ارشيف من :أخبار لبنانية
عن (الفرصة الهشة) وما بعدها
عامر حسن فياض - صحيفة "الصباح" العراقية
تحالفان تقابلا ما قبل مؤتمر جنيف 2 وخلاله وبعده هما التحالف (الروسي الصيني الايراني) من جهة والتحالف (الاميركي الاوروبي الاسرائيلي التركي السعودي القطري) من جهة اخرى، وعلى الرغم من ان التحالف الثاني (اكبر) فضائيا من التحالف الاول ، فأن الاول (اقوى) ارضيا من الثاني.
ومن دون الخوض في تفاصيل معادلة الاكبر والاقوى فقد كان من الطبيعي ان تبدأ جلسات مؤتمر (الفرصة الهشة)، على حد التوصيف المتسرع لـ(بان كي مون) الامين العام للامم المتحدة الراعية لمؤتمر جنيف 2 حول الازمة السورية، اقول لقد كان من الطبيعي ان تبدأ الجلسة الاولى باستعراض المطالب بسقوف عالية من قبل كل الاطراف التي حضرت مدينة شارلي شابلن السويسرية (مونترو) . ونتوقع في جلسات التفاوض اللاحقة والمباشرة ان هذه السقوف سوف تنزع للنزول والانخفاض اذا ما توافرت الارادات الحقيقية المتبادلة والنوايا الصادقة المتبادلة والاستعدادات الشجاعة للتنازلات المتبادلة من اجل الوصول الى تسوية الازمة وليس حلها نهائيا .. لان السياسة لاتعرف الحلول النهائية بقدر ما تعرف ،فقط ، التسويات في اغلب الاحيان وبقدر ما تعرف الحلول الوسط في اقل الاحيان واحسنها !
واذا اردنا ان نرصد ايجابيات وسلبيات ونناقش افكار وملاحظات عن مؤتمر جنيف 2 وما بعده فهي كثيرة وسنتوقف عند اهمها :-
اولا: اقتناع الجميع بعدم جدوى الحل العسكري المسلح للازمة واستبداله بالتسوية السياسية السلمية.
ثانيا : جلوس وفد حكومة الدولة السورية والوفد المعارض لها ، لاول مرة على طاولة تفاوض مباشر حول نقطة خلاف اساسية تتمثل بأختلاف قراءة بيان (جنيف 1) الذي سيظل مجرد بيان سياسي وليس قانونا ملزما يشير الى ضرورة نقل السلطة وليس انتقال السلطة الى هيئة حكم دون الالزام بحضور او رحيل شخصيات معلومة او شخصية موصوفة.
ثالثاً: ادراك الجميع ان الازمة السورية بـ (استمرارها) هي ازمة ذات ابعاد محلية واقليمية ودولية تحتاج الى (جنيف 2 ) سويسري ، وانها لـ(تسويتها ) ستحتاج الى (جنيف 3) سوري . اما الحل الوسط للازمة فأنه ربما سيحتاج الى بضع ( جنيفات) سورية مستدامة ان لم نقل سرمدية.
رابعا: توافق الجميع على ضرورة منع انتشار الارهاب ومكافحته، ولايكفي بهذا الصدد الاصغاء الى الضجيج الاميركي والغربي حول ضرورة منع انتشار الارهاب ومكافحته على طريقة التمييز بين ارهاب (مقبول) وارهاب غير مقبول !! وارهاب ثابت وارهاب متنقل !! لان الارهاب واحد وغير مقبول سواء كان ثابتا او متنقلا وينبغي منع انتشاره ومكافحته.
خامساً: خطأ سحب دعوة الجمهورية الاسلامية الايرانية للحضور في مؤتمر جنيف 2 رغم ان ايران هي (الغائب) الحاضر في هذه الازمة من خلال علاقة التداخل الايراني السوري على ارض الشام ومحيطها. بمعنى ان ايران ستكون حاضرة لان التسوية ينبغي ان تكون ، بالنتيجة ، تسوية سورية سورية بامتياز ، وان الحضور الايراني في سوريا يمثل حقيقة متداخلة وليس متدخلة في شؤون سوريا والمنطقة الامر الذي سيؤدي بالتالي ، الى التوسل بايران للمشاركة في المؤتمر .
سادساً : اذا كانت ايران هي (الغائب) الحاضر في المؤتمر فأن المملكة العربية السعودية وكذلك تركيا وقطر وممثل الجامعة العربية وكل دعاة تحرير القدس المزعومين هم ممثلون للحاضر (الغائب) الاسرائيلي من خلال تحاشيهم وتناسيهم لدوره في صناعة الازمة السورية وكوارثها على الشعب السوري وشعوب المنطقة وفوائده من استمرارها وكل ذلك يعد حضوراً سلبياً حقيقياً لاسرائيل في المؤتمر.
سابعاً : اذا كان الموقف الاميركي من الازمة السورية موقفاً غامضا مرتبكاً متردداً ، كالعادة ، في كل مواقفه من قضايا المنطقة في ظل ادارة الرئيس اوباما ، فأن الموقف الروسي الصيني ومعه الايراني ثم العراقي من الازمة السورية كان ولا يزال وربما سيبقى موقفا يتمتع بخاصيتي الثبات والوضوح.
ثامناً: ان الموقف العراقي من الازمة السورية يؤكد على لسان وزير خارجية جمهورية العراق بأن للعراق مصلحة حقيقية في انهاء الصراع بالحل السياسي السلمي بين السوريين ، وان مصلحة العراق الحقيقية هذه تأتي من تحذيره وحذره ، منذ بداية الازمة السورية ، من ان استمرارها يعني انتشار الارهاب في المنطقة وهذا ما حصل فعلا ... فضلا عن انفلات سياسة التدخلات الاجنبية في بلدان المنطقة وهذا ما حصل فعلا ... كما ان العراق حذر من تداعيات عسكرة بلدان المنطقة واستنزاف ميزانيات شعوبها لاغراض التسلح وتمويل الارهاب واشعال الفتن الطائفية والاحتراب الاهلي وهذا ما يحصل فعلا .
تاسعاً: ان وفد (ثلث) المعارضة السورية في جنيف 2 يشترط (رحيل الاسد) لتحقيق اهداف (الثورة) لسوريا الديمقراطية الجديدة . وان وفد حكومة دولة سوريا يريد الحفاظ على (وحدة) سوريا و (أمن)شعبها بمنع انتشار الارهاب ومكافحته ، كما يرى ان اي حديث عن رحيل الاسد هو (خط احمر) على رأي المعلم (وزير خارجية الدولة السورية ).
وصحيح القول ، الذي تعلمناه من ادبيات الثورات وتجاربها يؤكد ان الثورة حقيقة ينبغي الا يقلق ولا يخشى ولا يخاف العقلاء منها ، تقابلها وتقترن بها ومعها ، بالضرورة ، حقيقة اخرى هي حقيقة قلق وخشية وخوف العقلاء على مستقبل الثورة . بمعنى ان القلق والخشية والخوف ليس من الثورة بل عليها.
اما صحيح القول الذي تعلمناه من الدراسات والبحوث ذات الصلة بمنع انتشار الارهاب ومكافحته فأن هذا المنع وتلك المكافحة هي هدف انساني نبيل يحتاج الى جهد وطني لدولة مؤسسات قوية تعتمد الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والتداول السلمي للسلطة من جهة .. ويحتاج الى جهد دولي (اقليمي وعالمي) حقيقي غير مزيف اميركياً لملاحقة الممارس للارهاب ومموله والحاضن له والمحرض عليه والساكت عليه من جهة ثانية ... ويحتاج الى جهد وطني ودولي (منفرد او معا) من اجل تجفيف منابع الارهاب اينما كان ، تلك المنابع المتمثلة بالفقر والامية والبطالة والفساد والاتجار غير المشروع بالسلاح والمخدرات.
اما عن حكاية (الخط الاحمر) اي الحديث عن تنحي او رحيل الاسد فليس من حق ثلث المعارضة الحاضرة ولا الثلثين غير الحاضرين الى جنيف 2 عبور هذا الخط الاحمر بمعنى (فرض) التنحي او الرحيل ، وكذلك لا قدرة لوفد حكومة دولة سوريا ولا للاسد نفسه عبور هذا الخط الاحمر بمعنى (رفض) التنحي او الرحيل ... ولكن هناك من له الحق والقدرة معا على عبور الخط الاحمر (بمعنى فرضه او رفضه) الا وهو الشعب السوري عبر صناديق الانتخابات او الاستفتاءات الشفافة الحرة النزيهة .
ختاماً ان (جنيف 1) السويسري عام 2011 لم يعد الممهد لـ(جنيف 2) السويسري عام 2014 ، وان الاخير ربما سيكون الممهد لـ (جنيفات) قادمة ليست سويسرية بل سورية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018