ارشيف من :أخبار لبنانية

«المداورة» و«جنيف - 2».. وعودة الإشتباك

«المداورة» و«جنيف - 2».. وعودة الإشتباك

غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"

لم يسجّل حتى اليوم تقدّم ملموس في شأن مساعي تأليف الحكومة. النقاط العالقة المعلنة باتت معروفة، فهل ما يطالب به «التيار الوطني الحر» تعجيزيّ ومن شأنه الإطاحة بالاتفاق السياسي؟ أم أنّ البعض يتّخذ من هذه المطالب ذريعة لكي ينسف الاتّفاق ويعيد الأمور إلى المربّع الأوّل؟

المُطلعون على مساعي استيلاد الحكومة يجزمون بأنّ مجمل العُقد حُلّت، باستثناء عقدة التمثيل المسيحي. "التيار الوطني الحر"، وهو الطرف المسيحي الوازن والفاعل يطالب بحقائب محدّدة، ويرفض مبدأ "المداورة" لاعتباره إيّاه يستهدف وضع اليد على وزارتي الطاقة والاتصالات، والإطاحة بالجهود التي بذلها وزراء التيار في وزاراتهم. هذا بالإضافة إلى مسألة بالغة الأهمّية تتجاوز الحكومة والوزراء والتأليف، وهي عدم تسجيل سابقة سياسية ودستورية في إقرار مبدأ "المداورة" التي قد تنسحب لاحقاً على مسائل جوهرية وأكثر أهمّية، فماذا لو رأى البعض في سياق الحديث عن تطوير النظام السياسي أن يتمّ "تجريب" المبدأ نفسه في الرئاسات أو في الإدارات والقيادات الأمنية والعسكرية؟

ترى الأوساط عينها أنّ رفض "التيار الوطني الحر" مسألة المداورة ينطلق من الحرص على الميثاق والشراكة ووجود المسيحيين في الدولة وحضورهم وفاعليتهم. وأنّ إصرار الرئيس المكلف تمّام سلام على هذا الامر يعكس إمّا رغبة بنسف الاتفاق أو رغبة بالافتئات ووضع اليد على حقوق المسيحيّين المتآكلة أصلاً بعد "اتفاق الطائف".

هل هذا يعني أنّ الأجواء الإيجابية التي طغت في الأسبوعين الأخيرين قد خبَت وعُدنا الى المراوحة في التأليف؟

في الجواب على هذا السؤال، لا بدّ من البحث عن المعطى الخارجي الذي كان يمثل العقبة الحقيقية في الدفع نحو ولادة حكومية موفقة. هل إنّ فشل مؤتمر "جنيف ـ 2" وعودة الاشتباك السياسي والعسكري في سوريا وحولها قد ينعكس فشلاً في لبنان؟

الذين يرفضون مطالب "التيار الوطني الحر" يدركون أنّ حزب الله لا يمكن أن يسير في حكومة لا يتمثّل فيها حليفه المسيحي القوي تمثيلاً عادلاً. وإذا لم يشارك حزب الله فإنّ حركة "أمل" بدورها لن تشارك، ما يعني أنّ رفض مطالب النائب ميشال عون الحكومية تهدف إلى "إحراج" قوى 8 آذار و"التيار الوطني" وإخراجهما من الحكومة. وبالتالي لا يمكن فهم هذا التعنُّت إلّا في سياق عودة العامل الخارجي السلبي وانعكاسه على لبنان سياسياً وأمنياً وحكوميّاً.

هنا تلفت الأوساط عينها إلى احتمال أنّ البعض يخطط للإطاحة بالاستحقاق الرئاسي على خلفية الفشل في الاتفاق على صيغة حكومية. وكلّ ذلك يرتبط بنحو وثيق بمجريات الحدث السوري والنزاع الدائر على مستوى المنطقة والأثر الذي سيتركه فشل العملية السياسية المنعقدة في جنيف حول سوريا.

الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان التعطيل داخليّاً، وإذا كانت العرقلة داخليّة بدورها، أم أنّ هنالك من يختبئ وراء الرئيس المكلف لكي لا يتحمّل مسؤولية الفشل، في حين أنّ "كلمة السرّ" الخارجية لإحباط الاتفاق السياسي قد وصلته من داخل قاعات "جنيف ـ 2" والسقف السياسي المرتفع في هذا المؤتمر؟

تأليف الحكومة ينبغي أن يكون أولوية لبنانية، نظراً إلى حجم المخاطر التي يتعرّض لها لبنان. والوقوف عند مسائل شكلية من النوع الذي يشاع أنّه يعوق هذا التأليف، إنّما يعكس عجزاً عن ممارسة اللبنانيين مسؤولياتهم في منطقة تتشظّى وتوضع على مشرحة البحث الدولي.

وإلى جانب الأولوية الحكومية المؤكّدة والضرورية ثمّة أيضاً أولويات تتصدّر المشهد، وعلى رأسها الأمن في البلاد وتدفّق الإرهابيين الى لبنان وقدرتهم على التفجير وحرف المسارات عن سياقها الكامل. وكلّ هذا يُعيد إلى خلاصة واستنتاج حول ضرورة تجاوز الشكليات وتأليف حكومة قوية بوزراء أقوياء ثابتين في مواقعهم، ولا يبنون استراتيجياتهم على مبدأ "المداورة" وعدم الثبات والاستقرار في الحكم والحكومة.
2014-02-03