ارشيف من :أخبار لبنانية
نصحية فاتيكانية بحكومة جامعة... وإلّا التريّث
طارق ترشيشي - صحيفة الجمهورية
تختلف التفسيرات ازاء تعثّر تأليف الحكومة مجدداً، وبَدا من اجواء الاتصالات الجارية ان الولادة الحكومية ستتأخر لوقت إضافي نتيجة تردد المعنيين بها من جهة واستمرار الخلاف حول المداورة في الحقائب الوزارية من جهة ثانية، وتمسّك هذا الفريق او ذاك بهذه الحقيبة الوزارية او تلك من جهة ثالثة، فيما مَكمن التأخير في مكان آخر لا يعترف المعنيون به.
من التفسيرات لدى بعض السياسيين المتابعين للملف الحكومي ان الضوء الاخضر الذي أُعطي من الخارج قبل اسابيع لم يكن "اخضراره" فاقعاً وانما كان "خجولاً وباهتاً"، وقد تضرر نتيجة استبعاد ايران عن المشاركة في مؤتمر جنيف -2 الخاص بالأزمة السورية، ما انعكس تصلباً في مواقف بعض الاطراف الداخلية التي راحت تضع شروطاً قابلتها شروط مضادة، ما حال ولا يزال دون ولادة الحكومة الجامعة التي اتفق على ان تكون على قاعدة 8+8+8 مدوّرة الحقائب على جميع الطوائف والقوى السياسية التي ستشارك فيها، على ان يبحث في مضمون بيانها الوزاري، خصوصاً لجهة موضوع ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" بعد التأليف.
ويعتقد صاحب هذا التفسير انّ المسألة باتت بين الولايات المتحدة الاميركية وايران، الأمر الذي ينفيه السفير الايراني في بيروت الدكتور غضنفر ركن آبادي ويؤكد انّ بلاده "تشجّع الأفرقاء اللبنانيين على تأليف الحكومة الجامعة"، متفائلاً بإمكان توصّل بلاده والمملكة العربية السعودية الى اتفاق قريب تستفيد منه كل دول المنطقة وليس لبنان فقط.
وعلى رغم ذلك فإنّ السياسي إيّاه يرى ان عملية التأليف الحكومي توقفت ولم يعد ينفع لاستئنافها سوى "ضغط أخضر كبير" على جميع المعنيين لكي يتفقوا على الحكومة العتيدة. وهو، في رأيه، ضغط خارجي وليس داخلياً لأنّ التناحر والتنافس بين الافرقاء السياسيين لن يتوقف إلا بإرادة خارجية تعتبر نفسها معنية بقوة بالشأن اللبناني.
تفسير آخر يقول انّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان "يحسبها بدقة" بحيث انه يحاذر إصدار مراسيم حكومة "أمر واقع" حتى ولو كات بصيغة "حكومة بمَن حضر" وفق ما يتردد، لأنه لا يريد لحكومة من هذا النوع ان تتسبّب بأزمة خطيرة في البلاد في نهاية عهده، خصوصاً ان المؤكد هو أن اكثر من ثلث عدد اعضائها سيبادرون الى الاستقالة منها فور تأليفها لتصبح مستقيلة توّاً، فتقع البلاد عندئذ في أزمتين حكومية ودستورية في ظل حكومة تصريف الاعمال القائمة،
اذ ان البعض يقول ان الحكومة التي سيستقيل ثلث وزرائها زائداً واحد، تتحول هي حكومة تصريف اعمال مكان الحكومة الحالية، فيما البعض الآخر يؤكد انها لا تستطيع ان تكون كذلك لأنها لم تَمثل امام مجلس النواب لنيل ثقته، وان الحلّ في هذا الوضع هو ان يدعو رئيس الجمهورية فوراً الى استشارات نيابية ملزمة جديدة لتسمية رئيس جديد لتأليف الحكومة في الوقت الذي تستمر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة في تصريف الاعمال.
لكنّ سياسيّين آخرين يؤكدون ان التأليف سيبقى متعذراً الى حين حصول التقارب العملي بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية، وانّ الضوء الاخضر السعودي ـ الايراني الذي أُعطي قبل اسابيع لهذا التأليف وترجمته تصريحات قيادات كبيرة في فريقي 8 و14 آذار بالتنازلات السياسية التي قدّمتها (قبول 8 آذار بحكومة 8+8+8 المدورة الحقائب، وتراجع 14 آذار عن رفضها مشاركة حزب الله في الحكومة) انما حصل في ظروف كانت تَشي بأنّ التواصل بين الرياض وطهران قد أوشك الحصول، ولكن يبدو أن ظروفاً لم تكن في الحسبان قد طرأت وفرضت تأخير هذا التواصل، ما انعكس تأخراً اضافياً في تأليف الحكومة اللبنانية.
وهذه الظروف ترتبط، على ما يبدو، بالوضع السائد في الميدان السوري وبأجواء مؤتمر جنيف الذي لم ينتج حتى الآن سوى "هدنة" حمص الهشّة التي أتاحت اخراج نحو ألف وخمسمئة شخص من سكان حمص القديمة التي تحاصرها قوات النظام ويتحصّن مسلّحو المعارضة في أحيائها.
ويذهب هذا السياسي الى التشاؤم متوقعاً ان تبقى حبال التأليف معلقة على مؤتمر جنيف ـ 2، فإذا حقق تقدماً يتحرك الملف الحكومي اللبناني لملاقاة هذا التقدم الذي سيُبنى عليه لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية.
في حين يعتقد سياسيون آخرون ان بعض المعنيين بتأليف الحكومة داخلياً وخارجياً من الممكن أن يكونوا قد ارتأوا تأخيره الى ما بعد زيارة الرئيس الاميركي باراك اوباما للرياض الشهر المقبل، وما سيؤول اليه مستقبل العلاقات السعودية ـ الاميركية التي شهدت في الآونة الاخيرة اضطراباً كبيراً إثر التوصّل الى اتفاق حول الملف النووي الايراني بين ايران والدوَل الغربية الست، وقبله الاتفاق الاميركي الروسي مع دمشق على تدمير ترسانة السلاح الكيماوي السوري، من دون اي استشارة مسبقة للقيادة السعودية.
وثمّة من قال انّ عوامل تأخير التأليف هي "خارجية مئة في المئة" لكنها مغلّفة بالعوامل الداخلية، فالمعطيات المتوافرة عن المواقف الدولية تؤكد وجود حرص لدى العواصم الكبرى على الاستقرار اللبناني ووجوب تجنيب لبنان ما أمكن من الاعمال الارهابية الناتجة من تداعيات الازمة السورية.
ما يعني ان هذه العواصم التي تدرك عقم الازمة الحكومية تعتقد ان لبنان سينزلق الى مخاطر كثيرة في حال تأليف حكومة غير جامعة لكل القوى السياسية المتنازعة. ولكنها، والى حين الاتفاق على حكومة من هذا النوع، تركز على وجوب تحقيق مزيد من الاستقرار الامني والحؤول دون التفجيرات الارهابية. إلّا أن هذا الاتفاق الحكومي، إذا حصل، هو اتفاق خارجي بالدرجة الاولى وداخلي بالدرجة الثانية في ضوء تمحور الاطراف السياسية الداخلية حول القوى والمحاور الخارجية الاقليمية منها والدولية.
والى ذلك، قيل ان رئيس الجمهورية تلقى نصيحة فاتيكانية في الايام المنصرمة تدعوه الى التريّث في التأليف اذا لم يتم الاتفاق على الحكومة الجامعة، ويبدو انه قد استعان بهذه النصيحة لمواجهة ما يتعرض له من ضغوط مصدرها جهات عدة داخلية وخارجية لكي يبادر والرئيس المكلف تمام سلام الى تأليف حكومة "بمَن حضر"، ويقال انهما كانا ولا يزالان يعطيان الافرقاء السياسيين مهلاً إضافية للاتفاق على الحكومة الجامعة العتيدة تمتد الى نهاية الشهر الجاري او منتصف الشهر المقبل،
ويبدو ان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد لاقاهما لإطالة هذه المهل حتى الايام العشرة الاخيرة من الولاية الرئاسية، بحيث لا يبادر الى دعوة مجلس النواب ضمن مهلة الستين يوماً الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد التي تبدأ في 25 آذار المقبل، إلّا في الايام العشرة الاخيرة من هذه المهلة (من 15 أيار المقبل وحتى 25 منه)،
لكي يبقى في إمكان المجلس التشريع والتصويت على منح الحكومة العتيدة الثقة في حال تأليفها، لأنه في حال دعا المجلس الى جلسة انتخاب الرئيس في مطلع تلك المهلة او في أيّ وقت خلالها قبل الايام العشرة الاخيرة، يتحوّل مجلس النواب هيئة ناخبة لا يحقّ لها دستورياً التشريع أو مناقشة البيان الوزاري للحكومة والتصويت على منحها الثقة في ضوئه.
في ايّ حال تبدو الايام المتبقية من هذا الاسبوع حاسمة في شأن مصير التأليف الحكومي، لعلّ الضوء الاخضر الكبير يتوافر... ولكن كل المؤشرات حتى الآن ما تزال تصبّ في خط التشاؤم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018