ارشيف من :أخبار لبنانية

رأس جبل الجليد إذ بدا

رأس جبل الجليد إذ بدا

الراية القطرية - بقلم : توجان فيصل(كاتبة أردنية ) ..

ما يهم الفلسطينيين في خطاب نتنياهو  الأخير هو انه لا نية لوجود دولة فلسطينية بأي تعريف يستحق تسمية الدولة ، وان القدس لن يعاد لهم ولا جزء منها لتكون عاصمتهم ، بل عليهم قبول مجرد وعد بأن يسمح لهم بأداء الشعائر في أماكنهم المقدسة فيها .

ولنتصور كيفية هذا " السماح " علينا أن ننظر كيف يتم هذا السماح الآن على الأرض ضمن أهم  محدداته في نظر "إسرائيل" وهو " أمنها " ، كما ورد في خطاب نتنياهو وكما كان يرد في كافة خطابات  قادة "إسرائيل" وفي خططهم الموضوعة للتنفيذ الآني اليومي وأيضا في إستراتيجياتهم الأمنية بعيدة المدي.

معنى هذا أن الوصول للمقدسات بإذن إسرائيلي يستلزم أن يمر الفلسطينيون عبر ذات الحواجز الأمنية والتفتيش  والمنع الذي يجري الآن للمصلين وزوار الأماكن المقدسة من الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين .

ويعني بدء الرحلة التي قد لا تستغرق ، جغرافيا ، اكثر من دقائق ،  منذ ساعات ما قبل الفجر وانتظارا لساعات الإذن بالدخول  الذي تحظي به قلة وتستثني الأغلبية في ظل مجموعة معقدة من المعايير الإسرائيلية .

 ولكن هذه المعايير غير ضامنة لحق أي كان في الدخول ، هي فقط ضامنة لحق "إسرائيل" في منعه عمن تشاء. وقد تلغي الزيارة للجميع بلا استثناء عندما تتم " التسوية السلمية " عزيزة المنال تلك.

فحينها لن يكون الفلسطينيون في زيارة لمقدسات علي أرضهم يعيقها جنود الاحتلال،بل سيصبحون وافدين من الخارج  كالسياح ، قد يسمح أو لا يسمح  لهم ابتداء بدخول ما سيكون حينها ارض إسرائيل وعاصمتها الموحدة المعترف بوضعها ذاك من كل العرب والمسلمين والعالم اجمع.

و"إسرائيل" عادة لا تسمح بدخول الشباب دون الأربعين من الفلسطينيين للمسجد الأقصي ، بمعنى أن تحقيق " حل الدولتين " كما فصله نتنياهو وكما أيدته أمريكا ويتوالى تأييد الدول الأوروبية يعني ألا تعود للشباب العربي والمسلم بعمومه أي صلة بمقدساتهم في فلسطين ، فآخر ما ستسمح به "إسرائيل" ضمن منظومة أمنها هو تجمع مسلمين ملتزمين من أقصى أنحاء المعمورة في قلب عاصمتها .. ومثلهم الشباب العرب المسيحيون لحد بعيد أيضا ، فاليهود ليسوا أكثر غراما بالمسيح منهم بمحمد .. وهذا  " تغريب " للشباب عن القدس مقصود لذاته بحيث يصبح "الأقصى" مجرد صورة على  الحائط أو مجسم سييء الصنع في الأغلب لهذا الأثر الديني العظيم . وهو أمر يخدم في النهاية مخططات إزالته .

فمن سيبكيه بعد بضع سنوات أو بضعة عقود إن لزم ، يكون يبكي صورة .. وحين أستذكر كيف بكينا سقوط القدس عام 67 ، أدرك الفارق بين من يبكي صورة ومن يبكي حقيقة مجسدة علي الأرض ، ولهذا تشيد  دور العبادة في كل الأديان صروحا  شامخة .

ولن يكون بين هؤلاء الشباب ، حين يكبرون ، من يحدث أبناءه عن ساحات الأقصى  التي كانت ملعب بواكير طفولته ،كما كان زوجي يفعل ، فينجذب أبنائي   " للصورة " حتي يكادوا ان يدخلوا فيها .. هم توقفوا عن دخول الصورة لأن الراوي يغفو في مقبرة في  جنوب عمان حيث يتداول نقلا عن سياسيين وسماسرة أراض أن التوطين سيكون ،وان الطرق الإسرائيلية السريعة والعريضة  ستخترق الأردن  وصولا للعراق .. وإذا كانت النفس لا تدري بأي أرض تموت ،  فإن الآية أصدق ما تكون حين تكون النفس المعنية فلسطينية ، لا تدري  أين تمسي وأين تصبح وأين يمكن أن تهّجر أو توطّن .. وتموت !! 

ولكن ليس هذا فقط ما ينتظر هؤلاء الشباب المسلمين والمسيحيين علي امتداد العالم العربي والإسلامي . فالعجيب  ان هكذا خطة تعتبر تنازلا إسرائيليا ولذلك هي مشروطة  لتنفيذها بتطبيع 57 دولة عربية ومسلمة  ومليار مسلم عربي وغير عربي علاقاتهم مع "إسرائيل ".

ولكن شروط التطبيع ، كما عرفناها بالخبرة على مدي عقد ونصف العقد من توقيع اتفاقية وادي عربة وخبرتها مصر على مدي أكثر من عقدين ، هي أيضا ، كزيارة المقدسات، لا تعمل بالاتجاهين .

ف "إسرائيل " تشترط ان تدخل وتخرج من الدول المطبعة حسبما تشاء وبمعاملة استثنائية خاصة تتيح لها ان تتغلغل  في كل صغيرة وكبيرة . تنبش باطن  الأرض وما عليها ، وتزعم البحث عن آثار يهودية ، فيما هي تنقب عن أمور أخري أكثر إستراتيجية من أساطير الأولين .

 وإن لم تجد عذرا توراتيا ، تختلق وتفرض أعذارا أخري دنيوية، في مقدمتها العلاقات  التجارية والأمنية ، وهي تنتهي باختراق للاقتصاد والأمن يكفيان وحدهما لإنهاء  سيادة الدولة..  حتي سواحها  تشترط ان ترافقهم سيارات امن بزي رسمي واخرى بسيارات وزي مدني ، ما يجعل كلفة السائح اليهودي ، الأكثر تقتيرا في مصروفاته من كل سواح العالم ، توازي كلفة استضافة زوار رسميين VI  .  وليس في هذا مبالغة، فمن يريد ان يتأكد عليه ان يزورنا كسائح في الأردن ويسلك طرقات السواح ليتأكد بنفسه.

وإذا كان هذا الذي تسعى إليه "إسرائيل" استعمارا سياسيا واقتصاديا لكامل مجموعة الدول العربية والإسلامية ، فإن وسائل تنفيذها لا تخلو من الاحتلال العسكري المباشر أيضا .

 فما تسرب عن خطة دايتون التي تتم الان بالتنسيق مع وبدعم من مبعوث الرئيس الأمريكي  للمنطقة جورج ميتشل ، أن  قوات الأمن الفلسطيني تدرب  لمهمة حصرية وهي نزع سلاح المقاومة تحقيقا لأمن "إسرائيل" من شعب مقاومة يعيش تحت احتلالها.

مهمة كهذه حين توكل لأبناء الشعب الذي قيل له صراحة إن أرضه لن تعاد له ولا سماءه ولا مياهه ولا مقدساته ولا إرادته في أي صغيرة وكبيرة من شؤون حياته ، بل سيحاصر في " الغيتو"  الذي سيحشر فيه  بأشد مما تحاصر غزة التي اعتبر نتنياهو حصارها رخوا .. فإن تلك المهمة تزيد عن دور " قوات الصحوة " التي كشفها ورفضها العراقيون ، إلى دور مرتزقة  "بلاك ووتر" .

لهذا فإن امريكا ،  التي أعلن رئيسها الجديد انه لا ينوي شن حرب على اي دولة أخري في المنطقة  ولا تحريك  جندي إضافي  خارج افغانستان وربما باكستان، بل واعلن جدول انسحابه من العراق ، يعلن الان انه يدرس وضع الضفة الغربية ( ومن بعدها لبنان ، ومن بعدهما حتما دول عربية اخري  إن لم تكن تلك الدول قد وضعت من قبل سرا وانتهي ) تحت مظلة قواته العسكرية في الشرق الأوسط بقيادة الجنرال باتريوس..أي وضعها تحت الاحتلال الأمريكي المضاف للإسرائيلي  دونما حرب . 

فكلا الاحتلالين سيكمل تنفيذ مخطط " الدولتين" كما طرحهما نتنياهو بجعل نفر"إنكشاريين "من الفلسطينيين، يليهم لبنانيون وحتما آخرون من دول اخرى مجاورة، وقودا لتنفيذ خطة دايتون  واخواتها .

والأسوأ من كل هذا ، ان الأردن ،الدولة التي ستحول لوطن بديل بداهة في ظل رفض عودة اللاجئين ،  هي التي تدرب عناصر قوات دايتون مقابل بضع عشرات من الملايين هي حصتها من حوالي ثلاثمائة مليون دولار رصدتها أمريكا لإنشاء وتدريب ودفع رواتب وامتيازات قوات الأمن الفلسطينية.

 وإن تحققت أهداف التدريب بالكفاءة المطلوبة ، على المدربيبن الأردنيين ان  يحسبوا حساب من سيجدونهم في مواجهتم  في النهاية  عند تحقيق الجزء الأخير من خطة دايتون الهادفة ، ليس لإقامة الدولة الفلسطينية  فتلك أسقطت صراحة ، بل لإقامة الوطن البديل الذي سبق واعلن عنه بصراحة اكبر !!

من هنا فإن كسر حلقة الشر وتجريد إسرائيل وامريكا والرباعية من وسيلتها لاحتلال المنطقة وإعادة رسم خرائطها ومناقلة سكانها وتنصيب أنظمة جديدة عليها تناسب ديموغرافيتها الجديدة ودورها الجديد ،بيد الأردن لحظيا ، ويتمثل برفض تدريب قوات دايتون على يده .. ولحين يتم ترتيب آخر لتدريبهم ، يستطيع الأردن ان يستكمل إنقاذ نفسه بالتوقف عن الدعم الانتحاري لأبو مازن وحكومة فياض ويقف على الأقل  علي ذات المسافة من السلطة وحماس وبقية فصائل المقاومة .. هذا إن لم يدعم المقاومة سرا أو علنا كونها باتت خط  الدفاع الأول عن وجوده .

 فليس أمامه غير هذا سوي الحرب مع إسرائيل . ومن لا يناقش جدية الأردن في إعلانه اليتيم استعداده لدخول تلك الحرب دفاعا عن وجوده  ، سيناقش لا ريب " استعداداته" لما يتطلبه دخولها .. لهذا وجب درهم الوقاية ما دمنا لا نملك قناطير العلاج ، أو تعود للتداول نظرية ان تحرير القدس يمر عبر عواصم عربية اخرى .

وهي نظرية يعرف ويعترف العقلاء المطلعون على  تاريخ المنطقة  أنها لم تعدم من يؤمن بها في ظروف كانت القدس والمقدسات أقل عرضة للتهديد ، وكانت العواصم لا تجرؤ علي ذكر كلمة دولة إسرائيل، بل كانت تسميها  "الكيان " الصهيوني او "الكيان الغاصب " .. والآن هذه العواصم  تتوسل مجرد ذكر إسرائيل ل " دولة  فلسطينية "دون اعتبار لما تتضمنه ، ولو جاءت علي شكل سجن كبير .. ثم ان تلك  نظرية لم يقتصر الإيمان بها علي فصائل مقاومة بعينها ، بل أعاد طرحها مستشار الأمن القومي الأسبق سكوكرفوفت ، حين رسم لحل القضية الفلسطينية خارطة طريق مختصرة تمر بأكثر من عاصمة عربية في المنطقة..

رأس جبل الجليد بدا جليا ، ومع ذلك تصر بعض العواصم العربية في اندفاعها الطامع أو المخدوع أو المذعور باتجاهه ، على انه رأس منارة.

2009-06-17