ارشيف من :أخبار لبنانية
مصر والثورة.. حرب التحدّيات لا صراع الحاضر مع الماضي فقط!
ليلى زيدان عبد الخالق - صحيفة "البناء"
الاستفتاء لن يكون كافيًا، وهكذا انتخابات الرئاسة والبرلمان، لأنّ مصر الثورة أمام تحدّيات كبرى.
إن مثلّث الحروب الداخلية والخارجية وموقعة سيناء ، ومثلّث الفقر والفساد والتركات الاقتصادية الثقيلة، ومثلّث الدولة العقيمة، والضباع المتربّصة بالثورة، والطيور الجارحة في الثورة المضادة، هي المظاهر البادية للعيان في حرب التحدّيات.
لذلك، ثمّة مشاكل جوهرية تُطرح على كلّ مصريّ ثوريّ. ووعي هذا التحدّي الكبير أو الشعور الثوريّ بالمسؤولية، هما شيء واحد يتعلق به احتضار الثورة أو بعثها من جديد، فالمشكلة تُطرح على مستوى المستقبل، وهي ليست ما يهمّ الرئيس وحده، ولا البرلمان، فما من أحد في «ثورة 30 يوليو» لا يدخل في حلّها.
خلال اليوم الأول للاستفتاء على دستور مصر الجديد، كانت المدن في «أمّ الدنيا» تشبه ذلك اليوم التموزيّ الذي خرجت فيه الجموع الشعبية للإدلاء بصوتها الحاسم: «لا لحكم الإخوان».
أمّا في مدينة القاهرة ذاتها، فقد كان المشهد أمام صناديق الاقتراع أشبه بمحطة قطارات العاصمة المركزية، إذ كانت هذه المحطة مسرحًا لأحد أجمل أفلام المخرج يوسف شاهين الذي روى فيه قصة «الحب المستحيل» الذي كنّه «قناوي الأعرج» بائع الجرائد البسيط والفقير للجميلة «هندومة»، وحيث يعمّ أيضًا في داخلها ازدحام هنا وهناك من ركاب يسيرون على شكل طابور، ليصلوا إلى السكة التي ينوون الصعود منها إلى القطار الذي سيقلّهم إلى محطة أخيرة، بعد أن يكون القطار قد مرّ على محطات سبقتها، وتوقف لوقت قصير ثمّ يتابع رحلته إلى نهاية الخط.
أغنياء وفقراء، نساء ورجال، شابات وشبان، شرطيون يشرفون على عملية السير، وشرطيون يتوزّعون عند مفارق الطرقات، وجنود وضباط، وآليات عسكرية، وأخيراً طوابير تمتدّ على طول أرصفةٍ تزداد ازدحامًا... ولكن هذه المرة تجمّعت الحشود من أجل رحلة لركاب يريدون الانتقال طبقًا لخارطة طريق تبدأ من محطتها الأولى الاستفتاء ثم تمضي إلى محطتها الثانية ـ بركاب أقل أو أكثر- الانتخابات وبعدها إلى محطتين هما انتخاب رئيس للجمهورية، وانتخاب أعضاء مجلس الشعب.
إحدى عشرة حالة وفاة في اليوم الأول للاستفتاء على الدستور، لن تحول دون تدفق الناس نحو صناديق الاقتراع، وبالتالي دون ظهور الأجواء الاحتفالية التي تشكل مظهره: زغاريد وهتافات مفعمة بالفرح، كما لو أن مصر بكاملها تشترك في عرس وطني، زاد من وهجه الثياب التي ارتدتها النساء وهي عبارة عن ألوان علم مصر.
ما إن تقترب من الناس وتبدأ حديثك معهم، حتى تشعر بشيء أعمق بكثير ممّا يطفو على السطح: شيء يشقّ طريقًا خاصة به، شيء يريد الإفصاح عن نفسه بما هو أبعد من دلالاته المباشرة، شيء يظهر جليًا وقويًا في وجه مكنونات الأفعال الإخوانية العمياء شيء يتمحور حول قاسم مشترك بين الفلاحين والعمال والطلاب والطبقات البورجوازية منها والوسطى، وبالضبط حول كل ما يثير النفور في الصراعات الإيديولوجية، وطلب المشاركة في التحوّل التاريخي والمواد الدستورية التي تتعلّق بها تطلّعاتهم.
وفي الواقع، فإن هذا «الشيء» قد اكتسب فجأةً «سلطة جديدة» من الثورتين: 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وهو يكشف عن مؤشرات تدلّ على بوادر تبدّل نوعيّ في علاقة الشعب مع السلطة، ومن المتوقع إثارتها لثورة متواصلة في جملة شروط الحياة السياسية:
- أوّلًا، وقبل أي شيء آخر، الدور النسائي الذي أفصح عن نفسه في يومَيْ الاستفتاء، يتزايد انخراطًا في الحياة السياسية تزايدًا مضطّردًا.
- ثانيًا، كان ثمة مفارقة أفصحت عن نفسها بعكسية أخرى: عكسية تقلّص حجم انخراط الشبيبة في العملية الاستفتائية، والذي من المتوقع أن يبقى على حاله في انتخابات رئاسة الجمهورية، وذلك انطلاقًا من أن القوى الحيّة التي هبّت في الثورتين، بل والتي قادت التمرّد على نظام الإخوان، وجدت نفسها مضطرّة إلى أن تضع سلوك النظام الجديد موضع الاتهام، كما وضعت الإعلام الذي يشكل أداته التعبوية، إذ لم يكن في وسع أي شيء أن يخفي امتعاضها، ما يثير النفور في الحملة الرسمية والإعلامية إزاء الاستفتاء: لقد اختصر المجتمع المصري بمعيارين: معيار الخيانة إزاء من يميل إلى الإخوان، ومعيار الإدانة والريبة إزاء من لم يذهب إلى صناديق الاقتراع من دون أن يُؤخذ في الاعتبار ما إذا كانت هناك أسباب وجيهة لعدم الاشتراك بالاستفتاء.
صحيح أنّ الأكثرية المطلقة من المصريين باتت تعيش الخوف والهلع من ذلك الوحش الرابض إلى جوارها، وحش الإخوان والإرهاب... ولكن شباب مصر يقول: «لا يمكن إدارة عملية ديمقراطية استنادًا إلى الخوف وحده، بالخوف المنزوع منه أيّ بعد سياسيّ، والمليء فقط بالهستيريا، ولا يمكن في الوقت عينه أن يتحوّل التعبير عن رفض الدستور إلى الخيانة، أو تواطؤ مع الوحش المخيف».
باختصار، فإن القوى الحية، بدت رافضة منطق «الإقصاء» ومنطق البعد الواحد ومنطق العودة إلى العسكرة.
الـ«نعم» ودلالاتها
تُبيّن الأرقام، أن الاستفتاء الحالي يحتلّ المرتبة الأولى لجهة عدد المشاركين وذلك قياسًا على الاستفتاء الذي جرى حول التعديلات الدستورية في آذار 2011، وهو بعد ذلك على مستوى من قالوا «نعم»، فإن الرقم يتخطّى سابقيه من دون منازع، بل ويصل إلى ضعف من قالوا «نعم» في الاستفتاء على دستور الإخوان.
ولكن ثمة دلالات أخرى ـ هي الآن موضع مراجعة مثيرة - تنمّ عن ظواهر ملفتة:
- إحجام أعداد كبيرة من المجتمع المصري، لا سيما فئة الشباب فيه والتي تشكل ما لا يقلّ عن 60 من إجماليّ عدد السكان.
- نسبة التصويت الحالي جاءت أقلّ منها في الاستفتاء السابق 2012 بما يقارب 2.5 في المئة.
- إن الذين قاطعوا الاستفتاء انطلاقًا من معارضتهم موادًا معينة في الدستور، اختاروا المقاطعة بدلًا من اختيار «نعم»، الأمر الذي أفضى إلى طغيان هذه الأخيرة.
- صعوبة الفصل في الاستفتاء بين أن يكون للدستور فقط، وبين أن يكون أيضًا استفتاءً على شخص الفريق عبد الفتاح السيسي. ولكن إذا ما صحّت الفرضية الثانية، فإن الاستفتاء يكون قد انطوى على «نعم» لخارطة الطريق ومدنية الدولة والاستقرار.
- تزامن الاستفتاء مع امتحانات الطلاب، وهو أمر لا يمكن غفرانه، خصوصًا إذا ما تأكد أنه عن سبق تصوّر وتصميم. وفي كل الأحوال، فإن غياب شريحة بهذا الوزن، هو الذي أفضى إلى تراجع نسبة التصويت عن حجمها الذي توقعه الجميع، أي أن تكون النسبة ليست أقل من مشاركة تترواح بين 50 و60 .
- يدخل في سياق انخفاض نسبة المشاركة ـ كما كان متوقعًا - عزوف غالبية موزونة من المواطنين، لا سيما الكادحين منهم عن الاستفتاء لأسباب تعود إلى حالة الإحباط الذي تسبّبت به تعقيدات السياسة وتخبّطها وفقدان الاستقرار المصاحب لها.
- طغيان الإحساس الشعبي بأن الاستفتاء سيكون محسومًا لفئة الـ«نعم»، أفضى وغياب التنافس إلى حالة انكفاء مطمئن للنتيجة سلفًا.
- نفور عدد لا بأس به من وجود شخصيات محسوبة على نظام مبارك، حيث شاركت بحملة لصالح الاستفتاء على الدستور.
- الإجراءات الأمنية التي سبقت الاستفتاء بأشهر عديدة اعتقالات تعسفية، محاكمات عسكرية، قانون التظاهر ، جعلت عددًا من المصريين والشباب منهم بصورة خاصة يتخذ موقفًا سلبيًا، الأمر الذي ينذر بوجود فجوة عميقة بين «العهد الجديد» وجماهير الثورة.
- قوى اجتماعية شاركت في إسقاط نظام مبارك، واكتفت بهذا الحدّ من المشاركة لتعود بعد ذلك إلى الانكفاء عن المشهد السياسي.
ولكن مع هذا كله، فمن المؤكد أنّ مصر قد تخطت الاستحقاق الأول من خارطة الطريق: أي خارطة المستقبل. وهي الآن تتجهّز وتتحضّر لإتمام الاستحقاق الثاني، أي انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا ما سوف يساعد في إغلاق الطريق أمام الذين يريدون أن يعيثوا بمصير مصر.
إلى أين؟
لئن كانت «جمعة التفويض» 26 تموز الماضي قد عكست إجماعًا شعبيًا كاسحًا 30 مليون متظاهر حول دور الفريق عبد الفتاح السيسي بصفته القائد المنقذ، فإن ما هو أكثر اتساعًا من هذا الإجماع ما تعكسه المساحة الوجدانية التي باتت تبسط سيطرتها على كامل الخارطة الاجتماعية.
في سوسيولوجيا المسرح الشعبي، ترتفع الستارة يوميًا، إن لم يكن على مدار الساعة عن أشكال من الظواهر لم تشهد مصر مثيلاً لها:
صورة نصفية للسيسي داخل «كادر» لا تشارك فيه سوى كلمات: نموت نموت وتحيا مصر... الجيش والشعب يد واحدة.
وثمة صورة أخرى للسيسي أيضًا وهو يضع نظارته السوداء تماهيًا مع صورة لجمال عبد الناصر، طغت على ما عداها من صور له. وأما الصورة الثالثة اللافتة حقًا، هي تلك التي تظهر المسيح الطفل بصفته المخلّص الآتي من الرب. وفي صورة مطرزة في أكثر من شارع وميدان نجد فيها السيسي يعلو صورتَي عبد الناصر والسادات، ما يعكس ميلًا لدى الشعب المصري لاستعادة شخصية القائد ـ الرمز.
وأبعد من صمت الصور ـ وهو حتمًا ليس أخرسًا- ما تردّده حناجر الناس من أغانٍ، لا سيما في أشدّها تعبيرًا عن الامتنان «تسلم الأيادي». بل إن هذه الأغنية بالذات حلّت محلّ الأنغام كلها في الهواتف الخلوية المحمولة.
وما يزيد هذه الترسيمات توغلًا وتجليًا، هو أن الثياب النسائية توشك أن تتحول إلى مرايا، تعكس صورة السيسي بأشكال متنوعة، مثلها في ذلك، مثل الوجبات الشعبية الأشهى: كباب السيسي، كوشري السيسي، شوكولا السيسي... وهكذا.
وفي مفارقة بالغة الدلالة، يبدو أنّ أحياء مصر في غالبيتها هي الأحياء التي يسكن فيها الأموات: أحمد عرابي وسعد زغلول وجمال عبد الناصر وأنور السادات، فهم موجودون في قلوب هؤلاء الأكثرية وعقولهم، لا سيما في أقواهم: عبد الناصر، حيث تخاله مثل أتاتورك، ما زال يحكم مصر من قبره!!!
ولكن، هناك خطآن يجب أن يتجنّب المرء هنا الوقوع فيهما:
- خطأ الاعتقاد بأن السيسي، هذا الفريق الآتي من المخابرات الحربية ينتمي انتماءً عقائديًا للناصرية، وإنما هو إزاء عدم وجود شخصية نواتية تستطيع ان تستقطب الأكثرية العظمى حولها، وإزاء عدم تحليل طبيعة الانتصار الذي تحقق في حرب أكتوبر في عهد السادات، فإنه يريد أن يعطي لنفسه الدور الذي اكتشفه في عبد الناصر والسادات.
- والخطأ الثاني الذي يجب ألا يُقترف، هو الاعتقاد بأن السيسي لا يتمتع ذاتيًا بنوع من الكاريزما المستقلة، التي شقت طريقًا خاصًا به، ومواقفه من ثورة 30 يونيو هي التي تقطع في هذا الأمر. وعندما نمعن النظر في النتائج السياسية للتحول الثوري الكبير، فإننا لا نستطيع أن نصوغ سوى مواصفات لشخصيته مؤثرة تأثيرًا مباشرًا على الجماهير.
وهكذا، يبدو أنّ ثمة شخصية جديدة، أخذت ملامحها ترتسم: فهي الآن تسبق كل الشخصيات المُحتملة في مجال التنافس على الرئاسة، بل وتُدعى إليها بدلًا من أن تقاطع.
وهنا أيضًا يجدر بنا أن نخفّف من تفاؤلنا حيال مجموعة من الأوهام:
- الوهم الذي يقول إن فوزه سيضع حدًّا للصراعات والاضطرابات التي تعيشها مصر. إن ذلك لن يتحقق من دون تبدّل جذري في علاقة الجيش مع الدولة والنظام الجديد الذي سيعكسها.
- الوهم الذي يقابله عكسيًا، حيث الاعتقاد بأن انتخابات الرئاسة ستُلغي التداعيات الناشئة عن ترشحه هو بالذات: ازدواجية السلطة بين الرئيس الجديد ووزارة الدفاع، تصدّع البنية الثورية جرّاء انقسامها بين المرشح المدني والآخر العسكري، بل وقد يترتب على ذلك ـ كما حدث في انتخابات 2012- وقوف قوى ثورية مدنية وراء أي مرشح مستقل عن المؤسسة العسكرية كأحمد شفيق وعبد المنعم أبو الفتوح وغيرهم...
- الوهم الثالث المرتبط ارتباطًا عضويًا بالوهمين السابقين، وهو الظن بأنه لن توجد أمام أي رئيس تحديات ثقيلة الوطأة: كيفية التعامل مع الثورة المضادة... إشكالية الاقتصاد والاعتقالات التعسفية... الدولة ومرتكزات أركانها ومصالحها وارتباطاتها الإقليمية... الحرب على الإرهاب... قضية مياه النيل وحصة مصر منه، خصوصًا بعد الفشل الذي مُنيت به المحادثات الثلاثية في الخرطوم وتمسك إثيوبيا بموقفها إزاء «سدّ النهضة».
وماذا بعد؟
مع كل الترحيب الذي حظي به قرار الحكومة حول الإخوان المسلمين بصفتهم «جماعة إرهابية»، فإن هذا القرار قد أثار تساؤلات ومخاوف، غالبًا ما تفصح عنها هستيريا الناشطين ورجال القانون والصحافة: ثمة خوف من أن يُفضي هذا القرار إلى حرب بين قوتين: حرب العسكر، وحرب العصابات، إذ إن هذه الأخيرة تبنّت نهجًا أكثر عنفًا وتطرّفًا وإرهابًا.
وهذه الخشية من الحرب ـ وهي الآن تغلي من الحمى- تقابلها عكسيًا فكرة «التظلّم» أي أن يتجه الإخوان- وهم الذين اتبعوا نهج الإدانة للعمليات الإرهابية بصيغة الثورية - إلى الضرب على وتيرة الظلم الذي لحق بهم جرّاء الاضطهاد العشوائي، وهذا بحدّ ذاته قد يكسبهم تعاطفًا شعبيًا، شهدت مصر نوعًا منه في عهدي السادات ومبارك.
وفي السياق عينه، فإن القوى الثورية الحية لا تخفي هواجسها ـ وإن بكيفية أخرىـ ان يتحول إلى إنتاج مراكز قوى أمنية تحول النظام الجديد عن مساره الديمقراطي. وبالمثل، فإن رجال القانون يشاركون هذه القوى في هواجسها، استنادًا إلى أنّ المادة 86 في قانون العقوبات، قد أعطت السلطة التنفيذية حقًا هو في الأصل من حق السلطة القضائية: فمن هو البريء ومن هو المتهم؟
والشاهد أن مثل تلك النقاشات والسجالات، آخذة في ممارسة مفاعيلها، خصوصًا أنّ الهواجس قد أوجدت بيئة صالحة لإثارة الشك في طبيعة النظام الجديد. وهي من فرط بسط سيطرتها على المناخ السياسي العام، فإن الناس قد يصبحون أكثر ميلًا للمصالحة، وبالتالي سيصبح الوضع مؤاتيًا لحسابات الإخوان المزدوجة:
- التركيز على أن الأجهزة الأمنية هي التي تقوم بالتفجيرات لتشويه سمعة الإخوان!!!
- التركيز على أهمية التمويه الذي يتيح للإخوان الغطاء اللازم لحجب علاقاتهم مع القاعدة والتنظيمات التكفيرية، والتي هي أساسًا من تدبيرهم، هذا إن لم تكن قد وُلدت من رحم تنظيمهم العالمي...
هذه هي التحدّيات
أولًا وقبل أيّ شيء آخر، الإفصاح الجليّ عن موقف مصر الجديدة من اتفاقيات الذلّ مع العدوّ الصهيونيّ، وربما يكون ذلك مطلب الأكثرية من شعب مصر التوّاق إلى عودة بلاده رأس حربة حقيقية في الصراع مع الصهاينة، والتوّاق إلى إزالة سفارة «إسرائيل» من مصر، وإلغاء أيّ تعاونٍ معها. وقيمة هذا التحدّي تكمن أيضًا في المدى العربي للتعاطي مع مصر، التي فقدت خلال العقود السابقة، قاعدةً شعبية عربية لا يستهان بها.
التحدي الثاني هو استحقاق بناء الدولة التي قامت من أجلها ثورتا 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013: دولة قانون ودولة راعية ودولة سيادة ودولة ديمقراطية مدنية ودولة عدالة... هذه الدولة لن تكون مستعصية أو مستحيلة بعد أن أرسى الدستور مرتكزاتها الأساسية...
وإلّا؟؟؟
إلا اذا كانت الأحلام كبيرة ثم تسقطها الحقائق، لا سيما حقيقة السلطة وممارساتها هناك ألفا مواطن سيُحالون الى المحاكمات، فضلًا عن 21 ألف مواطن قيد الاعتقال ... وهذه تركة ثقيلة ستضع مصير النظام الجديد على المحك.
بعد هذا التحدّي، هناك «الحرب على الإرهاب»، التي، وإن لم تُدرْ بصورة جديدة وممنهجة وموضوعية، فهي مرشحة لأن تستنزف قوة الدولة وهيبتها، وهي على أيّ حال ستكون على ثلاثة مستويات: الداخل أي المتفجرات والاغتيالات والفوضى الوحشية، ثم الخارج أي الطيور الجارحة التي جرى ربطها بسيناريوهات متعدّدة الجنسيات، ثم سيناء بصفتها موقعة لحرب عصابات متعدّدة الهويات التكفيرية.
ثم هنالك تحدٍّ آخر ناشئ عن تركة النظام القديم الذي عمل على مدى ثلاثين عامًا على نزع الروح المدنية التي تتحلى بها مؤسسات المجتمع المدني: لقد جرى اختراق هذه المؤسسات وإخضاعها وتدجينها، وأكثر فأكثر جرى تجفيفها من الدماء، كي تكون في حالة تصلّب شرايين قاتل.
أما التحدّي الرابع ـ والذي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع التحديات تلك، هو في مواجهة الأسباب التي جعلت الفقر يعلن طغيانه على حياة 60 من المجتمع المصري: استنادًا إلى تقرير التنمية البشرية لمصر، فإن النسبة العامة للفقر وصلت الى 21.6 وأن هناك 40 من ذوي الدخل المتدني، في حين أنّ الشريحة العليا من هذه الفئة بلغت 4.4 ، ويعاني الشباب في الأسر الفقيرة من الحرمان الناجم عن التدني الشديد والمستمر في القدرات، وذلك نتيجة انعدام الرعاية الصحية وفرص الحصول على التعليم.
وفي التقرير إياه، فإن هناك سبعة أبعاد للفقر الذي تعاني منه شريحة اجتماعية كبيرة تتراوح أعمارها بين 8 و 30 سنة وهي: الصحة والتعليم والمأوى والتغذية والمياه والصرف الصحي والمعلومات. وفي الدورية الفرنسية التي تصدر سنويًا عن حالة الدول، نجد ان معلومات البطالة بين من هم في سن العمل أي 15 سنة وما فوق، وصلت إلى 19 ، هذا إضافة إلى معدلات البطالة الضخمة التي يعاني منها سكان العشوائيات.
باختصار، فإن النظام الجديد ـ خصوصًا إذا ما أضفنا إلى الفقر تداعيات ما حدث منذ 2011 إلى الآن، يقف وجهًا لوجه أمام أكبر وأخطر تحدّ، ألا وهو العدالة الاجتماعية.
أمّا التحدي الخامس، والذي يتخذ طابع الشمول، إنما الخسائر المالية المتأتية من جرائم الفساد، جرائم غسل الأموال، الرشوة، نهب الموارد، الصفقات، اقتناص الكفاءات العلمية لمصلحة شركات أجنبية، تجارة السلاح، سوء استغلال الموارد الطبيعية للدولة كالمناجم والموارد المائية... وتطول القائمة، فيتعذر علينا تعداد كل ما فيها من مشكلات من الوزن الثقيل. وبالتالي، فهي إن لم يجرِ والشروع في معالجة ما تقدم، فإن ما حدث في مصر لن يعدو كونه إعادة إنتاج نظام «ثوري» لراحة ضمير الشعارات، فيما هو نظام يتنفس برئة مسلولة، بانتظار موته المحتّم، الذي وإن تميّز بشيء، فلن يتميز سوى بأنه سيكون قبرًا جميلًا عاجزًا عن إخفاء شاهده البادي للعيان، وسيكون في النهاية... قبرًا من القبور.
ليست ثورة تلك التي تكتفي بتحقيق انتصار سلبي، في مقابل عجزٍ عن بناء مستقبل...
إذًا، لا يكفي أن نصارع الماضي، إنما لا بدّ من مصارعة كل ما يحول دون بناء المستقبل: «إننا لو تركنا الحاضر يصارع الماضي، سيضيع المستقبل».. هذا ما قاله «ونستون تشرشل» بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية في إطار إعادة بناء بريطانيا العظمى.
وعلى مصر الثورة، أن تعيد بناء عظمتها من خلال رؤية واقعها وتحليل هذا الواقع بخطط تنموية، لا بالأحلام ولا بالخيال. ذلك أن الثورة هي فكرة بناءٍ أوّلًا وأخيرًا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018