ارشيف من :أخبار لبنانية

الهرمل تلملم جراحها في انتظار التحقيقات

 الهرمل تلملم جراحها في انتظار التحقيقات

علي جعفر - صحيفة "السفير"

 تغلبت الهرمل على الإرهاب، واستفاقت على صباح مختلف أمس، لتلملم جراحها وجراح أبنائها الموزعين على المستشفيات، فيما فتحت أبواب العزاء في منزل الشهيد حسين عمر، الذي تم التأكد من جثته، والذي سيتم تشييعه اليوم. بينما ينتظر الجميع التحقيقات لمعرفة أصحاب الأشلاء الموجودة في "مستشفى الهرمل الحكومي"، وبينها أشلاء الانتحاري المفترض، والذي قام بالعمل الإجرامي عن طريق تفجير نفسه والسيارة.

الهرمل، التي تئن من الحرمان والنسيان منذ عقود، والتي عرفت المصارف للمرة الأولى عبر فرعين لمصرفين تضررا في الانفجار، تلقت ضربة اقتصادية كبيرة. كذلك الدوائر الرسمية في السرايا الحكومية، ومن خلال تضرر عشرات السيارات والمحال التجارية. لكن الجميع تحولوا إلى مسح الأضرار، فيما سارعت البلدية بدورها إلى التعاون في تخفيف هول الصدمة. وما يشد الانتباه في الهرمل، هو معنويات المواطنين، المصرين على تخطي ما حصل، والتأكيد على التزام خط المقاومة والوقوف في وجه الإرهاب.

إلى ذلك تواصلت التحقيقات الميدانية، واستمرت فرق الأدلة الجنائية وخبراء المتفجرات لليوم الثاني، على التوالي بالكشف على مكان الانفجار الذي ما زال مغلقا أمام الجميع، ورفع الأدلة وتحليلها بانتظار النتيجة النهائية.

ويتركز التحقيق حول تحديد هوية أصحاب الأشلاء، ومنها أشلاء الانتحاري، حيث علم أن ما ذكر بالأمس عن هوية الأشخاص غير دقيق. ولا تعود تلك الأشلاء إلى سيدة من آل هرموش، أو إلى عامل سوري كان مفقودا قبل معرفة مكانه لاحقاً. وأفاد مصدر مواكب للتحقيقات أن جميع كاميرات المراقبة باتت بيد الجهات المختصة، للاطلاع على تفاصيل التسجيلات ومعرفة تفاصيل العملية الإرهابية. وحول هوية منفذ العملية، أشارت تلك المصادر إلى أنه لا يزال مجهولاً، بانتظار انتهاء التحقيقات. ومن المتوقع أن تبدأ عمليات رفع الأنقاض وإزالة الحطام اليوم، بعد الانتهاء من مسح المكان بشكل تام من قبل "اتحاد بلديات الهرمل".

مصادر مطلعة كشفت أنه، ومن خلال إحدى الكاميرات الموجودة في مكان بعيد عن موقع الانفجار، "شوهدت السيارة وهي تعبر شارع السبيل، مرورا بشارع الدورة، شمالاً. وعند مراجعة محتوى الكاميرا تبين أن السيارة لم ترجع من الطريق نفسها، ما يوضح أن السيارة كانت قد مرّت أمام السرايا الحكومي باتجاه شارع الدورة، وأكملت طريقها على إحدى الطرق الفرعية، التي توصل إلى مدخل الهرمل الجنوبي، أي إلى المكان الذي سلكته في المرة الأولى، لتعود مجددا باتجاه ساحة السرايا. وعند محاولة سائقها ركن السيارة أمام مبنى اتحاد البلديات، لم يجد مكان خاليا". وهناك، وحسب بعض الشهود العيان، قام الانتحاري بالرجوع إلى الخلف نحو عشرين مترا، وأصبح امام البنك الكندي وعندها قام بالتفجير.

إلى ذلك، قامت "مؤسسة جهاد البناء"، بالتعاون مع بلدية الهرمل، بمسح الأضرار في المؤسسات التجارية، وتعبئة استمارات لأصحاب السيارات المتضررة، تمهيداً لإعداد تقرير شامل عن الخسائر التي قدرت بمئات الملايين. كما اطلع وفد من "الهيئة العليا للإغاثة" بقيادة العقيد شرف الدين على مكان الانفجار. وجال على مكاتب المؤسسات الرسمية في سرايا الهرمل فتبين أنها متضررة بشكل كبير، وخاصة القائمقامية، على أن يبدأ المسح الفعلي من قبل اللجنة اليوم.

من جهتهم، أهالي المنازل القريبة التي تضررت بشكل جزئي، عملوا على رفع الأنقاض وإصلاح الشبابيك والأبواب وتركيب الزجاج، نظراً لبرودة الطقس. في حين عادت الحركة إلى معظم شوارع الهرمل. وفتحت المحال التجارية باستثناء مكان الانفجار، في خطوة جريئة تعبر عن تمسك أهالي المنطقة بمحاربة الإرهاب.


الجرحى يروون

غادر معظم جرحى الانفجار المستشفيات إلى منازلهم. ولم يبق سوى ثلاثة في "مستشفى البتول" حالتهم مستقرة، وهم ليلى عبد الرؤوف، والدكتور الصيدلي فراس الحاج حسن، وأمل مرتضى. وفي "مستشفى العاصي" ستة جرحى، هم، حسين علام، والشقيقان السوريان حسين ومحمد النايف، وبشار علوه، وحسين شمص، ولميس ناصر الدين.

الجرحى رووا لحظة الانفجار، حسين علام مستخدم في مصلحة مياه الهرمل، يقول: "عند دخولي إلى مركز عملي في سرايا الهرمل، أحسست أن عاصفة هوائية حملتني نحو ثلاثة أمتار في الهواء ورمتني على الأرض بقوة. حينذاك اسودت الدنيا في عيوني لحظات قليلة لأجد الدماء تغطي وجهي ويدي وبعض أنحاء جسمي". أضاف: "اعتقدت أن صاروخا أصاب السرايا، فحملت نفسي باتجاه المدخل الرئيسي. وهناك رأيت النيران تشتعل في السيارات، فحاولت الرجوع إلى الوراء، لكن قدماي لم تحملاني فجلست على الأرض حتى جاء أحد الاشخاص المدنيين وقام بنقلي إلى المستشفى". عرف علام أن جسمه مليء بالشظايا الحديدية والزجاج. تابع: "العناية الإلهية أنقذت عشرات المواطنين، الذين يتواجدون يومياً هناك أمام مدخل السرايا لقضاء أعمالهم".

الشقيقان السوريان حسين ومحمد النايف حروقهما بليغة، أكدا أنهما هربا مع والدتهما من ريف حلب من الموت، وطلبا الرزق والأمان. وهما يعملان في محل تصليح سيارات عند بشار علوه الذي أصيب بدوره في الانفجار. يقول حسين: "كنت أنا وشقيقي مع بشار في سيارة ب.ام. متوجهين إلى كراج التصليح، وعندما أصبحنا أمام البنك سمعنا صوتا قويا. ووجدنا أنفسنا وسط ألسنة اللهب داخل السيارة. ولم نعرف شيئا سوى أننا خارج السيارة بمساعدة الأهالي"، وتم نقلنا إلى المستشفى. وتابع حسين: "من قام بهذا العمل لا يعرف الله ولا الاسلام، مهما كانت جنسيته، وهو يقتلنا في سوريا واليوم يلاحقنا في الهرمل".

تعمل أمل مرتضى مصورة في استديو محفوظ قرب السرايا، وإصابتها بليغة، تقول: "لعنة الله على من قام بهذا العمل الإجرامي". عند حصول الانفجار وجدت نفسها تحت ركام المحل، "من دون أن أعرف ماذا حصل، والدماء تسيل على وجهي، بدون أن أفقد وعيي، لكنني لم أقدر أن اتحرك من مكاني، وفي الخارج سمعت أصوات صراخ". وكانت سحب الدخان قد غطت المحل "فأيقنت حينها أن شيئاً رهيباً قد حصل. وبعد لحظات شاهدت عددا من المواطنين في المدخل، وقد قاموا بحملي إلى سيارة إسعاف، وتم نقلي إلى المستشفى". شكرت مرتضى "الله أنني بخير. لكن الهرمل حزينة على ما جرى، خاصة على شهيدها المظلوم عامل النظافة، الذي كنت أراه يومياً أمام المحل".
 

أميركا تدين

عبّرت الولايات المتحدة عن "إدانتها الشديدة للتفجير الإرهابي الذي وقع في مدينة الهرمل"، داعية "جميع الأطراف الى التحلي بالهدوء وضبط النفس والامتناع عن أي أعمال انتقامية".

وقالت المتحدثة بإسم وزارة الخارجية الأميركية جين بساكي في مؤتمر صحافي: "ندعم جهود الحكومة اللبنانية لإجراء تحقيق معمق"، مؤكدة انه "من حق اللبنانيين أن يعيشوا من دون عنف". ولفتت الانتباه الى ان "الولايات المتحدة مستمرة في دعم مؤسسات لبنان الوطنية، بما في ذلك القوات المسلحة اللبنانية والأمن الداخلي، فيما تعمل على ضمان استقرار وسيادة لبنان".

وإذ تقدمت بساكي بـ"التعازي من عائلات الضحايا" رأت ان "الشعب اللبناني يستحق العيش من دون العنف الذي تعرض له في الشهر الأخير".
2014-01-18