ارشيف من :أخبار عالمية

’جنيف 2’: انتهاء الخطابات وبدء المفاوضات

’جنيف 2’: انتهاء الخطابات وبدء المفاوضات

اختتمت بمدينة مونترو السويسرية الجلسة الثانية لمؤتمر "جنيف 2" حول سوريا وسط خلافات كبيرة وتصريحات علنية عن انخفاض سقف التوقعات .. وبعد مساعي دبلوماسية في أكثر من اتجاه، كانت انطلقت أعمال المؤتمر بعد طول انتظار، وكانت الانطلاقة باجتماع 40 دولة ومنظمة دولية في المدينة السويسرية إلا أنه ابرز ما لوحظ ان الفوضى الدبلوماسبة التي أعقبت توجيه الدعوة لإيران وسحبها لاحقاً من المحادثات انسحبت الى داخل المؤتمر.

كما لوحظ أيضاً ان خطابات الجانب الاميركي والفرنسي وبعض التابعين لهذا المحور في المؤتمر كانت بعيدة كل البعد عن الاطار التوافقي والاصلاحي المفترض ان يتمخض عن جنيف 2. وعلى ما يبدو، وبعبارة مختصرة يمكن وصف ما وصلت اليه اعمال المؤتمر أنه "كرس التباينات".


’جنيف 2’: انتهاء الخطابات وبدء المفاوضات

وبالفعل، أظهرت كلمة وزير الخارجية الاميركي جون كيري أنه لا يكترث لإيجاد حل للأزمة السورية، فالخطاب الهجومي لكيري ينافي أجواء المؤتمر التي تدعو الى المصالحة، وكأنه احد أعضاء الوفد "السوري المعارض"، وليس وزير خارجية دولة تريد ان تحل الازمة، فقد ركز في كلمته على تشكيل "حكومة انتقالية في سوريا شريطة ألاّ يكون الرئيس السوري بشار الأسد في هذه الحكومة".

في المقابل، حذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من محاولات إفشال المؤتمر، فيما أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن أي اتفاق سيتم التوصل اليه سيطرح على استفتاء شعبي.

وفي الواقع، فإن اجتماع جنيف 2 أظهر صحة ما اعتبره مراقبون من ان المؤتمر لن يخرج بحل مع غياب دول وفصائل مهمة مثل ايران و"هيئة التنسيق" والأكراد، وحتى من الذين كانوا  يوماً في "الائتلاف الوطني" وانسحبوا احتجاجاً على المشاركة في المؤتمر بهذا الشكل .. كما كانت تحذيرات وزيري خارجيتي روسيا والصين في محلها حين حذروا أنه لا يمكن فرض حلول مسبقة على  المؤتمر، ويجب ان يتداول الطرفان اي الحكومة و"المعارضة" الحوارات بينهما والخروج بقرارات متفق عليها، بينما الموقف الاميركي أعقبه الفرنسي وغيرهما من الدول الداعمة للارهاب من على منصة المؤتمر لم تكن مواقفهم على مستوى التطلعات، وهذا ما أعلنه وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس صراحة، رداً على دعوة دمشق للتركيز على "مكافحة الإرهاب" خلال المؤتمر إن "الهدف ليس الإرهاب بل الحكومة الانتقالية".

والمضحك المبكي، هو خطاب رئيس ما يسمى "الائتلاف الوطني" أحمد الجربا في المؤتمر الذي تحدث عن محاربة "الارهاب" و"داعش" وضربها في عدة مواقع، في حين لا يخفى على أحد ما قامت به المجموعات المسلحة من مجازر في حق المدنيين العزل.

اضافة الى ذلك، يكشف تشكيل الوفد السوري المعارض ثغرة كبيرة لمصداقية وشرعية التمثيل لكامل أطياف سوريا المعارضة. وعبرت مصادر ديبلوماسية أممية عن شكوكها في أن يكون أعضاء الوفد، الذي يقوده الجربا، معبراً، ليس فقط عن تشكيلات المعارضة باقتصاره على "الائتلاف"، وإنما قادرا على الجلوس في مواجهة وفد من طراز الوفد الذي يقوده وزير الخرجية السوري وليد المعلم. وطغت على الوفد المعارض أسماء، لا يملك سوى القليل منها خبرة سياسية أو تفاوضية وديبلوماسية.

الجمهورية الاسلامية في ايران كانت الحاضرة الغائبة في جنيف 2، فقد حضر موقفها تجاه الازمة السورية بالرغم من عدم حضورها اعمال المؤتمر، وكان تأكيدها على ان أولوية أي تحرك إقليمي أو دولي بخصوص سوريا ينبغي أن يتم على أساس التصدي للارهاب. بيان الخارجية الايرانية عبّر عن قلق ايران البالغ من تواجد المجموعات الارهابیة في سوریا، وأشار الی ان اتساع نطاق الارهاب في سوریا یشكل خطراً وتهدیداً لكل دول المنطقة وخارجها.

كذلك، شدد الموقف الايراني على ان داعمي الارهابیین یتحملون المسؤولیة تجاه ما یحصل في سوریا ویتعیّن ان یفوا بالتزاماتهم بشأن منع ارسال الاسلحة والمسلحین الی داخل هذا البلد.

ورداً على المواقف التي نادت بحل في اطار "المرحلة الانتقالية"، اکد بیان الخارجية الايرانية ان "صنادیق الاقتراع والالیة الانتخابیة هي المعیار لكي یقرر الشعب السوری مصیره"، موضحاً ان اصوات الشعب السوري هي التي ستحسم الامر ولایمكن فرض اي اجندة اجنبیة علیه.

وبالعودة الى الكلمات، ففي كلمته الافتتاحية، قال بان كي مون "لا بديل لإنهاء العنف في سوريا إلا عبر الحل السياسي"، ودعا لتطبيق بند الصلاحيات في جنيف 1"، مشيراً الى أن "كافة الأطراف تسعى إلى حل سياسي".

من جانبه، صرّح لافروف في كلمته "مهمة المؤتمر انهاء الصراع المأساوي في سوريا ومنع انتشاره في المنطقة"، وأضاف "يجب تعزيز الثقة بين الطرفين في سوريا.. يجب اشراك ايران لتحقيق مضامين بيان جنيف"، ولفت الى "أننا نريد صون سوريا كدولة ذات سيادة تحمي المجموعات المختلفة عرقياً"، مشيراً الى أن "محاولات فرض وصفات جاهزة للإصلاحات يعرقل التقدم نحو الحل".

ودعا لافروف جميع الجهات الفاعلة الى احترام مبادئ القانون الدولي وسيادة سوريا"، كما دعا الى "عدم فرض حلول بالقوة كما اقره مجلس الامن". واعتبر أن "هناك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الجميع لإنجاح مؤتمر جنيف 2"، وقال: "الامر يتطلب التوافق على معايير ملموسة لتحديد الشعب السوري لمستقبله".

وزير الخارجية الامريكي أكد من ناحيته أهمية "تشكيل حكومة انتقالية في سوريا شريطة ألا يكون الرئيس السوري بشار الأسد في هذه الحكومة"، وقال في کلمته إن "الأزمة في سوريا خلفت خلال 3 أعوام أكثر من 130 ألف قتيل"، واصفاً مؤتمر جنيف 2 بأنه "يشكل اختباراً للمجتمع الدولي من إجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية"، ورأى أن "مؤتمر جنيف 2 يشكل اختباراً لنا جميعاً لتحقيق السلام في سوريا، واليوم هو بداية محادثات شاملة وصعبة للوصول إلى السلام في سوريا".
ودعا المجتمع الدولي إلی أن ينظر للمعاناة الإنسانية في سوريا؛ مؤکداً أن الكثير من الدول أبدت استعدادها لمساعدة سوريا.

أما وزير الخارجية السوري فعبّر عن أسف بلاده لأن تجلس في المؤتمر من تلطخت ايديهم بدماء السوريين، مضيفاً "الوهابية تصدّر وحوشاً على هيئة بشر الى سوريا.. لقد انكشف الوجه الحقيقي لمن اراد زعزعة سوريا عبر البترودولار، فالفكر الوهابي البغيض مشترى بالدولار ومصدر الى سوريا، بعض الدول تغرق في الجاهلية والتخلف وحاولت ان تعطينا دروسا في الديمقراطية، ان سوريا تتشبث بعروبتها لا مثل بعض العرب الذين تخلوا عنها".

واعتبر المعلم أن "الجيران في الازمة السورية كانوا كالسكاكين في الجسد السوري"، متسائلاً "كيف يمكن للاجنبي ان يحقق تطلعات الشعب السوري!"، وتابع "كيف يمكن للإرهابي شيشاني أو سعودي أو تركي أن يحقق مطالب الشعب السوري، في سوريا يذبح الرجال امام اطفالهم تحت مسمى الثورة"، وأردف قائلاً "تحت مسمى الثورة السورية العظيمة تفجر المؤسسات ويقتل المواطنون وتنبش القبور وتستباح النساء، باسم الثورة تقطع الرؤوس ويحرق الناس بجرائم سيدينها التاريخ، تقصف الجوامع وتقطع الرؤوس في سوريا ولا يدخل ذلك تحت يافطة السامية". وأوضح أن "عدرا التي لم يسمع معظمكم عنها دخل الغرباء اليها وقتلوا اهلها"، وقال "لم أقف يوما موقفا أصعب من هذا فعلى عاتق وفد سوريا آمال بلدنا، حانت اليوم لحظة الحقيقة التي اريد لها ان تضيع بشكل ممنهج". واعتبر المعلم أن "كل الذي حصل ما كان ليحصل لو لا حكومة اردوغان التي احتضنت الارهابيين"، مضيفا: "حكومة اردوغان فرشت ارضها للارهابيين لدخول سوريا".

وأشار الى أن "بعض الجيران اشعل النيران في سوريا وجلب الارهابيين من 83 جنسية للقتال في سوريا دون ان يستنكر احد ذلك"، منوها الى أن "من لا يتعلم من التاريخ سيخسر الحاضر"، ومؤكدا أن "سوريا ستقوم بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها وبالطريقة التي يراها مناسبا، لأنها بلد سيد مستقل".

ولفت وزير الخارجية السوري الى أن "اعداء سوريا باتوا يجتمعون ويقلقون عليها، افتحوا الحصار عن الشعب السوري عندها ستكون سوريا بخير، اوقفوا ضخ السلاح الى سوريا ودعم الارهابيين، دول الديمقرطية لا تتكلم الا بلغة النار!!".

وأضاف المعلم "اعتادت امريكا ان تكون الامر الناهي في العالم والجميع ينقاد لها، لوحت اميركا بعدوانها على سوريا بذريعة السلاح الكيمياوي، بعض الذين يجلسون في القاعة من السوريين باعوا بلدهم وتعاونوا مع الاسرائيليين".

وتساءل "ماذا فعلتم للسوريين يا من تتحدثون باسم الشعب السوري، سمحنا لدخول منظمات الاغاثة لكنها تعرضت لنيران ارهابيين يعرفهم من يجلس هنا، بعض السوريين الموجودين في المؤتمر ساهموا بكل الجرائم المرتكبة في سوريا ويدعون انهم ممثلون للشعب السوري".

وفي كلمته، أكد وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" أنه يتعين على السلطة و"المعارضة" في سورية إبداء إرادة طيبة، والتوصل إلى اتفاق وإيجاد حل سياسي للأزمة يناسب كافة الأطراف من أجل إحلال السلام في البلاد والمنطقة. وشدد الوزير الصيني أن المفاوضات ستصل إلى طريق مسدود في حال عدم إبداء الجانبين مرونة كافية. وقال وانغ يي إن "وقف إراقة الدماء في سورية وتحويلها إلى بلد مستقر يتطلب تشكيل حكومة انتقالية"، داعياً إلى ضمان الحريات السياسية والتعددية السياسية في سورية. كما دعا وزير الخارجية الصيني إلى بدء العمل الجدي لمكافحة الإرهاب. وأكد وانغ يي أن السيناريو العسكري في سورية غير مقبول، مشدداً على ضرورة ضمان وحدة أراضي البلاد وتجنب تفككها. وأكد أن الصين ستواصل تقديم المساعدات الإنسانية إلى السوريين.

بدوره، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، خلال المؤتمر أنه "لا يتعلق الأمر بإجراء نقاش عام حول سوريا، ولا بإطلاق هجمات وشعارات دعائية ولا كسب الوقت ولا إلقاء الخطب عبر تكرار كلمة الإرهاب بل يتعلق بالبحث عن حل سياسي لسوريا يتعلق بهذه السلطة الانتقالية التي تتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية".

وأكد وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ من جانبه ضرورة "تجنب إجهاض عملية السلام في سورية، لأن ذلك سيكلف آلاف الأرواح من الأبرياء". ودعا هيغ كلا الوفدين السوريين إلى التفكير بمستقبل سورية في هذه المفاوضات، مؤكدا أن الحكومة السورية تتحمل مسؤولية خاصة عن هذه الأزمة وأنها تحديداً تستطيع إنهاء الأزمة. كما دعا وزير الخارجية البريطاني وفد الحكومة السورية إلى التوصل إلى اتفاق مناسب للجانبين والتوقف عن القيام بخطوات من شأنها أن تؤدي إلى إفشال المفاوضات وضمان تقديم المساعدات الإنسانية.

الموقف اللبناني عبّر عنه وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الاعمال عدنان منصور، حيث رأى أن " لبنان لم ينج من العمليات المدمرة، إذ دخلت إليه خلايا متطرفة مرتبطة مباشرة بمنظمات إرهابية لتعبث بأمنه واستقراره، فقامت بسلسلة من التفجيرات طالت أكثر من مكان، موقعة مئات الشهداء والجرحى من المدنيين،" مشددا على أن "من يدعون أن ما يجري من اقتتال في سوريا هو نتيجة مشاركة حزب الله، وهو الحزب اللبناني المقاوم للاحتلال الاسرائيلي، إنما يريدون صرف الأنظار عن الوقائع، وتغطية الجرائم التي ترتكبها التنظيمات الارهابية، التي تتغلغل وتتغذى من أفكار تكفيرية متطرفة غريبة عن عادات وتقاليد وثقافات مجتمعاتنا".

واعتبر منصور أن"التحدي الذي يواجهه لبنان أيضا يتمثل بالعبء الكبير الذي تحمله نتيجة دورة العنف في سوريا، التي تسببت بتدفق مئات الآلاف من النازحين السوريين ليصل عددهم إلى ربع سكان لبنان، عبء فاق طاقاته وإمكاناته، وترك تداعياته الإنسانية، المعيشية، الصحية، والأمنية على الوضع العام، وهنا نهيب مرة أخرى بالمجتمع الدولي ليتحمل مسؤولياته وواجباته حيال هذا الوضع الإنساني الصعب. فلبنان البلد الأصغر في المنطقة تحمل العبء الأكبر، لم يتخل عن واجباته حيال الأشقاء إنطلاقا من مسؤوليته الوطنية والإنسانية، ومن خصوصية العلاقات الأخوية اللبنانية السورية".

وأكد أننا "نعلق الآمال على هذا المؤتمر ونرى فيه فرصة ذهبية للدخول في مسار الحل السياسي، وهو المخرج الوحيد للأزمة السورية، والذي لا بديل منه، وضرورة لوقف نزف الدم السوري، وتدمير سوريا والأماكن التاريخية والأثرية والدينية فيها، وعودة النازحين إلى بلداتهم ومدنهم، وإعادة إعمار سوريا. وهذا ما يشكل أمرا حيويا لحماية السلام الإقليمي والدولي."

وختم منصور كلمته بالقول :"إننا نتطلع إلى حكمة السوريين وإرادتهم، فالحوار الإيجابي البناء وحده يخرج سوريا من أزمتها، وبمواكبة الأفرقاء المعنيين في هذا المؤتمر، مما يحقق لها السلام المطلوب، وليكن السلام اليوم قبل الغد".

وبموازاة انطلاق أعمال المؤتمر، تجمّع مئات السوريين أمام مكان انعقاد جنيف2 في مدينة مونترو، وراحوا يهتفون لسوريا والرئيس بشار الأسد.

وبعد مونترو، ينتقل الوفدان السوريان الى مدينة جنيف، حيث يبدآن الجمعة في حضور الابراهيمي، مفاوضات بينهما حول سبل حل الازمة في بلادهما، فيما أوضح مصدر في الوفد الروسي أن هذه المفاوضات قد تستغرق عشرة أيام.

يشار الى أن الجمهورية الاسلامية الايرانية كانت قد دعيت للمشاركة في المؤتمر من قبل الامين العام للأمم المتحدة إلا انه وتحت الضغوط الاميركية التي مورست عليه، تم سحب الدعوة من طهران، وهذا ما زاد التشاؤمات بنجاح المؤتمر.
2014-01-22