ارشيف من :ترجمات ودراسات

2014 ...صراعات عالمية دائمة (1)


2014 ...صراعات عالمية دائمة (1)

بقلم : برنار دوغيه
عن موقع برنار دوغيه
20 كانون الأول / ديسمبر 2013

لقد أعلنت الحرب ! هذا ما كان بإمكاننا أن نقرأه في جميع الصحف ذات يوم في صيف العام 1914. ولم ذلك ؟ لأن الحرب كانت تقع في تلك الفترة وفق قواعد وإجراءات متعارفة. كان الأمر، أمر الحرب، صريحاً وواضحاً وله حدود في المكان والزمان. وعندما كانت تقع الحرب، كانت الدول ترسل الجنود إلى الجبهة، وعندما لم تكن هنالك حرب، كان هنالك سلام. تلك الحرب الكبرى تسببت بها توترات اقتصادية ونزاعات سياسية، وتحديداً المسألة الاستعمارية. كانت ألمانيا قد أصبحت قوة صناعية عظمى، وكانت لها مطامع في بعض المناطق الإفريقية. نعرف البقية. وفي فرنسا، تسببت تلك الحرب في استعادة اللحمة القومية وسمحت تقريباً بإجراء مصالحة في بلد كان قد أصبح ممزقاً بعد قضية درايفوس (2)، في وقت لم تكن الجمهورية قد حظيت بقبول قسم كبير من النخب والسكان الذين كانوا يتعلقون بأبصارهم بالماضي الملكي الذي ولى إلى غير رجعة.

2014 لم يعد هنالك أي احتمال لخطر وقوع حرب بين البلدان الأوروبية. فوق ذلك، وبحسب تعبير عالم الاجتماع زيغمونت بومان، أصبحت هذه الفترة "سائلة"، بلا حروب. لكن الكلام يدور عن صراعات تحتدم أو يمكن أن تحتدم بين فرقاء في بلدان مثل سوريا ومالي وإفريقيا الوسطى. ليست لهذه الصراعات بداية محددة في الزمن ولا حدود ثابتة. كل ما نعرفه أن هنالك معسكرين ومقاتلين منتشرين يتقاتلون، ويسقط جراء قتالهم أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

التعبير السائد الآخر في المجال الجيوسياسي هو "التدخل". ففي مثل هذه الحالات، تأتي قوة عسكرية متماسكة وتتدخل في بلد ما، بناء على طلب من قادته وبترخيص من الأمم المتحدة بهدف وضع حد للنزاع. ففرنسا ليست في حالة حرب ولا في حالة نزاع في مالي أو إفريقيا الوسطى. إنها تتدخل. وهذا التدخل يقع في منتصف الطريق بين الحرب وبين عملية من النوع الذي تقوم به الشرطة. الأمر هو من حيث الشكل أكثر شبهاً بالحرب. أما من حيث المضمون والنوايا، فهو أقرب إلى عملية لحفظ الأمن، وبالتالي لعملية من اختصاص الشرطة.

في العام 2014، ليس العالم في حرب عالمية، ولكنه يشهد صراعات كثيرة. صراعات تتحدث عنها وسائل الإعلام عندما يكون هنالك الكثير من القتلى أو ... مجرد قتيلين عندما يكون القتيلان من جنودنا. عندها يتلفظ سياسيونا الرسميون بالشعار الجمهوري : "ماتوا من أجل فرنسا". لكن الكافر بهذا الشعار يقول في قرارة نفسه : "ماتوا من أجل المصالح الاقتصادية". الصراعات الكبرى لا نجدها فقط في سوريا أو مالي أو إفريقيا الوسطى، من غير أن ننسى أفغانستان. نجدها أيضاً في نيجيريا والسودان. وفي بلدان كثيرة أخرى تنخرها فصائل المتمردين والصراعات الجماعوية التي تكون دينية أحياناً تتداخل فيها عوامل اقتصادية في أغلب الأحيان. ففي الصين، يموت العشرات شهرياً في مناطق نائية مثل سوشوان المشهورة بما فيها من البهار القوي الرائحة. وبدورها، لا تشذ البلدان الناهضة كالهند وإندونيسيا عن هذه القاعدة. العنف يضرب العالم. هذا واقع أم أثر من آثار سهولة الوصول إلى المعلومات ما ينطوي على القول إن العالم هو اليوم أقل عنفاً مما كان عليه في السبعينات ؟

العام 2014، لا بد من أن ننظر إليه على أنه عام الصراعات، وعام السلام الذي يجري الإعلان عنه بأنه قضية دولية. ففي ذكرى من تعرفونهم، لا بد من تذكير فاقدي الذاكرة أننا في العام 2014، سنحيي ذكرى جان جوريس. ولا بد من أن نلحظ أن الصراع العالمي في العام 2014 ما هو إلا عولمة للصراعات. إن انتشار المعلومات والبضائع والأموال والأسلحة يقلص الإحساس بسخونة الأجواء ويخلق حالة كلية تسودها قاعدة عامة هي عدم الاستقرار. وإلى البلدان التي تعيش الصراعات، نضيف البلدان التي تمر بأزمات اجتماعية وسياسية منها ما هو حاد أحياناً، كما في مصر وليبيا وتونس. ومنها ما هو كامن ومقنع تحت وجوه بالغة التنوع، كما في تركيا أو حتى في الولايات المتحدة أو فرنسا حيث نشهد المزيد والمزيد من التظاهرات، لكنها تظاهرات تتناقص فيها أعداد المتظاهرين. كل معسكر يدافع عن مصالحه. في فرنسا، يمكن الكلام عن عنف اجتماعي وحتى عن نوع من الصراع بين الطبقة الحاكمة وبين السكان. وهذا ينطبق أيضاً على الولايات المتحدة. وفي الحالتين، نجد جهازاً بوليسياً لا يتمتع بالكثير من الحنان والرقة.

أجهزة مراقبة. في فرنسا قانون يطلقون عليه صفة "عسكري" مهمته تسهيل تحديد الامكنة التي تجرى منها وإليها الاتصالات للتنصت عليها. هذا مبرر في مكافحة الارهاب. وهل يمكن لفرنسا أن تقول غير ذلك وهي التي تقف –بتدخلين اثنين يستهدفان جماعات ذات ارتباطات إسلامية- على خط المواجهة الأول، مع العلم أيضاً بأن المرور إلى أراضيها ممكن من نقاط عديدة. هذه التدخلات وضعت فرنسا في موقف صعب. فالرسميون ينطقون بالأكاذيب، ومن الآن وحتى عشر سنوات ستظل فرنسا في صراع مع الجماعات نفسها. وربما أيضاً مع جماعات جديدة. الوضع في العالم غير مستقر وخطر. ولا ننسى جماعات الجريمة المنظمة. مافيات إيطالية تتفشى في المكسيك, وهذا دون حساب الكثير من الاختصاصات المافياوية التي نجدها في بلدان جنوب شرق أوروبا وتحديداً في البلقان.
في العام 2014، سيتنامى الوعي بأن الأوضاع لا يمكن أن تتحسن، وبأن الصراعات ستتواصل، وبأن الفساد سيحافظ على موقعيته أو أنه سيحقق المزيد من التوسع، شأنه شأن الجريمة المنظمة وأشكال الاضطراب الاجتماعي. لا وجود لتوقعات بالنمو بل لبطالة كاسحة ومستمرة بالترافق مع تراجع البرامج الاجتماعية ومع اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء. لا هم لأحد غير إنقاذ موقعه، ولا أحد يعرف -فيما لو لم تتخذ قرارات بتغيير المجتمعات- إلى أين سنصل في غضون السنوات العشر أو العشرين القادمة. في العام 2014، ستمكث الصراعات في الأرض ولأزمنة مديدة دون شك. وللعيش في تلك الفترة القادمة، لا بد من اعتماد التقشف وتحمل الحرمان.

القيادات والشعوب لا يبدو عليها أنها تدرك عواقب ما تقدم عليه من أفعال، إن على مستوى الاقتصاد أو على مستوى الصراعات. بناء فرص للعمل أكثر صعوبة بكثير من تدميرها. فرنسا بنقاباتها المتواطئة تطبق سياسة التدمير مفضلة مجرفة التسريحات على المفاوضات من أجل إنقاذ الوظائف. أما عن الصراعات فيكفي أن نلاحظ ما يجري في السودان. أحقاد متوارثة عن صراعات سابقة تعود إلى الظهور وتدخل البلاد في حالة من الفوضى والخراب. وفي كل مكان تتحارب فيه الجماعات، تتجذر الأحقاد وتعصف بكل إمكانية للوصول إلى مستقبل تسوده المشاركة. 2014 ستكون مثل 1914، لحظة تعلن فيها الصراعات. كلهم يريدون السلام، لكن أحداً لا يريد صنع السلام. ومع هذا، نتمنى لكم أعياداً سعيدة !
2014-01-24