ارشيف من :أخبار لبنانية
مشروع كيري في المبدأ والتطبيق
د. إبراهيم علوش - صحيفة "البناء"
تثبت تجربة العقود الماضية، مذ دخلت الأنظمة العربية وقيادة منظمة التحرير حلبة الحلول التسووية في السبعينات، أنّ كلّ تنازل قدّموه على مذبح «الحل السياسي» للصراع العربي-الصهيوني كان يقابل بسقف أعلى وتشدّد أكبر من لدن العدو الصهيوني. وأوصلتنا هذه المسيرة المزرية من «الحل الشامل» إلى «الحلول المنفردة» ثم إلى التطبيع من دون حل، وإلى التنسيق الأمنيّ والسعي إلى إدخال العدو الصهيونيّ إلى نسيج المنطقة بمعاهدات أو من دون معاهدات، ومن ثم إلى استهتار العدوّ الصهيونيّ، حتى بما نصت عليه تلك المعاهدات المعيبة وصولاً إلى مطالبة السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية بالاعتراف بـ«يهودية الدولة»، وبالقبول بتهويد الغور وضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية والقدس ورمي ملف اللاجئين في سلة المهملات، على ما اتضح مما رشح عن جولات كيري المكوكية.
أيّ أنّ مسيرة التسوية المزعومة وصلت إلى نقطة باتت مطلوبة فيها التضحية بأصدقاء الأمس، وبحل مشاكل العدو الصهيوني على حسابهم. لكن ما يطرح لا يتعلق بالنظام الأردني والسلطة الفلسطينية فحسب، بل يمسّ القضية الفلسطينية نفسها، ويمسّ الاستقرار الأهلي في الأردن، ويؤسّس لتوطين سياسي يثير النعرات والفتن في إطار كانتونات تشكل معبراً وممراً للنفوذ الصهيوني في المشرق العربي برمته. فالحلّ السياسيّ المقترح يعني تحديداً: 1 - التسليم النهائي بحق العدو الصهيوني بكامل فلسطين التاريخية أيّ شطب القضية الفلسطينية نهائياً، 2 - تحويل الفلسطينيين فيها إلى مقيمين أجانب، 3 - التمهيد لطردهم من الأرض المحتلة عام 48، 4 - التأسيس لفتنة أهلية أردنية-فلسطينية أسوة بما يجري في دول الجوار.
ليس هناك من تطبيع أو «سلام» مشرّف مع العدو الصهيونيّ الاستيطانيّ الإحلاليّ الذي لا يستطيع أن يستمرّ في بلادنا على المدى الطويل إلاّ بتفكيكها وضرب الهوية الجامعة للأمة. لكن جولات وزير الخارجية الأميركي جون كيري، التي بلغت إحدى عشرة جولة حتى الآن، تشكل حضيضاً جديداً في مسار التفاوض العربي-الصهيوني عامة، والسلطوي-الصهيوني خاصة. وقد انطلقت مبادرة كيري لاستئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني في تموز 2013 بعد توقف المفاوضات العلنية والدورية بينهما عام 2010، وارتبط توقيت إعادة تفعيل ملف التفاوض المباشر السلطوي-الصهيوني قبيل أقل من ستة أشهر بالحاجة الأميركية إلى تسكين الملف الفلسطيني قبيل العدوان الذي كان يتم الإعداد له على سورية، أسوة بما جرى قبيل العدوان على العراق عام 2003 خريطة الطريق وليبيا عام 2011 استحقاق أيلول .
إجهاض العدوان الأميركي المباشر على سورية عبر المبادرة الروسية لم يؤدِّ إلى وقف جولات كيري أو إنهاء مبادرته، بل دفع الكيان الصهيوني إلى التعامل معها باستخفاف أكبر، ما دامت الحاجة المباشرة إليها لم تبق قائمة، سوى أن الكيان الصهيوني يحتاج إلى استمرار التفاوض كعملية إلى ما لا نهاية يغطي بها مشروعه لـ: 1- تهويد القدس والأقصى، 2- تهويد غور الأردن، 3- توسيع مستعمرات الضفة الغربية. أما الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي فلا يزالان في حاجة إلى إنجاز سياسي على الصعيد الفلسطيني يغطيان به تدخلاتهما العدوانية في العالم العربي وفي سورية خاصة على هيئة مشروع «سلام»، لا «ديموقراطية» و»حقوق إنسان» فحسب.
وككلّ تسوية، لا بد من أن تعكس التسوية التي يقترحها كيري ميزان القوى على الأرض في حين تعيش القضية الفلسطينية إحدى أسوأ مراحلها في ظلّ تورّط حماس في المشروع «الإخواني» في الإقليم، وتخلّي السلطة الفلسطينية المسبق عن أيّ أوراق يمكن أن تلعبها على طاولة التفاوض، وانهماك النظام الرسمي العربي بمحاربة سورية بدلاً من محاربة العدو الصهيوني، وانحراف بوصلة «الربيع العربي» في اتجاه التركيز على أجندة «الإصلاح الديموقراطي» على النمط الأميركي بدلاً من أولوية التناقض مع العدو الصهيوني والهيمنة الإمبريالية. فليس غريباً بعد ذلك أن يكون «اتفاق الإطار» الذي يريد كيري فرضه لاستمرار التفاوض سنة أخرى مائلاً لمصلحة العدو الصهيوني في القضايا الأساسية مثل القدس والغور والمستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية والأهمّ في ما يتعلق بعودة اللاجئين من البيوت والأراضي التي طردوا منها عام 48 أو عام 67.
لذلك فإنّ «اتفاق الإطار» الذي يقترحه كيري أدنى سقفاً من اتفاقية أوسلو نفسها، بقدر ما يمثل تتمة طبيعية لها ولمعاهدة وادي عربة واتفاقية كامب ديفيد و»مبادرة السلام العربية». وفي الآن عينه يصعّد العدو الصهيوني تهويد النقب وبطرح المشاريع لتهجير 300 ألف فلسطيني من الأراضي المحتلة عام 48.
ما يحصل يعكس حالة ضعف السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية المستسلمة والمطبعة التي مهدت باستسلامها وتطبيعها الأساس لأفولها اللاحق، فمن رضي بتوطين اللاجئين في معاهدة وادي عربة بات يشعر الآن بأنّ المطروح ليس سلاماً، بل تصدير أزمة اللاجئين للأردن، والتأسيس لنزاع أهلي فيه. ومن احتضن إطلاق المفاوضات المباشرة بات الآن يتوجّس خيفة منها. ومن ظن أنّ التفاوض العبثي هو طريق «الدولة» نرى أن شعار الدولة سخيف لأنّ أي شعب تحت الاحتلال يفترض أن يكون شعاره التحرير لا الدولة بات يدرك تدريجياً أن المطروح هو كيان وظيفي بلا سيادة ولا حدود وحول ولا طول في خدمة العدو الصهيوني إقليمياً. فالحمدلله على السلامة يا جماعة.
المطروح ثمرة طبيعية للاعتراف بالعدو الصهيوني وللتعاهد والتطبيع معه، ويعني فعلياً تصفية القضية الفلسطينية وتدمير الأردن، أسوة بما يحصل في بعض الدول المجاورة له، لذلك نكرر: نحن لا نحدثكم بلغة المبادئ، بل نقول لكم إنكم لو أردتم أن تحموا أنفسكم فعليكم أن تبطلوا المعاهدات وتغلقوا السفارات وتوقفوا التطبيع مع العدو الصهيوني، ونكرر: لا نطلب منكم أن تقاتلوا، بل لا تقفوا في طريق من يريد أن يقاتل، والحديث موجّه إلى السلطتين الأردنية والفلسطينية والأنظمة العربية بالتأكيد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018