تستعد لدور سبق لها ان قامت به في عهد جمال عبد الناصر، وهو دور إحياء مفهوم الوطن العربي القومي ووحدته، وهو نفسه دور يرتبط بنوع القيادة التي يمثلها الفريق اول السيسي. إنه دور ناصري بكل معنى الكلمة، أي انه دور قومي ووحدوي. وربما يقال إننا نحمّل القائد السيسي من الآن مسؤولية كبيرة وثقيلة تتجاوز كثيراً وبأشواط بعيدة مسؤولية حكم مصر والسعي الى تخليصها من مشكلاتها الحالية والمقبلة، وهذا قول صحيح لكن ملامح السيسي السياسية والقيادية والظروف التي صعد فيها الى المسؤولية تؤكد بما لا يدع مجالا للتراجع انه يعيد الناصرية ودورها الى مصر، وأن مصر لم يكن ينقصها إلا وحدة جماهيرها وقد تحققت، وأن ظروف الوطن العربي تملي على بلدان هذا الوطن وعلى مصر، قبلها وبعدها، القيام بدور قومي. ذلك لأن الدور القومي هو وحده الكفيل بإنهاء حالة التمزق التي تعاني منها البلدان العربية كتمهيد لا بد منه لمواجهة مسؤولية الوحدة في مواجهة الأعداء الخارجيين والداخليين.

لن تنفصل ابداً مسؤولية مصر عن إنجاح ثورتها الداخلية عن مسؤولية مصر إفشال القوى الخارجية التي تهيمن الآن على عديد من البلدان العربية، وخاصة اهمها في مواقع القومية العربية وخاصة سوريا والعراق. ولن تنفصل أبداً مسؤولية مصر عن خوض معارك تحرير الوطن العربي من هيمنة القوى الخارجية والداخلية عن مسؤوليتها عن إقامة علاقات تتساوى فيها وتتكافأ مصر مع الدول الكبرى مثل اميركا والدول الاوروبية الكبيرة.

ولن تنفصل أبداً مسؤولية مصر عن إنجاح ثورتها الداخلية وقدرات الوطن العربي القومية عن مسؤولية مصر في مجال إقامة عالم اكثر توازناً، عالم يقترب من مفهوم العدالة الدولية الذي يحفظ السلام الدولي على اساس من العدالة الدولية ليحل محل الجبروت الذي يمارسه الكبار على الصغار في الوقت الحاضر ومنذ مئات كثيرة من السنين.

هذه مهمة قد تتجاوز مدة قيادة السيسي لمصر ولكن مسؤولية مصر والسيسي تبدو قادرة على البدء خلال حكمها بتحقيق البدايات لهذه الاهداف. مسؤولية مصر هي العودة الى إطلاق حيوية القومية العربية وتمكينها من تحقيق اهدافها. ومسؤولية السيسي العودة الى إطلاق حيوية دور مصر العربي والإقليمي والعالمي. إن شعوباً كثيرة في العالم الثالث ستتطلع الى دور مصر تحت قيادة السيسي باعتباره إحياءً لدور عبد الناصر الوطني والقومي والعالمي، وبالتالي إحياء دور عدم الانحياز في عالم يسيطر عليه الانحياز بلا حدود.

2014-01-17