ارشيف من :أخبار لبنانية

مساعي التأليف: الإتفاق «نظريّاً» والثقة مفقودة

مساعي التأليف: الإتفاق «نظريّاً» والثقة مفقودة

غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"

اتّفِق نظريّاً على حكومة سياسية جامعة تشترك فيها غالبية القوى الوازنة والفاعلة في لبنان، أمّا عمليّاً وعلى أرض الواقع فليس هناك شيءٌ ملموسٌ يمكن إضافته.

هذه الخلاصة لمصدر بارز في قوى 8 آذار يواكب تفاصيل المساعي الجارية لتأليف الحكومة، ويمكن البناء عليها لفهم طبيعة التأخير الحاصل في إعلان التشكيلة الوزارية، وهل الاتّفاق الذي تمّ محصّنٌ ضدّ المفاجآت أو السقوط؟

ثمّة حدثان بارزان قد يكونان سبباً مباشراً في إرجاء الإعلان عن الاتفاق: بدء أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وانصراف المجتمع الإقليمي والدولي للتحضير لأعمال مؤتمر "جنيف 2" حول الأزمة السورية.

الحدث الأوّل قديم، جديد، ولا ينبغي أن يشكّل عائقاً أمام التأليف طالما إنه يعالج ملفّاً حسّاساً يهمّ جميع اللبنانيين ويطاولهم. أمّا الحدث الثاني فالجميع كان يعرف موعده أثناء تحريك التفاوض الحكومي، وينبغي أن يكون أيضاً مدرجاً في حسابات البعض، ناهيك عن إمكان أن لا يخرج بشيء جديد مختلف عمّا جاءت به مقرّرات "جنيف 1" في العام الماضي.

المشكلة تكمن، على الأرجح، في فقدان الثقة بين الأطراف، وفي الضغط الذي تمثّله الاستحقاقات المحلّية وبعض الشروط التي تُرفَع من هنا أو هناك، وتؤدّي الى طلب "مزيد من الوقت" للتشاور.

والحال هذه، تستبعد مصادر مواكبة لمساعي استيلاد الحكومة أن يتمّ الإعلان عنها قريباً. ربّما يحتاج بعض الأفرقاء مزيداً من الوقت لكي يتعامل كلّ طرف داخليّاً مع المرحلة الجديدة. وربّما يفضّل فريق 14 آذار انتظار مرحلة ما بعد "جنيف 2" وشكل المرحلة الدولية والإقليمية والاتجاهات العامّة على صعيد الأزمة السوريّة.

وعن المحكمة الدولية، تقول المصادر إنّ هذا المسار منفصل تماماً عمّا يجري على الصعيد الحكومي، ولا يجب أن يؤثّر سلباً. ما يُسمع على الشاشات وفي جلسات المحاكمة يعرفه الجميع، وصدر في الصحف قبل سنوات، وكذلك في القرار الاتّهامي للقاضي دانيال بلمار. سبق للرئيس سعد الحريري ولحزب الله أن عقدا تفاهمات حكومية وسياسية في ظلّ "التحقيق الدولي"، ومن ثمّ في ظلّ إنشاء "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان".

والأرجح أنّ جميع المهتمين بالشأن اللبناني يعرفون أنّ لبنان بحاجة الى "التقليل" من مشكلاته، وليس لربطه وربط مساراته الداخلية واستحقاقاته الدستورية بكلّ ما في المنطقة والعالم من أحداث.

الاتفاق السياسي أنجِز مِن بُعد عمليّاً. قوى 8 آذار وافقت على صيغة 8+8+8، وعلى بيان وزاري يرضي جميع الأطراف. وقوى 14 آذار وافقت على الشراكة في الحكومة وعلى إرجاء البيان الوزاري الى مرحلة ما بعد التأليف. لم تعُد ثمّة عقبات أساسية محلّياً، ومن المفترض أن تتمّ ترجمة هذا الاتفاق سريعاً، وعدم تفويت "الفرصة الإقليمية" التي أُتيحت أمام اللبنانين لاجتراح حكومة!

فقدان الثقة ليس عاملاً ثانويّاً في كلّ ما يجري. الأحداث والخيارات السياسية لكلّ من طرفي النزاع السياسي تبتعد وتحدث مزيداً من الشروخ الوطنية والسياسية. الانكشاف الامني والصدام العسكري غير المباشر، وغياب القرار السياسي، كلّها عوامل لا تزال ترمي بثقلها على الجميع وتضعهم أمام واقع صعب قد يطيح كلّ شيء وكلّ اتّفاق وتوافق.

وعلى الرغم من أنّ الظروف المحيطة بالتأليف صعبة ومعقّدة وفيها أنواع وصنوف من الحسابات، يظلّ التقارب والتفاهم والعمل على تجنّب المخاطر أفضل من الافتراق وتعزيز الخلاف. ثمّة جوانب متّفَق عليها، فليجرِ تعزيزها، وأخرى خلافية فليتمّ ترحيلها إلى ما بعد الاستحقاق الرئاسي.

عندها يكون لبنان امام عهد جديد وحكومة جديدة قادرة على وضع كلّ الهواجس على الطاولة، وذلك لأجل مناقشتها في العمق ومحاولة إيجاد أجوبة وطنية على أسئلة جميع الاطراف. الجميع لديهم هواجس وأسئلة ومطالب، والخشية أن يُرفَع شأن الهواجس على التوافق، فتعود البلاد الى المربّع الأوّل وتتهدّد بفراغ حكوميّ ودستوري وأزمة نظام.
2014-01-18