ارشيف من :أخبار لبنانية

روسيا وإيران شريكتان في التحولات

روسيا وإيران شريكتان في التحولات
سميح صعب - صحيفة الصباح العراقية


ليس بخافٍ لدى معظم المحللين ان انعقاد مؤتمر جنيف2 كان بمثابة اختبار ناجح لارادة التعاون الاميركي – الروسي في اعتماد الديبلوماسية خياراً لحل الازمات الدولية. وقبل جنيف2 كان جنيف النووي الذي دخل حيز التنفيذ في 20 كانون الثاني الجاري بما يعنيه من بدء صفحة جديدة في العلاقات الاميركية – الايرانية لا تبعث على الارتياح لا في اسرائيل ولا في السعودية.   

ولم يكن من قبيل الصدفة ان ينعقد جنيف2 بعد يومين من دخول جنيف النووي حيز التنفيذ. وليس من قبيل الصدفة ان يواصل وزير الخارجية الاميركي جون كيري بذل الجهود للتوصل الى اتفاق اطار حول قضايا الوضع النهائي بين الفلسطينيين واسرائيل قبل نهاية آذار المقبل، فكل هذه الاتفاقات وان كانت تتخذ في بعض مضامينها طابع الاتفاقات المؤقتة، إلا أنها دليل على دخول الشرق الاوسط في منطق الترتيبات الجيوسياسية الكبرى مع ما يستتبع ذلك من تبدل في التحالفات وبروز خرائط سياسية جديدة.  

ونظراً الى ضخامة التحولات الجارية التي تتلخص بالصراع المتجدد على سوريا والنظر بحذر الى موقع ايران الجديد في ظل الانفتاح على الولايات المتحدة، يستبد القلق بإسرائيل التي تخوض قبل كل شيء جدلاً داخلياً وجودياً، هل عليها ان تفك ارتباطها بالفلسطينيين ام هل في امكانها ان تكون دولة ثنائية القومية تحمل في مكوناتها بذور زوالها بعد حين بفعل العامل الديموغرافي؟. ويرى مسؤولون اسرائيليون ان الوضع المثالي للدولة العبرية هي في الابقاء على الوضع الحالي أطول فترة ممكنة من خلال التفاوض الابدي من دون نتائج.

وتقف دول الخليج العربي بكل قوة لدفع رياح التغيير عنها من خلال تحصين نفسها بالمال والامن والاعلام وحصر الاضطرابات في النطاق السوري والعراقي والمصري والليبي واليمني، والاستعداد لما يمكن ان ينجم عن الفصل الجديد في العلاقات الاميركية – الايرانية من تشكل للعلاقات الاقليمية وانعكاساتها على الحلول لأزماتها وفي مقدمتها الازمة السورية.   

وعلى الرغم من ان ايران لم تدع الى جنيف2، إلا ان الكلام الاميركي عن دورها في حل الازمة السورية لا يزال يحمل في متنه دعوة الى المساهمة في الحل الذي تدرك واشنطن ان بإمكان طهران ان يكون لها فيه دور اساسي في ايجاد التسويات والمخارج. لذلك كان استبعاد ايران من جنيف2 لفتة اميركية لتهدئة القلق الخليجي المتصاعد حيال الدور الايراني في المنطقة. لكن ذلك لا يلغي بأي حال من الاحوال الدور الايراني في المنطقة ولا سيما سوريا.

وعندما رفضت ايران الاعلان صراحة بقبولها بنص جنيف الاول ولا سيما الفقرة المتعلقة بالانتقال السياسي في البلاد، فإنها تجنبت الوقوع في الكمين السياسي الذي اعدته لها الولايات المتحدة بحيث تصير طهران ملزمة بأجندة مختلفة عن رؤيتها للأزمة السورية ومسبباتها.         

وتبين ان اكثر ما يهم واشنطن في جنيف2 هو عملية الانتقال السياسي، اكثر من مسألة مكافحة الارهاب التي رفعتها الحكومة السورية كأولوية لها في المؤتمر بدعم من روسيا. حتى ان كيري ألقى على الاسد بالمسؤولية عن جعل سوريا "دولة جاذبة" للمتطرفين من انحاء العالم.

ولم يكتف بذلك فحسب، بل اتهم النظام بدعم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش).  والحل السحري الذي تقترحه واشنطن منذ ثلاثة اعوام للأزمة السورية يتمثل في رحيل الاسد.      

وهنا تختلف اميركا وايران في تشخيص الازمة السورية ولذلك هناك تعارض في المواقف. وتحاول اميركا الآن استخدام كل ما تملك من اوراق من اجل الضغط على طهران كي تغير موقفها من هذه الازمة وخصوصاً الموقف من رحيل الاسد. وليست ايران وحدها التي تتعرض للضغوط الاميركية بل ان روسيا هي الاخرى تتعرض للضغوط على ابواب افتتاح الدورة الشتوية للالعاب الاولمبية في سوتشي بعد ايام، ولا يمكن الفصل ايضا بين فتح الجبهة الاوكرانية مجدداً وبين جنيف2 والعمل الاميركي الحثيث من اجل دفع روسيا الى القبول بفكرة التخلي عن الاسد والتنازل عن الموقف الروسي الثابت من الازمة السورية القائم على مبدأ ان السوريين انفسهم هم من يجب ان يقرر مصير الاسد وليس الدول الخارجية.  

واضافة الى ذلك تشكل هذه الضغوط الاميركية خروجاً على التفاهمات بين كيري ولافروف التي اطلقت في 7 أيار الماضي وعلى اساسها جرى توجيه الدعوة الى جنيف 2. وعندما رأت اميركا ان الظروف الميدانية قد تغيرت على الارض وانها بدأت تصب في مصلحة النظام، لجأت واشنطن الى استغلال جنيف 2 من اجل الحصول على مكاسب سياسية لم تحصل عليها في الميدان.   

لكن ذلك لا يعني ان النقاط التي سجلتها واشنطن في جنيف2 يمكن ان تنعكس على موقفي روسيا وايران، ففي عصر التسويات والتحولات الكبرى في الشرق الاوسط لم تعد اميركا هي الوحيدة التي تتحكم بمسار هذه التحولات، فروسيا شريك اساسي مثلما هي ايران شريك اساسي. والخروج عن هذا السياق سيؤدي بأميركا الى خوض حروب مباشرة مرة اخرى، الامر الذي يبدو أن الرئيس باراك اوباما لا يريده وفق ما قال لمجلة "نيويوركر" في وقت سابق من كانون الثاني الجاري، لذلك فان البديل هو اعتراف اميركا بالشراكة مع روسيا وايران.   
2014-01-29