ارشيف من :أخبار لبنانية
كيف نجح «مطبخ المؤسسة العسكرية» في اختبار 7 حزيران؟
صحيفة "السفير" - جعفر العطار
لم يكن أداء الجيش اللبناني، يوم السابع من حزيران، وليد ساعته. فالتحضيرات بدأت عمليا، منذ اللحظة الأولى التي تسلم فيها العماد جان قهوجي قيادة الجيش اللبناني، في مطلع صيف 2008.
وفي كل محطة من محطات القانون الانتخابي، كان السؤال يتكرر على قيادة الجيش وقيادة قوى الأمن الداخلي حول مدى قدرتهما، على تلبية موجبات قرار إجراء الانتخابات النيابية في يوم واحد...
وعندما حسمت السلطتان التشريعية والتنفيذية أمرهما، كان القرار العسكري والأمني واضحاً، أنه في ظل وجود توافق سياسي عام محلي وإقليمي ودولي على إجراء الانتخابات في لبنان، وفي أجواء هادئة، فإن الجيش وقوى الأمن جاهزان لتحدي الدورة الانتخابية في يوم واحد.
ومن أجل الوصول إلى الهدف المرجو، وهو نجاح الاستحقاق النيابي، أعدت قيادة الجيش خطة قسمت مستويات عدة متوازية، أبرزها المستويان التنظيمي والأمني. وكل مستوى منها تم تغليفه بالسؤال الآتي: «هل ينجح أو لا ينجح»؟ وتم لهذه الغاية تشكيل غرفة عمليات مشتركة سبقها عدد من الاجتماعات التنسيقية بين قيادتي الجيش وقوى الأمن.
على المستوى التنظيمي، تم استحداث وحدات جديدة في الجيش اللبناني بغية «التخفيف» عن كاهل القوى العملانية، بحيث أن الألوية بقيت مهماتها الأساسية منوطة بها، والوحدات المستحدثة أخذت على عاتقها المهمات الثانوية، مما يسهل تحرير القوى العملانية للقيام بواجباتها أخذا بعين الاعتبار سرعة التحرك والمناورة، بغية تلبية متطلبات كل مهمة.
وفي هذا السياق، تسجل نقطة بيضاء لأهل القرار السياسي في البلد، اذ أنه رغم كل الانقسامات السياسية واحتدامها في ذلك اليوم (7 حزيران) وقبله، عمدت القوى السياسية المتناحرة الى تأييد ودعم الخطوات التي كانت تظهر من «مطبخ المؤسسة العسكرية»، في حين لم يشكل أحد منهم حجر عثرة، مما أدى الى شق الطريق «السهلي» أمام الجيش وقوى الأمن الداخلي.
أما على المستوى الأمني، فقد تم تحديد نقاط أساسية ورئيسية تجلت بالمتابعة الحثيثة للشبكات التجسسية ـ الاسرائيلية بالإضافة الى ملاحقة المطلوبين للعدالة، والذين يشكلون خطراً داهماً على الأمن الاجتماعي للبلد من جهة، وظاهرة تدل ـ في حال لم تتم ملاحقتهم ـ على ضعف سلطة الدولة على أراضيها من جهة ثانية.
تلتقي المستويات المحددة بدقة في أوراق الخطة العسكرية الأمنية على بند أساسي تمثل في الاستفادة من كافة عناصر الجيش ومن أكثر من 12 ألفا من عناصر قوى الأمن، بحيث تم استخدام القوى غير المقاتلة في الجيش في حراسة المراكز الانتخابية، كي تبقى القوى العسكرية العملانية قادرة على التحرك التكتيكي لضبط أي مشكلة أمنية، وفي أي مكان من لبنان.
وهكذا كان، اذ ولدت الخطة قدرات كبيرة للجيش، انطلاقاً من تنقلات وحداته العسكرية بوتيرة وفعالية سريعة، وصبت في خانة الحؤول دون تطور المشاكل الأمنية والعمل من أجل تطويقها سريعا.
بيد أنه قبل الوصول الى ساعة الصفر، تم تدريب كافة العناصر بشكل عام، ونفذت تجارب عدة (مناورات عملانية) في مختلف المسارح العسكرية، وتم تأهيل العناصر غير الموكلين بالأمور العملانية، أو الجدد، وفقاً لبرامج وتدريبات خاصة، بهدف رسم المهمات المزمع تنفيذها تباعاً.
بدأت ذروة «المعارك» الانتخابية قبل أسبوعين من يوم السابع من حزيران، وبالتحديد، في الأسبوع الأخير الذي سبق يوم الأحد الانتخابي.
وقد نسجت تلك الساعات والأيام بخيوط متتالية ومتفاوتة، في حين اندلعت المشاكل الأمنية في شتى المناطق اللبنانية، بدءاً من عكار والجنوب والبقاع، تزامناً مع تدخل الجيش بالسرعة المطلوبة، دون أي اعتبارات سياسية.
ومع بزوغ فجر يوم الأحد في 7 حزيران 2009، أقفل كل من قائد الجيش العماد جان قهوجي ومدير المخابرات العميد ادمون فاضل هاتفهما الخليوي خشية تلقي أي مكالمالت هاتفية من سياسيين قد يطلبون تسهيلات هنا أو هناك، وظل «الخط الرباعي» لكل منهما مفتوحا، لمواكبة التنفيذ الحرفي للخطة بالتنسيق مع المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي.
نفذت الخطة العسكرية والأمنية في النهار على أكمل وجه... وبعيد الساعة الخامسة عصراً، راحت الاشكالات والخلافات تطل برأسها رويدا. أولها كان في منطقة البقاع (محاولة إقفال الطريق على الناخبين الآتين من الأراضي السورية عبر بوابة المصنع)، بيد أن الجيش طوق الحادثة، كما فعل في بيروت، حيث سجل في الاشكال الذي اندلع اطلاق نار أدى الى وقوع جريح، وسرعان ما تمت ملاحقة الفاعلين وتوقيفهم.
ولم تقتصر الإشكالات الفردية على البقاع وبيروت في ذلك اليوم، بل امتدت الى شمال لبنان، الأمر الذي قوبل ببنود الخطة نفسها التي وضعها الجيش للسيطرة على أي حادثة.
أسدل ليل الأحد ستائره، وأشرق نهار الاثنين، الذي كان بمثابة حفلة جنون طالت الأراضي اللبنانية كافة، عقب «تزريكات» متعددة لمناصري الأحزاب والتيارات المتخاصمة، أفضت الى نشوب مشاكل فردية، ما لبثت أن تطورت وعمل الجيش وقوى الأمن على حلها.
استمرت الإشكالات والهزات الارتدادية في اليوم الثالث، ما بعد 7 حزيران، ولكنها انحصرت في الشمال وصيدا، وعمد الجيش حينها الى القيام بجملة مداهمات كبيرة وأرسل تعزيزات كبيرة وصادر كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
وتشير إحصاءات الجيش إلى أنه قد وقع أكثر من مئتين وخمسين إشكالا على الأراضي اللبنانية خلال يوم الانتخابات وبعده، وقد تم توقيف حوالى 500 شخص. وقد صادر الجيش كميات من الأسلحة والذخائر.
ولوحظ انه لم يصدر أي بيان رسمي من الجيش، تجنباً لوضع نفسه في صورة «من يمدح النجاحات التي حققها».
وتصف قيادة الجيش العلاقة مع قوى الأمن الداخلي خلال التجربة الانتخابية ﺒـ«الممتازة»، والتي توجت بالتنسيق والتكامل، نظراً للتقارب الموجود بين ضباط المؤسستين.
وقد عرف الجيش طاقة عناصر قوى الأمن الداخلي، وعليه، فانه لم يحملها أكثر ما تتحمل، بل ذهب به الأمر في بعض الأحيان الى تجاوز بعض البروتوكولات وتقديم الدعم الفوري، بحيث بات الجيش ـ للتخفيف عن عناصر قوى الأمن ـ ينظم دخول المقترعين الى المراكز، و«بعدها... تتم تسوية الأمور الإدارية»؟
يصر الجيش على الاشادة بتجاوب كافة القيادات السياسية مع القرارات التي كان يتخذها من جهة، وعدم محاولة السياسيين وضع العصي في الدواليب من جهةٍ ثانية. وهو الأسـلوب الــذي يدل على ثقة كل الأفرقاء «في هذه المؤسسة.
نجاح جديد للمؤسستين العسكرية والأمنية، في موازاة حربهما المفتوحة على أوكار الإرهاب والتجسس، وهي حرب يبدو أننا سنشهد فصولا جديدة منها في الأيام المقبلة.
عندما زار قائد قوات الطوارئ الدولية الجنرال كلاوديو غراتسيانو قيادة الجيش في اليرزة لتهنئتها قال مخاطباً قائد الجيش وقادة غرفة العمليات «الخطة انجاز ضخم». القناصل والسفراء الذين زاروا قيادتي الجيش وقوى الأمن ووزيري الدفاع والداخلية قالوا إن الانجاز العسكري والأمني والاداري واللوجستي يمكن أن تقتدي به حتى كبرى الديموقراطيات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018