ارشيف من :أخبار لبنانية

هل تتحوّل مذكرة التفاهم إلى مشروع ميثاقي؟

هل تتحوّل مذكرة التفاهم إلى مشروع ميثاقي؟
هتاف دهام-"البناء"

مرّت ثمان سنوات على ورقة التفاهم التي وقّعها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ورئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون في كنيسة مار مخايل في الشياح في 6 شباط 2006. تجاوزت هذه الوثيقة الكثير من التحديات فضلاً عن المراهنات على فشلها. صمدت لتشكل عقداً اجتماعياً بين نسيجين لبنانيّين أحدهما ملتزم دينياً والآخر ينادي بالعلمانية.

في ظلّ هذا التفاهم، تخطّى لبنان أزمات عدة كان من الممكن أن تحصل. عطّل قيام نزاع طائفي، وأبعد شبح حرب أهلية جديدة كان يهوّل بها البعض وفشل في إشعال نيرانها، فدأبَ هذا البعض على العمل منذ عام 2005 مستغلاً اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على تأجيج الصراع المذهبي الشيعي السني، الذي بقيَ الى حدّ ما ممسوكاً من الطرفين، لا سيما من حزب الله الذي لم ينجرّ وراء الاستفزازات والحملات التي تشنّ عليه من تيار المستقبل.

اجتاز هذا التفاهم المفصليّ الوطني الكثير من المراحل الصعبة، بدءاً من العدوان «الإسرائيلي» على لبنان في عام 2006، وصولاً الى الأزمة السورية وما خلفته من تداعيات على لبنان، فخريطة المواجهات السياسية، التي أضافت الى خطر العدو «الإسرائيلي»، الخطر الأصولي الذي يتربّص بالمنطقة.

وعليه، فإنّ وثيقة مار مخايل تكتسب أهمية كبرى في ظلّ ما يتعرّض له لبنان من اعتداءات، مع بروز شبح الأيديولوجية الإسلامية الأصولية والتي كحال التكفيريّين، تنظر الى الأقليات والمذاهب الأخرى نظرة لا تطمئن على الاطلاق، وأعلنت حربها على الشيعة والمسيحيين والسنّة المختلفين معها، من خلال التفجيرات المتنقلة التي تطال الضاحية الجنوبية والبقاع الشمالي، والاعتداءات المتكرّرة على الكنائس، وكان آخرها ما حصل في معلولا السورية، وما أعقب ذلك من خطف لراهباتها، وما سبق ذلك من خطف للمطرانيْن يازجي وابراهيم.

وأمام هذه التحديات الكبرى، فإنّ التباين في الملفات الداخلية، لا سيما لجهة تفعيل عمل المؤسسات الدستورية، وإقرار قانون انتخابي وإجراء الانتخابات على أساسه، إلى محاربة الفساد، والتي تعدّ من أولويات المشروع الذي يحمل لواءه رئيس تكتل التغيير والاصلاح، وهي أولويات جرى الإعلان عنها في خلوة التيار في دير القلعة في بيت مري، ولكن الفريقين لا يتوقفان عندها كثيراً.

فحزب الله متمسك إلى أقصى حدّ بوثيقة مار مخايل، ويتحدّث عن ضرورة تطويرها لتتضمّن نقاطاً محدّدة ببرامج عمل مشتركة. والوطني الحرّ الذي ينظر نظرة مغايرة لـ«الحزب» حيال معالجة القضايا الداخلية، يقر بأنّ التباين في الأفكار موجود داخل الفريق الواحد، والطبيعي ان يحصل ذلك بين حزبين. فوثيقة التفاهم ليست حالة ذوبان للوطني الحر داخل حزب الله أو العكس، وهي التي أكدت على خصوصية كلا الفريقين.

يرغب التيار الوطني الحرّ، في ظلّ الظروف الخطيرة التي يعيشها لبنان، في الانفتاح على القوى السياسية الأخرى في البلد، ويعتبر أنّ عليه أن يكون صلة التواصل بين الأفرقاء كافة، لا أن يكون فريقاً، لإرساء نوع من الطمأنينة في الجوّ السياسي العام والتخفيف من الاحتقان السياسي في ضوء المرحلة الصعبة التي يمرّ بها لبنان. فبعد العراق، سورية ولبنان على المحك، والمسألة لم تعد مسألة الإنسان المسيحي، أو الشيعي، أو السني، بل باتت قضية الإنسان في المشرق، وبات علينا الاختيار بين الإنسان الذي يستهدفه الخطر الأصولي، أو الإنسان النموذج الذي كان عليه هذا المشرق.

في هذا السياق، يحاول العماد عون الانفتاح على تيار المستقبل، فالتقى برئيسه سعد الدين الحريري في روما بعيداً عن الإعلام، لأن مصلحته تكمن في أن يكون منفتحاً على الجميع، لكنّ ذلك لا يعني مطلقاً انه لم يعد متمسّكاً بوثيقة التفاهم، أو أنه بدأ يوجّه بوصلته نحو تحالف جديد. فحزب الله مكوّن أساسي ومهمّ للوطني الحر. والأحداث في السنوات الماضية أثبتت ذلك، وعلى الرغم من حصوله في انتخابات عام 2005 على اكبر كتلة في المجلس النيابي إلا أنه هُمّش سياسياً واستُبعد عن الحكومة. أما اليوم فلا يمكن لأحد أن يهمّش هذا التيار. لم يعد بإمكان الحركة السياسية ان تنطلق من دون جنرال الرابية. ولولا الحلف الاستراتيجي مع حزب الله لكان الرئيس المكلف تمام سلام قد شكل حكومته من دون الوطني الحرّ.

هذا لا يعني مطلقاً انّ حزب الله لم يستفد من وثيقة التفاهم، ففي ظلّ الهجمة التي يتعرّض لها، فإنّ المقاومة بأمسّ الحاجة الى غطاء مسيحي، فهو يؤكد انّ التفاهم عزّز أهميّة العيش الواحد بين تنوّعات أهلية تحت سقف الوحدة الوطنية وفي مواجهة التحديات المصيرية برؤية استراتيجية مشتركة. لكن ذلك لا يعني أنّ حزب الله من دون التيار البرتقالي المتمسك به، يمكن أن يُعزل أو يتمّ إقصاؤه، فالحزب على علاقة جيدة مع تيارات أخرى خارج الطائفة الشيعية، مسيحية وعلمانية تحول دون عزلته.

بموازاة كلّ ذلك، تؤكد مصادر مقرّبة من الفريقيْن أنّ وثيقة التفاهم حققت الكثير على مستوى الوطن، وهي وثيقة ميثاقية ثابتة توازي المشروع الميثاقي الذي قام عليه لبنان، والذي يستحق أن يتطوّر ويُبنى عليه.
2014-02-07