ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يجرؤ أحد على تحمّل وزر تأليف حكومة تفجّر البلد؟
شادي جواد - صحيفة "البناء"
تصطدم كل المساعي الآيلة لإزالة ما برز من ألغام في وجه ولادة الحكومة السياسية الجامعة بحائط مسدود، بفعل تصلب المواقف حيال مسألتي المداورة والحقائب، بالإضافة إلى أسباب جوهرية أخرى ذات الصلة بالاستحقاق الرئاسي، وبمجريات التطورات في المشهد الإقليمي، وعلى وجه الخصوص الأزمة السورية التي تشرّح على طاولة التفاوض في جنيف، وسط تقلبات في الموقفين الإقليمي والدولي.
وتشي المناخات التي تحيط بمسار المفاوضات الجارية أن هناك قطبة مخفية في مكان ما، تحمل الرئيس المكلف على التشدد في مواقفه لجهة المداورة والتلويح الدائم بالذهاب إلى خيار حكومة الأمر الواقع، على الرغم من معرفته المسبقة بأن مثل هكذا حكومة تفجّر البلد، وتزيد من حدّة الشرخ السياسي في وقت أحوج ما يكون فيه لبنان إلى التخفيف من حدة الاحتقان لمجابهة الحريق المشتعل في المنطقة والحؤول دون وصوله إلى الداخل اللبناني.
ويبدو من بعض الوقائع والمعطيات، بأن هناك من يدفع نجل الرئيس صائب سلام مبتدع صيغة التفهُّم والتفاهم عند ولوج أي استحقاق، إلى القفز فوق ثوابت والده، ولعل أبرز هؤلاء الرئيس فؤاد السنيورة الذي ينطلق في تعامله مع استحقاق التأليف من غايات في نفس يعقوب، بمعنى أن السنيورة يزج بالرئيس المكلف في آتون أخذ مواقف عالية السقف ليصل إلى مكان لا يستطيع معه التراجع أو الاستمرار، ومن ثمّ إمّا يعلن اعتذاره أو يُزاح عن مشهد التأليف لاعتبارات داخلية وإقليمية تفرض نفسها عليه.
والمستغرب في عملية مشاورات تذليل العقبات من أمام ولادة الحكومة، أن فريق الرابع عشر من آذار يقارب هذه المسألة وكأنه هو المنتصر، وأن الهزيمة الكبرى لحقت بخصومه في الداخل اللبناني، وأن المتغيرات في المشهد الإقليمي انقلبت لصالحه، حيث أن هذا السلوك المعتمد من قبل هذا الفريق على أساس معطيات وهمية بعيدة من الواقع، لا يحول فقط دون إيجاد مساحة للتقارب بين الأفرقاء، بل يؤدي إلى ذهاب البعض إلى التصلب والحدة في المواقف بعد أن كان يبدي كل مرونة واستعداد لخوض غمار التأليف في أجواء توافقية تماشيًا مع متطلبات المرحلة الخطيرة التي تخيم على لبنان سياسياً وأمنياً واقتصادياً أيضاً. من هنا فإن مصادر سياسية مطلعة تؤكد أن الأبواب لم توصد بالكامل أمام سُعاة الخير، وأن حزب الله دخل بقوة على خط المساعي من دون أن يكون في وارد ممارسة أي ضغط أو فرض أي رأي على أحد، لا بل أكثر من ذلك، فإن موقف الحزب يقوم على أنه ليس في وارد الدخول في أية حكومة لا تضم حليفه «التيار الوطني الحر»، من منطلق استراتيجي لا علاقة له بحصة وزارية من هنا أو هناك، باعتبار أن المخاض العسير الذي تمر به المنطقة أكبر بكثير مما هو مدار تجاذب في لبنان.
وتؤكّد هذه المصادر أن الحزب سيظلّ يسعى حتى النفس الأخير في سبيل الوصول إلى تسوية تؤدي إلى إنجاز عملية التأليف، وهو ما يدحض ذهاب البعض إلى اتهام هذا الحزب بالسعي وراء الفراغ وللحؤول دون إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها.
وتستغرب المصادر الكلام عن حكومة أمر واقع، وهي تسأل: هل هناك من أحد في لبنان يجرؤ على تأليف حكومة تدمّر البلد، ويكون لها محاذير وتداعيات في منتهى السوء على من يقدم على هكذا خطوة؟ وهل يجرؤ من في يدهم الأمر على مخالفة السفير الأميركي الذي قصد السعودية بعد أن كان ذهب إلى فرنسا والتقى هناك الرئيس سعد الحريري، مؤكداً التوجه الدولي نحو الحفاظ على استقرار لبنان؟ وهل يجرؤ هؤلاء على مخالفة الإرادة الدولية في العمل على حكومة في لبنان متجانسة لا تستثني أحداً، ولا تستفز أحداً بمن فيهم حزب الله؟ وهل باستطاعة الذين يلوّحون بحكومة الأمر الواقع تجاوز موقف بكركي الذي يخشى من حكومة تطيّر الاستحقاق الرئاسي وتجعل الموارنة يفتشون عن موقع لهم؟
وتؤكد المصادر أن هذه الأسباب مجتمعة، وغيرها من الأسباب الكثيرة، تجعل من تأليف حكومة غير سياسية وغير جامعة أمراً مستحيلاً إلا إذا كانت هناك رغبة من البعض بتفجير البلد والخروج عن الإرادة الداعية إلى قاعدة «عليّ وعلى أعدائي يا رب».
وفي رأي المصادر أن الرئيس السنيورة هو من بين أكثر الأشخاص سعياً لمثل هكذا حكومة مع أنه يعلم علم اليقين أنه يستحيل الوصول إلى هذا الهدف مع التوازنات الموجودة الآن على المستويين المحلي والإقليمي، وينطلق السنيورة في هذا التوجه الخبيث من منطلق العمل على أن يذهب الطاقم السياسي الذي حل محله منذ سنوات وهو المعروف عنه العمل تحت شعار «أنا أو لا أحد».
وتسأل المصادر الداعين إلى المداورة في الحقائب مع من هذه المداورة؟ ففريق الرابع عشر من آذار غير موجود في الحكومة، فهل يعطى هذا الفريق حقائب في الحكومة الجديدة بينما تكون المداورة فقط على حساب فريق 8 آذار؟ ثم لا بد من سؤال فريق الرابع عشر من آذار ما إذا كان يتنازل عن حقيبة الداخلية مقابل أي حقيبة أخرى؟ فما يحلله لنفسه لا يجوز أن يحرّمه على الآخرين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018