ارشيف من :أخبار لبنانية
الإستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري
جوني منير - صحيفة "الجمهورية"
صحيح أنّ الأنظار مشدودة الى جنيف حيث المفاوضات السورية - السورية مستمرّة تحت إشراف الأمم المتحدة والعواصم الكبرى، إلّا أنّ الحدث الفعلي موجود في مكان آخر، وتحديداً في طهران، حيث المفاوضات ناشطة في الكواليس بسريّة مُطلقة بين المفاوضين الأميركيين والإيرانيين.
لكنّ الصمت المطبَق المفروض على هذه المفاوضات لم يمنع الحديث عن وجود مرحلة زمنية تحكم مدة المرحلة الثانية من التواصل المثير بين واشنطن وطهران، وقد تستمرّ ستة أشهر في مرحلة تُعرَف بأنها مرحلة اختبار، أو كما تسمّى باللغة الإنكليزية "joint plan of action".
ويبدو، وفق المعلومات القليلة المُسرَّبَة، أنّ هذه المرحلة لن تشهد إزالة العقوبات المفروضة على إيران، بل ستكون هناك خطوات محددة أو رمزية في هذا الإطار، وأنّ إيران تتفَهّم سلوك البيت الأبيض ليكون وَضع الرئيس الأميركي باراك أوباما أفضل في نزاعه الدائِر مع معارضي سياسته في الكونغرس.
في هذا الوقت، فتَحت واشنطن لباريس بعض النوافذ في الشرق الأوسط. فسُجِّلت، مثلاً، زيارة لرئيس قسم الشرق الأدنى في الخارجية الفرنسية جان فرنسوا جيرو لطهران بقيت بعيدة من الإعلام، وتردَّد في باريس أنها كانت زيارة مفصلية، حيث عقَد جيرو لقاءات طويلة مع المسؤولين الفاعلين الإيرانيّين الكبار الذين يُصنّفهم الغرب بالشخصيات البراغماتية.
لم تُعرف نتائج هذه الزيارة، ولَو أنّ قريبين من الدوائر الفرنسية قالوا إن المناخ الذي يُخيِّم على طهران هو مناخ تحضير التسويات، خصوصاً في ظلّ اندفاع الشركات العالمية للحصول على عقود مستقبلية.
ذلك أنّ إيران، التي انقطعت عن التفاعُل الاقتصادي والتجاري مع العالم لأكثر من ثلاثة عقود، تبدو متعطّشة لكلّ أنواع التواصل التجاري والاستثماري. لكنّ الشعور السائد هو أنّ القرار الإيراني، وتحديداً قرار المرشد الأعلى للثورة السيّد علي خامنئي، ما زال مُتريّثاً حول الجهة التي ستُفتَح الأسواق الإيرانية في وجهها. فالسوق الإيرانية الهائلة ستكون وحدها كفيلة بتحريك العجلة الاقتصادية لدوَل عدة.
إذاً، ستة أشهر هي المدة التي حدّدها الإيرانيون والأميركيون لإنجاز مرحلتهم الثانية التي سيَليها مراحل أخرى بكلّ تأكيد. لكنّ الجميع متّفق على أهمية المفاوضات الدائرة الآن.
وتفيد التسريبات القليلة أنّ كلّاً من واشنطن وطهران متوافقتان، ولَو من دون اتفاق، على عدم الخوض في التفاصيل وإبقاء المفاوضات في إطار العناوين الكبرى. ولأنّ لبنان يعتبر من التفاصيل، فهذا سيعني أنه سيبقى في انتظار إنجاز التفاهمات الكبرى. حتى أنّ مصير الرئيس السوري بشار الأسد يعتبر من التفاصيل.
لذلك، ربما بَدا "حزب الله" حذِراً جداً في سلوكه السياسي خلال الفترة الأخيرة، وهو المعروف عنه امتلاكه قدرة حاذقة على قراءة الأحداث بطريقة موضوعية. ومن أجل ذلك أيضاً، رضيَ الجميع بخَفض سَقف مطالبهم السياسية، والتزموا الدخول في حكومة سياسية جامعة.
صحيح أنّ الصورة تُظهر استمرار التشنّج السعودي - الإيراني، إلّا أنّ العارفين يتحدثون عن تحضيرات لاستعادة التواصل بين البلدين عندما يحين الوقت السياسي لذلك، ولو أنّ الإشارة إلى وجود حكومة سياسية جامعة في لبنان تبقى إشارة بليغة جداً.
ومن أجل ذلك أيضاً، لم يفتح بعد ملفّ الاستحقاق الرئاسي جديّاً وفي العمق. لكنّ العاملين على هذا الخط باتوا يتحدثون عن عناوين عريضة تتعلّق بهذا الاستحقاق، يجري العمل على احترامها، وهي:
1 - حصول هذه الانتخابات في موعدها الدستوري، وعدم الانزلاق الى أي نوع من أنواع الفراغ أو التمديد. وتُعطي هذه الأوساط احتمال 80 في المئة لإنجاز هذا الاستحقاق في موعده و20 في المئة لاحتمال الفراغ، ولا تعطي أيّ احتمال للتمديد.
2 - صورة الرئيس المقبل يجب أن تتوافَق مع المسار العام الجديد في المنطقة، ما يسمح للبنان بمواكبة المرحلة التي يستعدّ الشرق الأوسط لدخولها.
3 - باتَ من شِبه المؤكّد أنّ الرئيس المقبل سيكون من الفئة التي تعتبر وسطية، والقادرة على التواصل مع جميع الأطراف والرّبط في ما بينها. وهذا لا علاقة له بـ"اختصاص" الرئيس، لجهة ما إذا كان دوره سيكون عسكرياً أكثر ممّا هو سياسي أو اقتصادي.
4 - سيكون لكلّ من الرياض وطهران دور في إنضاج الطبخة الرئاسية، مع عدم استبعاد المواكبة الروسية لها، كما الفرنسية. وفي هذا الإطار يمكن إدراج زيارة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بيروت بعد أيام.
وتجدر الإشارة الى أنّ الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها السفير الأميركي في لبنان ديفيد هيل الى السعودية، إنما حَملت مهمّة الاستحقاق الرئاسي اللبناني وليس الملف الحكومي، الذي يمكن قراءة الموقف السعودي المتعاوِن فيه من خلال الخطوات التراجعية للرئيس سعد الحريري. ويبدو أنّ هيل يعمل بقوّة للحؤول دون الذهاب الى الفراغ، وتأمين الظروف الإقليمية المطلوبة لحصول الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018