ارشيف من :أخبار لبنانية
عدنان منصور.. الرجل والموقع والدور
هتاف دهام - صحيفة "البناء"
لم ينجُ لبنان سياسياً وأمنياً من تداعيات الأزمة السورية التي ألقت ولا تزال بظلالها على أوضاعه السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية. وبات عرضة للتأثّر بتداعيات الأزمة، على الرغم من اتخاذ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قراراً بضرورة النأي بالنفس عن الأحداث السورية، إلا أنّ هذه السياسة لم تنجح إلا في أداء وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور، الذي التزم عملياً بسياسة النأي بالنفس.
أثبت منصور جدارته في تولي حقيبة الخارجية. واجه الوزير المحنّك، ضغوطاً محلية وإقليمية ودولية، لم تكن موجودة في السنوات السابقة، أثناء تولي زملائه الوزراء علي الشامي حركة أمل الأكاديمي بامتياز، فوزي صلوخ، ومحمود حمّود، ولا في أيام الوزير فارس بويز الذي لعب دور الدبلوماسي المثقف، والمنظّر للموقف الاقليمي والدولي. صحيح أنّ الأخير تميّز بالعنفوان الوطني، وكان من المهندسين لتفاهم نيسان الذي شرعَن المقاومة، ورفض الاجتماع بوزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر إلا على الأراضي اللبنانية، بعدما كان الأخير طلب من بويز عبر السفير الأميركي ريان كروكر يومذاك الاجتماع به خارج الاراضي اللبنانية، فتوالت طلبات اللقاء ببويز عبر كروكر، من القاهرة، الى قبرص، فدمشق، وصولاً الى الرياض التي أرسلت الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي كان حينذاك رجل أعمال، ليقول لبويز: «برفضك زيارة السعودية ستخسّر لبنان مبلغ 500 مليون دولار»، إلا أنّ كلّ العروض لم تنجح، كما باء بالفشل تذرّع بيكر بالأوضاع الأمنية في لبنان الخارج من الحرب، والذي لم يكن قد استكمل بناء جيشه وقواه الأمنية ومؤسساته، ليرضخ ويأتي الى لبنان عن طريق المصنع ويلتقي بويز في مدينة زحلة، وتحديداً في منزل رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي.
وعلى الرغم من كلّ ذلك، فإنّ عهد الوزير بويز لم يشهد الانشطار السياسي الحاصل اليوم بين 8 و14 آذار، والانقسام الطائفي والمذهبي، والقرارات الدولية التي صدرت بعد اغتيال الرئيس الحريري، وصولاً الى الحملة المغرضة والعنيفة التي تشنّ على حزب الله منذ عام 2005 لسحب سلاحه.
لقد جسّد منصور حقيقة السياسة الخارجية للبنان المعتمدة في البيان الوزاري لجهة ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، واستقلالية القرار اللبناني الى حدّ الممكن، والعلاقة مع سورية. كما حافظ الوزير الدبلوماسي على موقع وزارة الخارجية وعمل على حمايته وقطع الطريق على مدّ اليد عليها، حتى لو كانت من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء، فلم تتكرّر تجربة الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان يعمد إلى إبعاد الوزير صلوخ عن كلّ اللقاءات والمهمات التي لها طابع دولي، ليرسل بدلاً منه الى الأمم المتحدة الوزير طارق متري لتمثيل لبنان ويتبادل الغزل مع مندوب «إسرائيل» داخل المنظمة الدولية.
وصف أداء الوزير منصور بالأداء الناجح، مارس مهمته في ظلّ ظروف معقدة ودقيقة، فسياسة لبنان الخارجية في المراحل السابقة لم تكن محكومة بقواعد خاضعة للنقاش، مثل سياسة النأي بالنفس التي هي شعار نظري للحكومة المستقيلة وغير قابلة للتطبيق عملياً في لبنان.
وعليه استطاع منصور بخبرته الدبلوماسية أن يتجاوز الكثير من الصعوبات، وفي الوقت الذي لا يستطيع أحد أن ينفي حقّ الوزير بأن يكون له أسلوبه الخاص في التعبير عن سياسة لبنان الخارجية، تجدر الإشارة الى مستوى الشجاعة التي يتحلى بها هذا الوزير، والتي عرّضته لانتقادات نابعة من الميول السياسية الموجودة عند فريق 14 آذار، فمآخذ هذا الفريق التي تخطت المبالغات وصلت إلى أعلى المستويات، لم تكن ذات قيمة، على الرغم من أنها غير مسبوقة في تاريخ الدولة اللبنانية، فلم يتعرّض أي وزير وفق منصور لهجوم سافر من قبل قوى سياسية معارضة.
لم يأخذ وزير الخارجية في الحكومة المستقيلة موقفاً يضرّ بمصلحة لبنان، بل نجح في تصويب خطابه بما يؤدّي معناه الكامل، لم يخضع للابتزاز والضغوط، وهذا ما ظهر جلياً في مبادرته إلى إضافة فقرة على خطابه في مؤتمر جنيف ـ 2، وكذلك الحال في اجتماع وزراء الخارجية العرب للجامعة العربية، لا الالتحاق بالدول العربية والإقليمية.
لم يكن الوزير الدبلوماسي يوماً موظفاً تابعاً لرئيس، فهو يملك من الكفاءات التي قد لا يتحمّلها النظام الطائفي اللبناني، وتالياً فإنّ المداورة المطروحة والتي يتمسّك بها الرئيس المكلف تمام سلام لن يكون المقصود منها فقط الوزير جبران باسيل ووزارة الطاقة، بل وزير الخارجية الذي كان يُراد منه أن يكون وزيراً تابعاً لا وزيراً يملك الرؤية والحكمة والخبرة والقرار.
الوزير منصور بحسب مقرّبين منه، فاجأ الجميع، عندما أعطى لدى توليه حقيبة الخارجية صورة الدبلوماسي المرن والناعم، إلا أنّ أداءه لاحقاً أثبت أنه كذلك حقاً، كما أثبت أنه فضلاً عن ذلك وزير صلب يستطيع الدفاع عن مواقفه والتمسك بها وعدم التساهل بالثوابت الوطنية.
وقد أدهش الوزير منصور السياسيين المحليين والإقليميين في عنفوانه. وظّف خبرته الدبلوماسية العريقة، في خطابات تنسجم مع القانون الدولي واللغة والقواعد الدبلوماسية، الا انها تنطوي على المعاني والدلالات الحاسمة التي تجعل بقاءه في منصبه مطلباً وطنياً بامتياز.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018