ارشيف من :أخبار لبنانية

من يجرؤ على تشغيل أجهزة التشويش؟


من يجرؤ على تشغيل أجهزة التشويش؟

جعفر العطار - صحيفة "السفير"

أكدت مصادر رسمية لـ"السفير"، أمس، أن الأجهزة التقنية المثبتة في محيط سجن رومية، التي كلفت وزارة الاتصالات 650 ألف دولار، أصبحت جاهزة لمنع اتصالات السجناء الإسلاميين في المبنى "ب" والتشويش عليها وحجب الانترنت عنهم، لكن الفضيحة تتمثل في أن أحداً من المعنيين في الحكومة لا يجرؤ، حتى الساعة، على الإيعاز ببدء تشغيلها.

وتشير تقارير أمنية رسمية موثقة حصلت "السفير" على جزء منها، إلى أن غالبية السجناء الإسلاميين بايعوا من داخل السجن أمير "جبهة النصرة" أبو محمد الجولاني، ويقومون بالإشراف على عمليات إرهابية وتجنيد مقاتلين في سوريا ولبنان من زنزاناتهم، وذلك عبر استخدام منتديات "جهادية" سرّية خاصة بهم على شبكة الانترنت.

وفيما سجل جهاز أمني لبناني مكالمة هاتفية بين السجين الأصولي أبو تراب اليمني وقيادي في "النصرة" خارج السجن، استخدم خلالها كلمات مشفّرة تم ربطها لاحقاً بتنسيق سبق إحدى تفجيرات الضاحية الانتحارية، إلا أن الخطورة الأكبر تكمن في أن تواصل سجناء "النصرة" عبر الانترنت غير قابل للتنصت.

تظهر برقيات أمنية موثقة أن نحو 27 سجيناً من أصل 170 أصولياً في رومية، يتولون مهمات أساسية بالتنسيق مع قياديي "النصرة" خارج السجن، تركز على تجنيد مقاتلين وإرسالهم إلى مجموعات إرهابية متخصصة بتجهيز الانتحاريين، وذلك عبر المنتديات الالكترونية الخاصة، التي يتقن هؤلاء السجناء استخدامها باحترافية عالية.

وسط ذلك، لم يعد مفهوماً التهرب، لدى الوزراء المعنيين في الدولة، من الإيعاز بتشغيل أجهزة التشويش، التي من شأنها عزل سجناء "النصرة - فرع لبنان" عن التواصل مع المجموعات الإرهابية في الخارج للتخطيط والإشراف على عمليات انتحارية في لبنان، بالإضافة إلى إرسال صواريخ إلى سوريا مذيلة بعبارة: "صواريخ من أسرى سجن رومية".

وبينما أكدت مصادر رسمية مطّلعة أن عدم تشغيل أجهزة التشويش مرده خوف ثلاثة وزراء في الحكومة من "جبهة النصرة"، أوضح وزير الداخلية مروان شربل لـ"السفير" أن النيابة العامة التمييزية سمحت للسجناء الإسلاميين، وغيرهم، استخدام الهواتف الخلوية، مشيراً إلى أن الموضوع "من مسؤولية وزارة العدل، وأنا لست خائفاً من أحد ولن أبرر ذلك".

في المقابل، نفى وزير العدل شكيب قرطباوي لـ"السفير" أن تكون مسؤولية تشغيل أجهزة التشويش تقع على عاتق وزارة العدل، موضحاً أن "كل ما يتعلق بالسجون يُعتبر من مهمات وزارة الداخلية وصلاحياتها، أما نحن فعلاقتنا بالسجون محصورة في ما يتعلق بالمحاكمات القضائية. وبالنسبة إلى تشغيل أجهزة التشويش، فإننا نعتبر تنفيذها ضرورياً في أسرع وقت ممكن".

مع ذلك، ثمة قناعة لدى مصادر رسمية موثوقة أن لا "حجّة مقنعة لدى الوزراء، تشرح سبب تهربهم من الإيعاز بتشغيل الأجهزة، سوى أنهم يخافون أن ينتقم أفراد النصرة منهم اثر اتخاذ خطورة مماثلة، لأنهم يعرفون جيداً أهمية الانترنت بالنسبة إليهم، وأن هذا الأمر يُعتبر من الخطوط الحمر لدى السجناء الأصوليين، وثمنه فتوى تبيح قتل من يتجرأ على اجتياز الخطوط المحظورة".

وفي حين يتذرع وزراء معنيون بأن سبب تأجيل تشغيل أجهزة التشويش، هو انتظار استكمال أمور تقنية تتعلق بعدم تأثير شبكة التشويش على خطوط هواتف خلوية لبعض الضباط في السجن وسكان منطقة رومية، إلا أن المصادر المعنية بالملف أكدت لـ"السفير" أن "التجهيزات انتهت، وتم حصر شبكة التشويش، المتطورة جداً، في بقعة معينة لا يمكن أن تؤثر على أي خطوط خلوية غير مدرجة في الخريطة التقنية".

وثمة تخوف من ردود فعل قد ينفذها سجناء "النصرة" في رومية رداً على تشغيل آلة التشويش،غير أن الأجهزة الأمنية المعنية جاهزة "لأي رد فعل". ويوضح ضباط مخضرمون أنهم جاهزون لدهم مبنى الإسلاميين "حتى لو سقط منا شهداء"، لكن "لم نعد نفهم ماذا يريد السياسيون؟ نبلغهم دوماً أن هؤلاء السجناء يملكون متفجرات، ويتجهزون للهروب، ويشرفون على عمليات إرهابية من السجن، لكن لا جواب من أحد! وإذا حدث أي إشكال خطير في السجن لاحقاً، يتم إلقاء المسؤولية علينا".

وتشير معلومات "السفير" إلى أن مجموعة من السجناء الأصوليين تمكنوا من الحصول على ملابس عسكرية أخيراً، للاستفادة منها في عملية فرار جماعية ينتظرون لحظة الصفر لتنفيذها، وذلك استناداً إلى مخبرين وفحوى مكالمات هاتفية تم التنصت عليها في الفترة الأخيرة.

وإذا كان السماح للسجناء الأصوليين باستخدام الهواتف الخلوية، قد يعود بالنفع على الأمن عبر التنصت على مكالماتهم الهاتفية، إلا أن الأجهزة الأمنية المعنية توصلت إلى قناعة أخيراً، مفادها أن السجناء يعلمون بأن هواتفهم خاضعة للتنصت ويستغلون ذلك بغية التمويه، بينما الخطورة تتجلى بـ"الحوارات والبرقيات المرسلة منهم وإليهم عبر منتديات الانترنت الخاصة بهم، والتي لا نستطيع أن نراقبها، لذلك نصر على ضرورة بدء تشغيل أجهزة التشويش. هدفنا منع الانترنت، وليس المكالمات الهاتفية"، يقول ضباط معنيون لـ"السفير".
ويستشهد ضباط مخضرمون بخطورة المنتديات "الجهادية" على الانترنت، بمعلومة مفادها أن أمير "كتائب عبدالله عزام" السعودي ماجد الماجد، لم يكن يستخدم - قبل موته أخيراً - الهاتف الخلوي، بل كان ينفذ التكليفات "الجهادية" والتنسيق مع المجموعات الإرهابية عبر منتديات سرّية خاصة، يصعب مراقبتها من جانب الأجهزة الأمنية اللبنانية.

لكن الاستخبارات الأميركية تملك القدرة التي تخوّلها الولوج إلى هذه المنتديات. مع ذلك، ثمة صعوبة بالغة في معرفة وتحديد الهوية الحقيقية لمستخدم الحساب الالكتروني في المنتدى "الجهادي"، وإذا تم معرفة هويته، هناك صعوبة في تحليل الشيفرة التي يستخدمها رواد هذه المنتديات المغلقة والمحصورة بحلقة ضيقة من أفراد التنظيمات الإرهابية.

بذلك، أصبح ضرورياً في الوقت الراهن أن يدرك الوزراء المعنيون خطورة وجود هواتف خلوية في سجن رومية، تخوّل السجناء استخدام خدمة "الجيل الثالث" (3g) للتواصل مع المجموعات الإرهابية خارج السجن، علماً أن الأجهزة الأمنية المعنية تزداد تخوفاً يوماً تلو يوم من "الأعمال التي يقوم بها هؤلاء السجناء، والتي لا نستطيع معرفتها، وكل ما نطلبه أن يتم عزلهم الكترونياً، وإلا فإننا سنسمع قريباً بوقوع عملية انتحارية خطط لها سجناء أصوليين في رومية!".

وكشفت مصادر واسعة الاطلاع لـ"السفير" أن المعنيين في الأمن، وبعدما تيقنوا بأن السجناء الأصوليين في رومية يتجهزون لعملية فرار وأنهم يملكون متفجرات وألبسة عسكرية، اقترحوا على الوزراء المعنيين في الحكومة اقتراحاً يقضي بنقلهم من المبنى "ب" إلى المبنى "د"، إذ يضمن ذلك أنهم سينتقلون من دون أن يكون بحوزتهم أي ممنوعات. وعلى الرغم من أن الاقتراح يجنّب الجيش و"الفهود" تنفيذ عملية دهم قد تؤدي إلى سقوط الدماء، لكن الوزراء رفضوا الاقتراح بسبب "خوفهم من السجناء"، وفق المصادر الموثوقة.
2014-01-29