ارشيف من :أخبار لبنانية
«مجرمو الضاحية» و«المتهمون اليهود»...
جان عزيز-"الأخبار"
ثمة أمور تصير رؤيتك لها أكثر وضوحاً حين تبتعد عنها قليلاً. مثل لوحة معقّدة. تماماً كما ثمّة أمور لا تراها في حقيقتها إلا حين تغمض عينيك. مثل حقيقة صعبة. مسألتان لبنانيتان خطيرتان سُجّلتا أخيراً، يبدو أنهما تخضعان لهذا المنطق.
الأولى يرتبط فهمها باستذكار حدث 11 أيلول 2001، في سياقه وفعله وردود الفعل عليه. في ذلك النهار وقع اعتداء إرهابي صارخ ضد مدنيين أبرياء.
تبين لاحقاً أن خلفيات الجريمة سياسية كثيرة التعقيد. فصار العالم أمام امتحان تقييم ما حصل، بين الجريمة وخلفياتها. وسرعان ما أدى هذا الامتحان إلى فرز حقيقي واضح: الشعوب والمجتمعات المدنية التي تدرك المفهوم الأصيل لحقوق الإنسان، سارعت إلى إعلان إدانة مطلقة للجريمة الإرهابية، بمعزل عن السياسات الرسمية والمواقف الحكومية. من دون تحفظ، من دون تردد، ومن دون توقف عند الخلفيات أو الدوافع. إنه إرهاب. إنهم إرهابيون. إنها جريمة. إنهم مجرمون.
تماماً وفق قاعدة دوستويفسكي، أن الجريمة والعبقرية لا تلتقيان. حتى كان التعبير الأشدّ رمزية حول هذا الموقف الإنساني الأصيل، مانشيت تلك الصحيفة الفرنسية ــــ المنتقدة تاريخياً لسياسات واشنطن ــــ حين خرجت صباح 12 ايلول بعنوان تاريخي، تدليلاً على عمق التضامن الإنساني في وجه الإرهاب ومجرميه: «كلنا أميركيون»! في المقابل، وفي المجتمعات الأقلّ تمرساً في ثقافة حقوق الإنسان، انطلقت ظاهرة لا يمكن توصيفها إلا تحت عنوان: تبرير الجريمة. بعضهم راح يفسّر تاريخية سياسات واشنطن «المتحيّزة ضد العالم الإسلامي وقضاياه». بعض آخر بلغ حد إحصاء الضحايا الذين سقطوا نتيجة حروب واشنطن. في محاولة للإيحاء بأن «الثأر» جاء مخفّفاً، أو أن بيان الحساب لم يسوَّ بعد. أحدهم أوغل أكثر في التبرير والتأريخ. عاد إلى مصير «الهنود الحمر» وإبادتهم الموصوفة، وإلى مصادفة 11 ايلول مع ذكرى اليوم نفسه لتورّط الاستخبارات الأميركية في انقلاب تشيلي واغتيال الرئيس سلفادور أليندي سنة 1973! صيغٌ كثيرة ومتنوّعة لكلام واحد مضمونه: قبول الجريمة. هكذا فرز العالم إنسانياً ذاك النهار. من دون تطابق مع الفرز السياسي حيال الجريمة وأطرافها. فرأيتَ خصوماً لواشنطن متضامنين معها إنسانياً. كما رأيتَ حلفاء لها معبّرين في عمق وجدانهم عن وقوفهم إلى جانب المجرمين. فرزٌ لم يقف عند خط الحسابات السياسية. بل على تماس المبادئ الإنسانية. قلّة قليلة في عالمنا المتخلّف أدركت يومها عمق تلك اللحظة الإنسانية، بعيداً عن السياسة. واحد من تلك القلّة، كان رفيق الحريري. في لحظات حاسمة أسكت محاولات تبرير الجريمة في مسألة زياد الجراح. أقفل الموضوع نهائياً. وقف إلى جانب الضحية بالمطلق، مندّداً بالمجرمين بالمطلق أيضاً.
سياق مماثل نراه اليوم في بيروت. حين يأتي مجرم إرهابي ويفجّر مدنيين أبرياء. حين يقتلهم بشكل قصدي وعمدي، لإيصال رسالة سياسية مكتوبة بدمائهم البريئة، إلى سواهم. حين يجعل من قتلهم لا غاية بربرية وحسب، بل مجرّد وسيلة وحشية لإرهاب الآخرين. أو حين يُغتال سياسي بتفجير. أو يسقط صاحب رأي برصاصة في الرأس، حين يحصل ذلك، وتسمع في المقابل كلاماً من نوع أن سبب الانفجار الانتحاري في الضاحية هو سياسة حزب الله في سوريا، أو أن سقوط مدنيين أبرياء في حارة حريك «مفهوم» على ضوء وجود مسلّحين يتقاتلون في ريف دمشق. حين تسمع خطاباً سياسياً مفاده أن حزب الله مسؤول عن مذبحة أهله على يد الانتحاريين، أو أنه هو من جاء بها وبهم إلى بيته وبيئته. أو في المقابل حين تسمع ملامة خفية لمواقف جبران تويني في خلفية اغتياله، أو أداء مي شدياق في مسؤولية استهدافها الوحشي... حين تسمع كل هذا الكمّ من كلام إدانة الضحية وتبرير المجرم، حين ترى ماكينة إعلامية سياسية كاملة تُعبّأ بأقلامها وألسنتها وصخبها وصحبها، للتركيز على من مسؤولية من قُتل، لا على جريمة من قَتَل، تدرك كم أننا مجتمع متخلّف. تصوّروا لو أن سياسياً أطلق كلاماً كهذا بعد 11 أيلول في مجتمع إنساني. لكان كلامه انتحاراً سياسياً فورياً. لكان اختفى من السياسة والإعلام والشأن العام مذذاك!
مسألة ثانية تضيء على تخلّفنا المتصاعد، حتى استجلاب تخلّف العالم في نظرته إلينا. أغمضوا عيونكم لحظات، وتصوّروا محكمة دولية تحاكم مشتبهاً بهم في جريمة سياسية. تصوّروها في محفل غربي إنساني حضاري رفيع، تحت رقابة إعلام حضاري ومجتمع مدني مرهف. تصوّروها تطبّق أعلى معايير احترام حقوق الدفاع وقرينة البراءة. تصوّروها وهي ترفض دليل الاعتراف، وتسعى إلى إثباته بالوقائع الجامدة. تصوّروها في هذا السياق بالذات، وفجأة يلفظ أحد أركانها عبارة: «المتهمون اليهود». إفتحوا عيونكم الآن. ماذا ترون؟ ألا ترون زلزالاً عالمياً يطيح بالمحكمة وناسها ومعاييرها وقوانينها وأصولها وفروعها، تحت عنوان سقوطها في عنصرية مطلقة؟ ألا ترون إلغاء المحكمة والمحاكمة ونفي ناسها وأشخاصها لإدانتها وإدانتهم بمعاداة السامية ووقوعهم في جريمة الحض على الكراهية وتعميمهم الجرم الفردي ومخالفتهم الخطيرة لمبدأ المسؤولية الشخصية؟ في لاهاي حصل شيء من ذلك. بل حصل ذلك تماماً. مع فارق في لفظة، مع اختلاف في مفردة. لو قال القاضي الدولي: «يهود» لانتهى فوراً. لكنه قال «شيعة» فاستمر وسيستمر طويلاً. حتى أن البعض صفّق له سراً، بدل أن يطالب بسقوطه حالاً وعلناً... حتى تخرج صحيفة آذارية عندنا بعنوان: «كلنا اليوم ضاحية»، أو «كلنا شيعة»، وحتى تخرج صحيفة مقابلة بعنوان مقابل مثل: «كلنا طرابلس» أو «كلنا محمد شطح»... وحتى يصير مفهومنا للعنصرية غير خاضع لاستنسابية حقدنا على جماعة في محكمة أو جامعة أو ضاحية ... حتذاك سنظل نموت مختلفين سياسياً ومتخلّفين إنسانياً. وسنظل ننقذ القاتل ونقتل الضحية مرتين.
ثمة أمور تصير رؤيتك لها أكثر وضوحاً حين تبتعد عنها قليلاً. مثل لوحة معقّدة. تماماً كما ثمّة أمور لا تراها في حقيقتها إلا حين تغمض عينيك. مثل حقيقة صعبة. مسألتان لبنانيتان خطيرتان سُجّلتا أخيراً، يبدو أنهما تخضعان لهذا المنطق.
الأولى يرتبط فهمها باستذكار حدث 11 أيلول 2001، في سياقه وفعله وردود الفعل عليه. في ذلك النهار وقع اعتداء إرهابي صارخ ضد مدنيين أبرياء.
تبين لاحقاً أن خلفيات الجريمة سياسية كثيرة التعقيد. فصار العالم أمام امتحان تقييم ما حصل، بين الجريمة وخلفياتها. وسرعان ما أدى هذا الامتحان إلى فرز حقيقي واضح: الشعوب والمجتمعات المدنية التي تدرك المفهوم الأصيل لحقوق الإنسان، سارعت إلى إعلان إدانة مطلقة للجريمة الإرهابية، بمعزل عن السياسات الرسمية والمواقف الحكومية. من دون تحفظ، من دون تردد، ومن دون توقف عند الخلفيات أو الدوافع. إنه إرهاب. إنهم إرهابيون. إنها جريمة. إنهم مجرمون.
تماماً وفق قاعدة دوستويفسكي، أن الجريمة والعبقرية لا تلتقيان. حتى كان التعبير الأشدّ رمزية حول هذا الموقف الإنساني الأصيل، مانشيت تلك الصحيفة الفرنسية ــــ المنتقدة تاريخياً لسياسات واشنطن ــــ حين خرجت صباح 12 ايلول بعنوان تاريخي، تدليلاً على عمق التضامن الإنساني في وجه الإرهاب ومجرميه: «كلنا أميركيون»! في المقابل، وفي المجتمعات الأقلّ تمرساً في ثقافة حقوق الإنسان، انطلقت ظاهرة لا يمكن توصيفها إلا تحت عنوان: تبرير الجريمة. بعضهم راح يفسّر تاريخية سياسات واشنطن «المتحيّزة ضد العالم الإسلامي وقضاياه». بعض آخر بلغ حد إحصاء الضحايا الذين سقطوا نتيجة حروب واشنطن. في محاولة للإيحاء بأن «الثأر» جاء مخفّفاً، أو أن بيان الحساب لم يسوَّ بعد. أحدهم أوغل أكثر في التبرير والتأريخ. عاد إلى مصير «الهنود الحمر» وإبادتهم الموصوفة، وإلى مصادفة 11 ايلول مع ذكرى اليوم نفسه لتورّط الاستخبارات الأميركية في انقلاب تشيلي واغتيال الرئيس سلفادور أليندي سنة 1973! صيغٌ كثيرة ومتنوّعة لكلام واحد مضمونه: قبول الجريمة. هكذا فرز العالم إنسانياً ذاك النهار. من دون تطابق مع الفرز السياسي حيال الجريمة وأطرافها. فرأيتَ خصوماً لواشنطن متضامنين معها إنسانياً. كما رأيتَ حلفاء لها معبّرين في عمق وجدانهم عن وقوفهم إلى جانب المجرمين. فرزٌ لم يقف عند خط الحسابات السياسية. بل على تماس المبادئ الإنسانية. قلّة قليلة في عالمنا المتخلّف أدركت يومها عمق تلك اللحظة الإنسانية، بعيداً عن السياسة. واحد من تلك القلّة، كان رفيق الحريري. في لحظات حاسمة أسكت محاولات تبرير الجريمة في مسألة زياد الجراح. أقفل الموضوع نهائياً. وقف إلى جانب الضحية بالمطلق، مندّداً بالمجرمين بالمطلق أيضاً.
سياق مماثل نراه اليوم في بيروت. حين يأتي مجرم إرهابي ويفجّر مدنيين أبرياء. حين يقتلهم بشكل قصدي وعمدي، لإيصال رسالة سياسية مكتوبة بدمائهم البريئة، إلى سواهم. حين يجعل من قتلهم لا غاية بربرية وحسب، بل مجرّد وسيلة وحشية لإرهاب الآخرين. أو حين يُغتال سياسي بتفجير. أو يسقط صاحب رأي برصاصة في الرأس، حين يحصل ذلك، وتسمع في المقابل كلاماً من نوع أن سبب الانفجار الانتحاري في الضاحية هو سياسة حزب الله في سوريا، أو أن سقوط مدنيين أبرياء في حارة حريك «مفهوم» على ضوء وجود مسلّحين يتقاتلون في ريف دمشق. حين تسمع خطاباً سياسياً مفاده أن حزب الله مسؤول عن مذبحة أهله على يد الانتحاريين، أو أنه هو من جاء بها وبهم إلى بيته وبيئته. أو في المقابل حين تسمع ملامة خفية لمواقف جبران تويني في خلفية اغتياله، أو أداء مي شدياق في مسؤولية استهدافها الوحشي... حين تسمع كل هذا الكمّ من كلام إدانة الضحية وتبرير المجرم، حين ترى ماكينة إعلامية سياسية كاملة تُعبّأ بأقلامها وألسنتها وصخبها وصحبها، للتركيز على من مسؤولية من قُتل، لا على جريمة من قَتَل، تدرك كم أننا مجتمع متخلّف. تصوّروا لو أن سياسياً أطلق كلاماً كهذا بعد 11 أيلول في مجتمع إنساني. لكان كلامه انتحاراً سياسياً فورياً. لكان اختفى من السياسة والإعلام والشأن العام مذذاك!
مسألة ثانية تضيء على تخلّفنا المتصاعد، حتى استجلاب تخلّف العالم في نظرته إلينا. أغمضوا عيونكم لحظات، وتصوّروا محكمة دولية تحاكم مشتبهاً بهم في جريمة سياسية. تصوّروها في محفل غربي إنساني حضاري رفيع، تحت رقابة إعلام حضاري ومجتمع مدني مرهف. تصوّروها تطبّق أعلى معايير احترام حقوق الدفاع وقرينة البراءة. تصوّروها وهي ترفض دليل الاعتراف، وتسعى إلى إثباته بالوقائع الجامدة. تصوّروها في هذا السياق بالذات، وفجأة يلفظ أحد أركانها عبارة: «المتهمون اليهود». إفتحوا عيونكم الآن. ماذا ترون؟ ألا ترون زلزالاً عالمياً يطيح بالمحكمة وناسها ومعاييرها وقوانينها وأصولها وفروعها، تحت عنوان سقوطها في عنصرية مطلقة؟ ألا ترون إلغاء المحكمة والمحاكمة ونفي ناسها وأشخاصها لإدانتها وإدانتهم بمعاداة السامية ووقوعهم في جريمة الحض على الكراهية وتعميمهم الجرم الفردي ومخالفتهم الخطيرة لمبدأ المسؤولية الشخصية؟ في لاهاي حصل شيء من ذلك. بل حصل ذلك تماماً. مع فارق في لفظة، مع اختلاف في مفردة. لو قال القاضي الدولي: «يهود» لانتهى فوراً. لكنه قال «شيعة» فاستمر وسيستمر طويلاً. حتى أن البعض صفّق له سراً، بدل أن يطالب بسقوطه حالاً وعلناً... حتى تخرج صحيفة آذارية عندنا بعنوان: «كلنا اليوم ضاحية»، أو «كلنا شيعة»، وحتى تخرج صحيفة مقابلة بعنوان مقابل مثل: «كلنا طرابلس» أو «كلنا محمد شطح»... وحتى يصير مفهومنا للعنصرية غير خاضع لاستنسابية حقدنا على جماعة في محكمة أو جامعة أو ضاحية ... حتذاك سنظل نموت مختلفين سياسياً ومتخلّفين إنسانياً. وسنظل ننقذ القاتل ونقتل الضحية مرتين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018