ارشيف من :ترجمات ودراسات

قطاع غزة: بين التهدئة والحرب والعمليات المتبادلة

قطاع غزة: بين التهدئة والحرب والعمليات المتبادلة
تردي الاوضاع الامنية على حدود قطاع غزة، وتواصل الاعتداءات الصهيونية شبه اليومية فيه، مع استمرار التهديدات بشن عملية عسكرية واسعة ضد الفلسطينيين، ينذر بقدوم الحرب والمواجهة الشاملة، رغم تأكيد الصهاينة، وعلى لسان كبار مسؤوليهم، ويشير الى أن لا مصلحة لتل أبيب بخوض غمار مواجهة جديدة ضد القطاع.

احتمالات التصعيد كانت مدار تعليق وسائل الاعلام العبرية في الاسابيع الاخيرة، ومن المعلقين من رأى ان التطورات الميدانية ستقود الى المواجهة، التي وصفها بالمحتومة، ومنهم من رأى النقيض من ذلك، مؤكدا ان جميع الاطراف ستعمل على فرض التهدئة في نهاية المطاف.

وعلى عادة الباحثين والمعلقين الاسرائيليين، يناسبون تعليقاتهم مع السياسة القائمة لتل ابيب. إن كان التوجه لدى صانع القرار في ا"سرائيل" هو التصعيد، فانهم يهللون له، ويطالبون به، ويضعون كل الاسباب الموجبة على طاولة البحث، تمهيدا لتنفيذه، اما اذا كان القرار بالامتناع عن المواجهة، لعدم القدرة او خوفا من تباعاتها، فيتصدون لتبرير سياسة الانكفاء، مع القاء اللوم، بطبيعة الحال، على الجانب الاخر.

مركز ابحاث الامن القومي التابع لجامعة تل ابيب، وبقلم الباحث في الشؤون العسكرية، شلومو بروم، نشر على موقعه على الانترنت مقالة تحليلية لاوضاع غزة وإمكانات التصعيد، أكد فيها منحى التهدئة، رغم تشديده في المقابل على أن فرص المواجهة ما زالت قائمة، في حال تخطّت الردود والردود المقابلة اهدافها، ورغم انه جهد كثيرا لتوصيف وضع "حماس" المأساوي بحسب تعبيره، الا انه خلص في نهاية المطاف للتأكيد على ارادة التهدئة الاسرائيلية، مع رسائل موجهة الى قطاع غزة، بعد الذهاب بعيدا في عمليات اطلاق الصواريخ، لان سياسة التهدئة لا تمنع الرد الموضعي على العمليات الفلسطينية المنطلقة من القطاع.

وفي وصفه للتطورات الاخيرة على حدود غزة، اشار بروم الى ان اطلاق الصواريخ والردود عليها، تتسبب بمخاوف من ان تؤدي الى تصعيد امني وقرار اسرائيلي للمبادرة الى عملية عسكرية واسعة في القطاع، لا تقل حجما ومدة، عن عمليتي "الرصاص المسكوب وعمود السحاب"، واضاف متسائلا: هل ان التصعيد القائم حاليا، هو تصعيد مقصود ومبادر اليه، ام ان مصلحة الطرفين لا تزال في المحافظة على التهدئة، لكن مع فقدان السيطرة على الاوضاع؟

وأكد الباحث ان ليس لاسرائيل مصلحة في خرق الهدوء. وليس لدى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الرغبة في خسارة هذا الهدوء. فالتسبب بأزمة في المفاوضات مع الفلسطينيين، وان تكون "اسرائيل" هي السبب، ليست مصلحة اسرائيلية بالمطلق.

اما لجهة الجانب الفلسطينيين، فيرى الباحث ان الصورة اقل وضوحا، و"ثمة محافل في غزة معنية بتفجير المفاوضات مع اسرائيل، وبتصعيد المواجهة العنيفة معها على حد سواء"، ويتهم جهات في حركة الجهاد الاسلامي ومجموعات سلفية جهادية انها تقف وراء التوتر الاخير مع القطاع.

وتماشيا مع الطرح الاسرائيلي للموقف الميداني، يشير بروم الى ان تنظيمات صغيرة جهادية سلفية، موجودة في قطاع غزة، تدير التصعيد وتطلق الصواريخ باتجاه "اسرائيل"، ومن دون علم حركة حماس، وايضا من دون علم الجهاد الاسلامي، الذي هو التنظيم الاكبر في القطاع بعد حماس.

مع ذلك، يضيف بروم، السؤال الاساسي في هذه المرحلة في تل ابيب هو الآتي: هي غيرت حماس سياستها ام انها فشلت في كبح جماح هذه المجموعات، الامر الذي يمكنه أن يشهد على انخفاض في نجاعة سيطرتها في قطاع غزة؟.
ويشير الباحث الى ان حركة حماس تجتاز فترة صعبة وهي في وضع من الضعف السياسي والعسكري. فالحرب الاهلية في سوريا اجبرتها على قطع العلاقة مع داعمين هامين لها، مع فشل في المراهنة على داعم جديد، وهو حركة الاخوان المسلمين في مصر، بعد فشلهم واقصائهم عن الحكم في القاهرة. اما قطر، التي عولت عليها حماس، فقد تخلى الامير عن حكمه لابنه، الاقل حماسة للسياسة الخارجية الفاعلة لقطر الصغيرة وللعلاقات مع حماس، كما ان رئيس حكومة تركيا، رجب طيب اردوغان، يواجه مشاكل خاصة به، وعلى اي حال فان قدرة الوصول التركية والقطرية الى قطاع غزة متعلقة بارادة مصر الطيبة، التي كما بات معروفا، غير موجودة.

ويضيف بروم، ان حماس تحاول التعويض عن ذلك بتطوير وانتاج ذاتي لصواريخ بعيدة المدى، ولكن يوجد فارق هائل بين الدقة والقوة التدميرية لهذه الصواريخ والصواريخ ذات الجودة العسكرية التي تهرب من ايران. فحماس غير مستعدة لجولة قتال جديدة بحجم واسع وذلك لان وضعها السياسي سيء اكثر من ذلك. فقد توقفت المغازلات لها في المنطقة وخارجها، وبات لاعبون مركزيون في العالم العربي، وعلى رأسهم مصر والسعودية، معادين لها بشكل حاد.

تحاول حماس، بحسب الباحث، الخروج من وضعها البشع في سبيلين. فمن جهة تحاول استئناف العلاقات مع ايران بنجاح جد جزئي. ومن جهة ثانية، فإن حماس تتخذ سياسة تصالحية تجاه مصر وتجاه قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله. كما تحاول عدم استفزاز مصر لمعرفتها بتعلقها بها.

وحماس بالفعل، وفي هذه المرحلة، لا تريد التصعيد الامني مع "اسرائيل"، وأي تصعيد حالي لا ينبع من سياسة مقصودة لحماس، بل هو في اساسه نتيجة فقدان السيطرة على الوضع، والذي تخلق فيه حادثة على الحدود دافعا لرد من مجموعة فلسطينية يؤدي الى رد اسرائيلي وهكذا دواليك.

ويختم بروم، انه على فرض أن هذا التحليل صحيح، فان الهدف الاساس لـ"اسرائيل" هو منع التدهور الى مواجهة واسعة لا يريدها الطرفان، وذلك دون المس بالقدرة على ردع حماس ولاعبين آخرين في قطاع غزة. اسرائيل لا يمكنها أن تغير السياسة الاساس التي صممت بعد عمود السحاب، وبموجبها يجب الرد على اطلاق الصواريخ من غزة بحزم أليم على حماس ومنظمات اخرى في غزة، خشية أن يتآكل الردع الذي تراكم في الحملتين الكبيرتين هناك. ولكن الردود يجب أن تكون مدروسة وبالتوازي لها ثمة حاجة الى متابعة حثيثة لسلوك منظمة حماس التي تسيطر في غزة وفي نظر "اسرائيل" هي المسؤولة عما يجري فيها حتى لو كانت منظمات اخرى هي التي تطلق الصواريخ. اذا ما توصلت "اسرائيل" الى الاستنتاج بأن حماس تبذل جهدا حقيقيا لمنع المجموعات الاخرى من العمل ضد "اسرائيل"، فإن عليها أن تقطع دائرة الردود والردود على الردود من خلال تأخير تكتيكي لردودها. وهي يمكنها دوما ان تستأنف هجماتها اذا ما تبين بان الامر غير مجدٍ.
2014-01-23