ارشيف من :ترجمات ودراسات

مجرمو وول ستريت... لماذا لا تتم ملاحقتهم؟

مجرمو وول ستريت... لماذا لا تتم ملاحقتهم؟

بقلم Barry Grey
عن موقع interinfos الالكتروني
13 كانون الثاني/ يناير 2014


في شهر أيار / مايو 2012، أي بالكاد بعد أيام من قيام جامي ديمون، رئيس بنك جي بي مورغان، بالكشف عن أن هذا البنك قد خسر مليارات الدولارات في المضاربات، عمد الرئيس باراك أوباما إلى الدفاع علناً عن هذا المدير العام الملياردير واصفاً إياه بأنه "أحد المصرفيين الأشد ذكاء في البلاد". أما ما لم يقله أوباما فهو أن ديمون هو مجرم.

ويوم الأحد الماضي، نقلت نيويورك تايمز أن الحكومة ستعلن قريباً عن آخر تسوية بين لائحة طويلة من التسويات الحبية مع بنوك وول ستريت التي تورطت في أعمال ممنوعة. وأكدت الصحيفة أن المحققين الفيدراليين وقضاة النيابة العامة سيعلنون هذا الأسبوع عن اتفاق يقضي بإلغاء ملاحقة جي بي مورغان وكبار موظفيه بتهمة التورط في عملية "صندوق بونزي" ( عملية احتيال بقيمة عشرين مليار دولار) التي كان يديرها رجل المال الذي ثبتت عليه التهمة، برني مادوف.

فمقابل غرامة بحدود ملياري دولار، بات بإمكان أكبر مصرف أميركي ومديره العام أن يتجنبا اتهاماً جزائياً أو اعترافاً بالذنب مع كونهما يقران بلائحة الأعمال الممنوعة التي قام بها المصرف طيلة عشرين عاماً من العلاقة بينه وبين مادوف.
هنالك أدلة عديدة منها رسائل داخلية بعث بها موظفون كبار في المصرف، تثبت أن الإدارة كانت تعلم جيداً أن مادوف الذي كان يودع حسابات شركته في المصرف المذكور، كان يقوم بعمليات احتيال. ومادوف نفسه صرح من داخل سجنه عام 2011 بأن "أشخاصاً يعملون في المصرف كانوا على علم بما أفعله".

لكن جي بي مورغان فضل عدم إخطار المحققين الفيدراليين واستمر في المحافظة على علاقاته المالية مع منفذ عملية " بونزي"، الأمر الذي يشكل مخالفة للقوانين الفيدرالية ومنها مخالفة القوانين المتعلقة بالسرية المصرفية.
وتقوم التسوية التي تم إجراؤها على اعتراف بأن ديمون قد تواطأ جرمياً مع مادوف. ولكن الحكم صدر بحبس مادوف لمدة 150 عاماً، في حين لم يصدر أي حكم بحق ديمون.

وكان ديمون والمصرف الخاص به قد قاما بعملية احتيال فقد فيها آلاف المتقاعدين كل ما ادخروه في حياتهم، كما تسببت بإفلاس عدد كبير من الجمعيات الخيرية. ولكن كل ذلك لا يشكل غير جزء من المأساة الإنسانية والمذبحة الاجتماعية الناجمة عن العديد من عمليات الاحتيال والخداع التي قام بها بنك جي بي مورغان.

فخلال العامين الماضيين، قام بنك السيد ديمون بتسوية اتهامات منها أنه سلم لزبائنه سندات رهن مسمومة تحت أعذار كاذبة، ورفع تقارير كاذبة لإخفاء 6 مليارات دولار من الخسائر الناجمة عن رهانات خاسرة على منتجات مسمومة، وتلاعب بأسعار المحروقات، وزور وثائق بهدف الاستيلاء على مساكن مروراً بطرد العائلات التي تسكن فيها، وأجبر حاملي أعداد من حاملي بطاقات الائتمان على دفع ثمن خدمات لم يقدمها إليهم، ونهب أموال بعض صناديق رعاية المسنين وغيرها من المؤسسات المشابهة.

وهو يخضع الآن للتحقيق بشأن دوره في تزوير الفوائد المرجعية في التعاملات المصرفية في السوق العالمية، وكذلك بشأن دوره في دفع رشى لمسؤولين صينيين.

بنك جي بي مورغان ليس استثناءً، بل إنه يشكل القاعدة. فإن كل مصرف من المصارف العاملة في وول ستريت قد أجرى تسويات مذهلة بشأن اتهامات بالخداع والجريمة. ففي العام 2011، نشرت لجنة التحقيق الفرعية الدائمة التابعة لمجلس الشيوخ تقريراً من 630 صفحة حول الأزمة المالية للعام 2008، ويتضمن التقرير وثائق حول ما أسماه رئيس اللجنة بـ "وكر الأفاعي المالية الذي يسوده الطمع وصراع المصالح والأعمال المنكرة".

هذه الجرائم التي لا تحصى والتي ارتكبها هؤلاء الجناة مرة بعد مرة كانت لها تأثيرات واقعية جداً وتدميرية إلى حد بعيد. فقد رمي العالم بأسره في حالة ركود اقتصادي استمر حتى الآن لأكثر من خمس سنوات دون أن يطرأ عليه أي تحسن. عشرات الملايين من الأسر فقدت بيوتها بسبب الرهون الائتمانية الضخمة التي قام بترويجها جي بي مورغان ومصارف أخرى في وول ستريت.

إن انهيار أسواق العقارات والإقراض بين العامين 2007 و2008 الناجم عن المضاربات وأشكال التحايل الجاهزة على الدوام أدى إلى إفلاس بلدان بأسرها، من اليونان وإيرلندا إلى إيسلندا وإسبانيا والعديد من البلدان الأخرى. كما أن ديترويت والعديد من المدن قد أفلست بسبب تحايلات أصحاب المصارف.

وقد جرى استغلال الأزمة المالية من قبل كثير من حكومات العالم التي تعاملت معها كفرصة لشن الهجمات على شعوبها الكادحة حيث سلبتها ما حققته من مكتسبات طيلة قرن من النضال. ملايين الأشخاص قتلتهم المجاعات والأمراض والنوم في العراء بسبب ممارسات أصدقاء جامي دامون في هذا العالم.

وفي حين تردى مليارات الأشخاص في مهاوي الفقر، أصبح ديمون وزملاؤه الأثرياء أكثر ثراءً. كما أن المصارف التي يحميها السياسيون والمحققون والحكومات الفاسدة راكمت أرباحاً قياسية وحصلت على مساعدات لتعويم صناديقها بآلاف مليارات الدولارات المغتصبة من أموال دافعي الضرائب، ولكن أيضاً من السيولة المجانية التي يضخها فيها البنك الفيدرالي. فقد حصل ديمون على أكثر من 23 مليون دولار عام 2011 وعلى أكثر من 11 مليوناً عام 2012، وكل هذه المبالغ أضافها إلى ثروته التي تقدر بمئات الملايين.

ومع الملياري دولار التي دفعت كغرامة في إطار تسوية قضية مادوف، تفيد الأخبار أن جي بي مورغان قد دفع، خلال العام الماضي وحده، 20 مليار دولار لتغطية تكاليف التحقيقات والمحاكم. وتدل ضخامة هذه الغرامات على ضخامة الجرائم المرتكبة من قبل جي بي مورغان. لكن هذه الغرامات لا تشكل غير جزء صغير من الثروات التي استولى عليها المصرف المذكور، إذ إن تحديد الغرامات قد تم من قبل حكومة أوباما في مفاوضات جرت مع ديمون شخصياً بهدف عدم تعريض بنك جي بي مورغان لخطر الانهيار.

لقد حقق جي بي مورغان أرباحاً بمعدل 20 مليار دولار سنوياً خلال الأعوام الأخيرة الماضية. وهو يتباهى اليوم بأنه قد وفر مبلغ 28 مليار دولار خصصها لتغطية الغرامات والتكاليف القانونية. وفي العام 2011، وصل مجموع الأموال المتراكمة في صناديقه إلى 244 مليار دولار.
إن الطمع الشخصي هو ما يكمن وراء جميع الممارسات الإجرامية وعمليات التدمير الاجتماعي التي يقوم بها أصحاب المصارف. فهؤلاء هم طفيليات لا يمكن وصفهم، من خلال ممارساتهم، بصفة غير صفة المرضى الاجتماعيين. إن ديمون وأضرابه لا يسهمون بأي شكل من الأشكال في تحسين أوضاع المجتمع.

ليس الفساد أمراً جديداً على الرأسمالية الأميركية. ولكن الفرق بين أثرياء اليوم ولصوص الأزمنة السابقة هو في كون الأثرياء لا يسهمون في تنمية القوى المنتجة في قطاعات التعدين وصناعة السيارات مثلاً. إن أشخاصاً من نوع ديمون يحصلون على ثرواتهم عن طريق التلاعب بالمال أي، بشكل رئيسي، بمال الآخرين. فالإجرام المستشري حالياً داخل الرأسمالية يأخذ شكل أنشطة طفيلية تلحق الدمار بالقوى المنتجة.
إن ما يتدخل في صنع هذا الواقع هو أكثر من مجرد شخصية ذاتية. فديمون وأضرابه في وول ستريت هم تجسيد لنظام يتميز بمستويات مرعبة من اللامساواة الاجتماعية. وإجرامهم هو تعبير عن ظهور مجتمع يسيطر فيه واحد بالمئة من الأثرياء على واحد من عشرة من المداخيل، و1 بالمئة من الأكثر ثراءً بين هؤلاء يسيطرون على 35 بالمئة من الثروات. إن هذه المستويات من اللامساواة تقولب البنى الحقوقية والسياسية وهي، بالتالي، بعيدة عن الانسجام مع الديموقراطية.

لم تتم إدانة أي مصرف في وول ستريت أو أي صاحب مصرف نافذ، ولم يتعرضوا للملاحقة أو السجن بسبب جرائمهم. ويشكل ذلك نتيجة لسياسة متعمدة من قبل حكومة أوباما، وهذا ما كشف عنه المدعي العام الأميركي إريك هولدر في شهر آذار / مارس الماضي. فقد شرح هولدر خلال جلسة استماع أمام اللجنة الحقوقية في الكونغرس أن الحكومة اختارت عدم ملاحقة أصحاب المصارف الكبرى للسبب التالي : "إذا ما قمنا بملاحقتهم ومحاكمتهم، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج سلبية على مستوى الاقتصاد الأميركي، وربما أيضاً على مستوى الاقتصاد العالمي".
إنه اعتراف بأن طفيليي وول ستريت هم فوق القانون. لذا، فإن ما يحكم أميركا هو ليس الديموقراطية، بل انبعاث لما كان يسمى في المراحل السابقة بالامتياز الارستوقراطي. ففي ظل الاقطاع، كان الأرستوقراطي يتمتع بالحصانة أمام القوانين التي تطبق على الناس العاديين. وفي أيامنا هذه، تتمتع الأرستوقراطية عملياً بحصانة مماثلة.

إن مليوني شخص يقبعون في السجون في الولايات المتحدة. وفي كل يوم يمثل أشخاص أمام المحاكم ثم يلقى بهم في السجن لارتكابهم جرائم تعود أسبابها الرئيسية إلى البؤس الاقتصادي. فالمجتمع الأميركي هو مجتمع بلا رحمة في تعامله مع الفقراء. لكنه مجتمع متسامح إلى أبعد الحدود عندما يتعلق الأمر بالفظاعات التي يرتكبها الأغنياء.

إن هذه الشريحة الاجتماعية الرجعية هي التي تسيطر على رافعات السلطة السياسية، من البيت الأبيض إلى الكونغرس مروراً بالمحاكم. إنها تتحكم بالأحزاب السياسية الرئيسية وترشو زعماء هذه الأحزاب. وهي تمتلك وسائل إعلام جماهيرية.
ليس من الممكن تحميل أصحاب البنوك المسؤولية عن جرائمهم لأنهم هم من يتحكم بالنظام السياسي، ولأن الجريمة قد أصبحت سمة أساسية من سمات النظام المالي في الولايات المتحدة والعالم. ومجرد انهيار جانب من جوانب النظام من شأنه أن يفضي إلى تفكك سائر جوانب هذا البنيان المتعفن.

على الطبقة العاملة أن تحطم القيود التي يفرضها الأثرياء. إنها مهمة ثورية، لأن الاحتيال المالي والجريمة يدخلان في صلب بنية النظام الرأسمالي.
على الطبقة العاملة أن تنظم نفسها بنفسها للنضال ضد النخبة المالية وجميع أحزابها ومؤسساتها. عليها أن تصادر الثروات التي اغتصبها أصحاب المصارف بطرق غير مشروعة ولا اجتماعية، وأن تستخدم هذه الثروات في خلق الوظائف وتقديم الخدمات الاجتماعية لجمهور السكان. ذلكم هو الأساس الوحيد الذي يمكن انطلاقاً منه أن يساق مجرمون من أمثال جامي ديمون إلى المحاكم.

وتلكم هي نقطة الانطلاق نحو إعادة تشكيل البنية الأساسية للمجتمع. لا بد من إنهاء تبعية النظام المالي لتراكم الثروة الشخصية. لا بد من انتزاع المصارف والشركات الكبرى من يد القطاع الخاص لوضعها تحت إشراف القطاع العام بطريقة ديموقراطية بحيث يتم استخدامها في التخطيط الاقتصادي الدولي في إطار اقتصاد اشتراكي موجه نحو خدمة الاحتياجات البشرية لا نحو الربح الخاص.


2014-02-11