ارشيف من :ترجمات ودراسات

روسيا والمواجهة مع الغرب

روسيا والمواجهة مع الغرب

مقابلة أجريت مع كاموس من قبل "صوت روسيا" في 5 كانون الأول / ديسمبر 2013
عن موقع geopolintel.fr الالكتروني
2 كانون الثاني / يناير 2004


أياً تكن التخريجات الديبلوماسية والتوازنات القائمة والتسويات الماضية واللاحقة بين الروس والبلدان التي كانت تسيطر على البحار (أي بين شعوب المناطق النائية وشعوب المناطق البحرية)، فإن شيئاً لا يمكنه في المدى القريب أن يغير المعطيات البنيوية التي تحكم التناقض القائم حتى في هذه اللحظة -على أراضي ما ينظر إليه في أميركا الشمالية على أنه القارة العجوز- بين اتحاد روسيا والاتحاد الأوروبي (1). هذه الخصومة هي أبعد من السبب الأولي كما نجده في الاعتقاد المسبق عند المعنيين بهذه المنافسة المحمومة التي تدور رحاها فوق أراضي الاتحاد الروسي والتحالف الأوروبي الأطلسي. هي أبعد من مجرد السيطرة على منابع النفط في حوض بحر قزوين، أو وضع اليد على ممرات نقل الطاقة التي تعبر أوكرانيا وجورجيا. فالاتحاد الروسي والتحالف الأوروبي الأطلسي هما كتلتان تقوم بينهما مواجهة تعتمد استراتيجيات غير مباشرة كالثورات الملونة والمؤامرات التخريبية وغيرها من المقالب القذرة الممتدة على طول خط الفصل الجيوستراتيجي الذي ينطلق من البحر المتوسط وينتهي في بحر قزوين بعد المرور بالبحر الأسود.

وفق هذه الترسيمة علينا أن نفهم وأن نفسر الصراع حول الغاز بين كييف وموسكو في الفترة الممتدة من 2006 إلى 2008. أزمات متلاحقة تأخذ موقعها بين التداعيات الميكانيكية والسياسية التي رافقت خلال تلك الفترة انفراط التحالف بين كييف وموسكو. فذلك الطلاق لم يكن في النهاية غير تعبير، بين تعبيرات أخرى، عن السياسة الأميركية الهادفة إلى احتواء روسيا وإلى جعل فضاء النفوذ والهيمنة الأميركيين أكثر اتساعاً (2)، في ظروف عالم أحادي القطب بصورة مؤقتة. سياسة الاحتواء تلك تعززت اعتباراً من العام 2004، أي في اللحظة التي بدأت فيها روسيا بالنهوض من السنوات المظلمة التي خضع خلالها الاقتصاد الروسي للنهب من قبل قلة من الأشخاص في أعقاب انهيار الامبراطورية السوفياتية. ففي العام 2004، ظهر اتجاه معاكس كان يمكن تلمس معالمه الأولى قبل عشر سنوات عندما أطلقت عملية إصلاح تحديد القدرات العسكرية للاتحاد الروسي.

نتائج الطلاق بين روسيا وأوكرانيا


كانت مراجعة العلاقات الروسية الأوكرانية تستدعي تغييراً في الوضع التجاري الذي كانت عليه المبادلات بين البلدين. كانت موسكو ترغب في تحديد أسعار الغاز الذي تبيعه لكييف على أساس الأسعار المعتمدة في بلدان الاتحاد الأوروبي. كان ذلك يعني الرجوع إلى واقع يصعب القبول به من قبل حكومات أوكرانية مصممة على الالتحاق بالمحور الأطلسي، لكنها معتادة منذ زمن بعيد على الأسعار "السوفياتية". على ذلك، فإن الخلافات حول الغاز وبشكل ثانوي حول الحدود بين روسيا وكل من أوكرانيا وجورجيا، لم تكن في العمق غير تعبير عن خلاف بين روسيا والولايات المتحدة تمتد جذوره في التاريخ الحديث وتزداد مفاعيله قوة مع مرور الزمن.

روسيا والمواجهة مع الغرب

من هذا المنظور، يكون علينا أن ننظر إلى الحملة على جورجيا ، وتحديداً على شينكفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية في 8 آب / أغسطس 2008، وإلى الساعات الاثنتين والسبعين التي أعقبت ذلك، أو أيضاً إلى الأزمة التجارية التي نشبت بين روسيا وأوكرانيا بين 2 و20 كانون الثاني / يناير 2009. فتلك الأحداث كانت أحداثاً كبرى لكنها نسيت اليوم أو نحيت جانباً مع أنها أدخلت تغييراً كبيراً على العلاقات بين روسيا وأوروبا عبر جدلية مفاجئة أو غير منتظرة في بعض الأحيان. إذ بعد قضية أوسيتيا الجنوبية، هبت بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، بما فيها ألمانيا التي كانت تنتظر وتترقب حتى تلك اللحظة، لتطالب بكل قوتها بانضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الناتو. غير أن المسألة لم تلبث أن طواها النسيان بعد التهديد بسلاح الغاز خلال الشتاء التالي أي عندما اكتشف الأوروبيون المخاطر المحدقة بهم جراء تبعيتهم للآخرين في مجال الطاقة.
صحيح أن الاتحاد الأوروبي المعروف بكونه متشدداً في الاعتقاد بصحة مواقفه بقدر افتقاره إلى التفكير السديد لم يدرك إلا متأخراً أن هنالك ثمناً لا بد من دفعه قبل انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وأن هذا الثمن قد يكون مرتفعاً، أي، بكلام آخر، قبل استفزاز روسيا على حدودها مباشرة، أو أنه (الاتحاد الأوروبي) لم يدرك أنه قد تسرع في الرهان على تقاسم تم رسمه في واشنطن من قبل أشخاص غير موثوقين لأنهم يخدمون إدارة تتعرض مشاريعها بشكل منتظم للإدانة التي تفرضها الأحداث أو الأخلاق الجمعية. ومع هذا، فإن عبارة "الحرب الباردة الجديدة" لم تظهر في العام 2006 بلا أسباب وجيهة. وهذا ما لم تكذبه الأحداث حتى الآن أياً تكن طاولة المباحثات التي يجتمع حولها ممثلو الشرق والغرب للبحث عن حلول بخصوص الملف النووي الإيراني أو الثورة التي تتجه نحو الفشل في الجمهورية العربية السورية.

رقعة الشطرنج الكبرى


بالرغم من كل هذا، ولكي نكوّن أفضل فهم ممكن، لا يجب أن ننسى الاضطرابات التي تشل أوكرانيا في الوقت الراهن تحديداً وعلى ضوء ما أكده زبيغنيو بريجنسكي -المستشار السابق للرئيس كارتر، والمشير الحالي "من وراء الستار" على الرئيس أوباما- في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى الصادر عام 1997 (صفحة 140)، عندما كتب "... منذ العام 1994، تعطي واشنطن الأولوية للعلاقات مع أوكرانيا. تصميمها على مساندة استقلال هذا البلد ينظر إليه في موسكو، لا سيما من قبل "الدعاة إلى التحديث" على أنه اختراق يستهدف مصالح روسيا الحيوية". وبعد مرور أحد عشر عاماً، يأتي الرجل نفسه ليثبت استمرارية التفكير الجيوستراتيجي الذي يحرك الدوائر القيادية الأميركية عبر تشديده على أن من الضروري للولايات المتحدة "أن تستغل فرصة ’’اللحظة الواحدية القطب‘‘ الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفياتي" من أجل تعزيز مواقعها في البحر الأسود (واشنطن بوست 30 آذار / مارس 2008... بدون تعليق !) (3).

وعلى ذلك، فإنه من الأكيد أننا لم نعد في الزمن الذي كانت فيه كل من الكتلتين الشرقية والغربية تهدد الأخرى بسحقها نووياً. فروسيا التي يأتي اقتصادها في المرتبة الثامنة، من حيث الناتج المحلي الخام، بعد البرازيل لم تعد تهدد المعسكر الأطلسي بضربات ماحقة. صحيح أن اللجوء إلى السلاح النووي قد ذكر لمرات عديدة خلال السنوات الأخيرة، ولكن ذلك جاء رداً، على سبيل المثال، على كلام في غير محله ورد على لسان السيناتور الأميركي جون ماك كين في كانون الأول / ديسمبر 2011، حيث قال هذا الأخير إن "الربيع العربي يقترب من روسيا بشكل لا تمكن مقاومته" (قناة المنار) (4). ومؤخراً، أي في 7 حزيران / يونيو 2012، أطلق صاروخان بالستيان برؤوس متعددة (أحدهما من نوع بولافا على ما يبدو جرى إطلاقه من غواصة في البحر المتوسط، والآخر من نوع توبول جرى إطلاقه من موقع للصواريخ في منطقة بحر قزوين) وعبرا أجواء الشرق الأوسط من أرمينيا حتى إسرائيل، كان ذلك بمثابة عمل تحذيري بردت معه غلواء واشنطن، على ما يمكن استخلاصه من التطورات الأخيرة.

أوكرانيا، من أزمة إلى أزمة

ملخص القول إن أزمة العلاقات بين روسيا وأوكرانيا -والتي كانت ما تزال تحتدم، حتى الأمس القريب، حول موضوع الغاز، مع أن المسألة كانت لا تقتصر بالدرجة الأولى إلا على تحديد أسعار الغاز الذي تحصل عليه أوكرانيا من روسيا على أساس أسعار الغاز المتداولة في بلدان الاتحاد الأوروبي، وبالتالي على إنهاء المعاملة التفضيلية التي لم يعد هنالك مبرر لاستمرارها- ليست، إذا ما نظرنا إليها من خلال امتدادها الزمني، أزمة جانبية ولا هي مجرد حادث عارض. بدليل أن برلين التي كانت تتحفظ على انضمام أوكرانيا للناتو، وهو التحفظ الذي شاركتها فيه فرنسا بشكل معلن في قمة الناتو المنعقدة في 4 نيسان / أبريل 2008 في بوخارست، قد نقلت بندقيتها من كتف إلى كتف بعد قرار استقلال كل من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وطالبت بالإسراع في عملية الانضمام تلك.

إنه تغير في المواقف يدل على وجود تباينات مهمة داخل الاتحاد الأوروبي خصوصاً لجهة تحليل الأوضاع وشؤون الدفاع عن المصالح الأوروبية الجماعية، لا سيما عندما تدخل هذه المصالح الجماعية في تناقض مع المصالح المباشرة لكل دولة على حدة. وللمفارقة، فإن السيد ساركوزي الذي كان يشغل منصب الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي لم يكن هو -على ما يمكن أن ينتظر منه بحكم صداقاته مع المحافظين الجدد- من كان الأكثر تشدداً خلال أزمة آب / أغسطس 2008.

مع هذا، ليس هنالك شك في أن انتخاب ساركوزي، المؤيد للناتو بلا هوادة، في العام 2007، قد أنهى المرحلة السيادية الفرنسية التي بدأت مع ولادة الجمهورية الخامسة. وكانت نهاية هذه المرحلة مع عودة فرنسا إلى مقعدها داخل القيادة المشتركة لحلف الناتو وذلك في قمة بادن-بادن التي انعقدت في نيسان / أبريل 2009. وهنا ينبغي التذكير بأن واحدة من المهام شبه الرسمية الموكلة إلى الاتحاد الأوروبي من قبل الناتو هي عزل روسيا داخل حدودها وضرب نفوذها في القفقاس وآسيا الوسطى (5). وقد بلغت هذه السياسة مداها الأقصى بالأمس في جورجيا، لكنها تعود اليوم لتظهر بكل وضوح في أوكرانيا. والآن يطرح السؤال : ما هو المدى الذي قد تبلغه الأزمة ؟ ألم تتنبأ المصرية جوي عياد (6)، وهي منجمة شهيرة جداً وفلكية وقارئة في الأرقام وتعرف اللغة الفرنسية، بأن روسيا ستوسع حدودها في العام 2014 ؟ بالنسبة لنا، نحن متحفظون جداً على هذا التوقع. لننتظر وسنرى ما سيحدث.

هوامش

1-في الوقت الذي تدور فيه اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الشرطة في كييف، تجري مفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول "الشراكة ما بين ضفتي الأطلسي للتجارة والاستثمار". ما يعني، بكلمة موجزة، أن إقامة أو مأسسة منطقة للتبادل الحر (هي قائمة فعلاً)... تسمح لأميركا الشمالية (مجموعة آلينا)، في حال إقرارها، بإغراق السوق الأوروبية بمنتجات رديئة النوعية بأسعار متدنية من شأنها مثلاً أن تقضي على القطاع الزراعي في الاتحاد الأوروبي عن طريق الدجاج المعالج بالكلور ولحوم الأبقار المسمنة بالهرمونات والحبوب المنتجة عن طريق العضويات المعدلة جينياً وما إلى ذلك.

2-في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" المنشور عام 1997، يقول زبيغنيو بريجنسكي إن "الأولوية الجيوستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة هي في إدارة نهوض قوى عالمية جديدة بحيث لا يمكن لهذه القوى أن تشكل خطراً على التفوق الأميركي". والمقصود بتلك القوى الناهضة تلك التي يتركز وجودها في "القارة الأوراسية" بين ليشبونة وطوكيو مروراً ببرلين وموسكو وطشقند وبكين ونيودلهي. أي أن مجال التفوق الأميركي هو في هذه الفضاءات الجيوسياسية الأربعة الكبرى المتمثلة بأوروبا الغربية؛ روسيا ؛ البلقان الآسيوي (القفقاس وأوكرانيا)؛ آسيا (الصين، اليابان، الهند). وفق هذه الترسيمة، فإن أوروبا ستصبح في المدى القريب واحداً من الأركان الحيوية لبنية أمن وتعاون كبرى تمتد، تحت الوصاية الأميركية، لتشمل أوراسيا كلها. وإذا ما توسع الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيعزز بشكل آلي النفوذ المباشر للولايات المتحدة... وعليه، فإن أوروبا الغربية تظل إلى حد كبير محمية أميركية وتكون دولها شبيهة بما كانت عليه الدول التابعة للإمبراطوريات الكبرى.

3-لقد دللت الحرب بين روسيا وجورجيا في أوسيتيا الجنوبية على الأهمية الاستراتيجية المستجدة للبحر الأسود، ومن ثم للدول الواقعة على ضفافه، وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا ومولدافيا وروسيا وجورجيا. وهذه الدول تقع على الخط الفاصل بين أوروبا الشرقية والبحر المتوسط والقفقاس. وتعاني هذه المنطقة من عدة صراعات مجمدة في تراسنيستريا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأعالي كاراباخ. والواقع أن البحر الأسود قد أصبح، شأن البحر المتوسط، بحراً أميركياً وجسراً بحرياً بين بحر قزوين (بمخزونه النفطي الثمين) والبحر المتوسط الخاضع لسيطرة الأسطول السادس الأميركي. من هنا يأتي حرص واشنطن على ضم ممرات الطاقة، أي أوكرانيا وجورجيا، إلى مداها الجيوستراتيجي المتمثل بالناتو وبدرجة ثانية بالاتحاد الأوروبي الذي يضم الناتو من دوله الثماني والعشرين إحدى وعشرين دولة.

4-ويبدو أن ماك كين قد أعاد الكرة في 6 تشرين الثاني / نوفمبر في رسالة على التويتر وجهها إلى فلاديمير بوتين شخصياً وقال فيها : "عزيزي فلاد، ’’الربيع العربي‘‘ قريب من حدودكم".

5- في كانون الأول / ديسمبر 2011، تحدث قائد الأركان الروسي الجنرال نيكولاي ماكاروف عن اللجوء إلى السلاح النووي في حال حدوث صراع فوق أراضي الاتحاد السوفياتي السابق. وأوضحت صحيفة كومسومولسكي برافدا أن هذا الاحتمال وراد في حال التدخل الخارجي في أوكرانيا أو آسيا الوسطى، وذلك بالانسجام مع عقيدة استخدام السلاح النووي السائدة داخل جيوش الاتحاد الروسي. وفي تشرين الثاني / نوفمبر، فرغت روسيا من بناء قاعدتها العسكرية (102) في أرمينيا. وبعد ذلك بشهر، وبالتزامن مع التصريح المذكور أعلاه للجنرال ماكاروف، وضعت القوات الروسية في حالة استنفار في قواعدها في أوسيتيا وأبخازيا بينما كانت سفن حربية روسية تمخر البحر، ما يدلل على أن هذا القطاع الجغرافي ينظر إليه على أنه الآن، وسيبقى، منطقة حساسة إلى أبعد حد.

6- "خارطة العالم ستتغير في العام 2014، وسيكون لروسيا نفوذ أكبر من نفوذ كل من الولايات المتحدة والصين. العربية السعودية سينتهي أمرها في المستقبل القريب... وسيتنامى النفوذ الروسي ويتفوق على النفوذ الأميركي والصيني, مصر وروسيا سترتبطان بعلاقة وثيقة. ومع هذا ستنفجر ثورة ثانية في تونس وسيتغير الحكم في ليبيا"... ولكن !
2014-02-03