ارشيف من :أخبار لبنانية

مروان شربل «بيمون»: الجميع «همشرياتي»...

مروان شربل «بيمون»: الجميع «همشرياتي»...

رولا إبراهيم - صحيفة "الأخبار"

يمكن اللبنانيين أن يسمّوه ما شاؤوا: «أبو ملحم»، الأب ترديف، الأم تيريزا. لا أن وزير الداخلية مروان شربل، لا ينفك يفاجئهم في كل يوم بـ«نهفات» تتطلّب صفات إضافية على ما سبق. رغم ذلك، نجح شربل في بناء ما فشل فيه بعض سابقيه بوسائل مالية وإعلامية: «البروفيل» الشعبي والعفوي.

يتحدّى وزير الداخلية مروان شربل تهديدات «داعش» و«لواء أحرار السنّة» وغيرهما. لا تفتيش دقيقاً قبيل الدخول إلى وزارة الداخلية في منطقة الصنائع. تكفي كلمة السر، «مروان شربل»، حتى تُفتح العوائق الحديدية. في الداخل، إجراءات أمنية روتينية، ولكن ضرورية، لتمرّ إلى حيث تنتظرك قبلة مستشار الوزير ميشال كرم وفنجان القهوة. سريعاً تلحظ نقاط التشابه بين كرم وشربل. وتزيد قناعتك بهذا التشابه حين يخبرك كرم بأنه والوزير «أعزّ الأصحاب» منذ زمن: يمكن حديثَ كرم أن يكون امتداداً لكلام شربل أو العكس، المهم أن الرجلين يغرفان من القاموس ذاته. مع مروان شربل، لا يضيع الصحافي، كما غالباً، بين قناع السياسي الإعلامي ووجهه الحقيقي. هو، تماماً، كما يعرفه الجمهور والرأي العام، وبالصورة التي يتناوله فيها الشباب على «فايسبوك» و«تويتر» وفي مجالسهم اليومية... والصورة هذه تعجبه ولا يرغب في تبديلها.

تفرحه حيثيته بين الشباب وكيف يتهافتون لأخذ الصور التذكارية معه أينما وجد، أكان في المناسبات الدبلوماسية والسياسية أم الاجتماعية، وخصوصاً أنهم يقصدونه من بين كل الشخصيات الأخرى الموجودة معه: «بقلن ما تخافوا أنا عم ببنيلكن الطريق والبلد لإلكن، ما تردّوا عحدا. قولوا كلمة الحق وامشوا». يدرك الوزير أنه أصبح ظاهرة، وأنه من خلال عفويته وسهولة مقاربته للأمور واستعارته للسان المواطن و«نهفاته»، تمكّن من دخول منازل محبيه ومنتقديه، الأمر الذي فشلت فيه غالبية من تعاقبوا على الوزارة رغم صرفهم على «بروفيلهم الشعبي» آلاف الدولارات. كارهوه وصانعو النكات حوله هم حتماً «منغمسون في السياسة وتابعون لفريق ما»، أما محبّوه فـ«كتار وبيشبهوني: neutre». يحب مروان شربل، بالتساوي، جميع اللبنانيين: سلفيين وغير سلفيين، سياسيين، رؤساء، قادة أجهزة أمنية وقادة محاور أيضا. لذلك يفضل التحاور معهم على استعمال القوة، «ابني إذا غلط أول ما يفوت عالبيت ببلش في ضرب ولا بحاورو؟»، يسأل شربل. هكذا، تمكّن من كسب ثقة سلفيي طرابلس و«همشرتهم» ليصبحوا «أصحابي»، وهكذا تمكن أكثر من مرة، «بالمونة» وعبر الهاتف، من حل بعض خلافات الشمال من أعمال تخريبية وقطع طرقات من دون حاجة إلى استعمال القوة: «حتى بعض الاشتباكات بحلّا عالتليفون وبقلن للشباب يهدّوا شوي»!

وما ينطبق على طرابلس، ينطبق على آل المقداد حين نزل حيّهم في الضاحية لإقناع المعتصمين بإعادة فتح الطريق. سريعاً تمكن من حلّ المشكلة «بمحبة ورشّوا عليي ورد وفلّ». ما سبق يزيد إعجاب شربل بنفسه: «معجب بحالي كيف اجتني هالقدرة إني اقدر حاور، أنا ما كنت هيك بس الظروف جبرتني. القواص ما بجرّ إلا المشاكل وبصير يقولولك يا غيرة الدين».

خلافاً لسابقيه، لا فريق فعلياً لشربل يحيط به سوى مستشاره الذي بات يعرف أصول لعبة الأمن جيداً، فيموّه في مواعيد دخول الوزير وخروجه كي يحميه. أبقى شربل على موظفي الوزارة وفريق الوزير سابق زياد بارود من عسكر ومدنيين: «ما عندي زلم أو فريق خاص، وهيدي قوتي. الله يلهم شي واحد ويجرّب يغلط». عند تسلمه الوزارة، أفهم الجميع بضرورة الابتعاد عن الـ«سين سين»: السرقة والسياسة ومن ينشغل بواحدة منهما «ما يلوم إلا نفسو». الإبقاء على الطاقم القديم لا يعني أن الوزير غافل عمّا يجري داخل أروقة الوزارة؛ إذ ينشر مخبريه في مختلف الدوائر ويقاطع بين معلومات مختلف الأجهزة والمعلومات التي ترده. يتفاخر بوفائه للرئاسات الثلاث وبعلاقته الطيبة مع الأحزاب التي تربّي لديه الكثير من الأعداء في المقابل. وذلك كله، بحسب شربل، لأنه «أقوى من الكرسي ولا أتركها تعمي عيني»، كذلك فإنه لا يستعملها ليزيد من شعبيته في جبيل ويترشح لاحقاً.

«أحب الجميع»

أمنياً، يمكن شربل أن يتحدث لساعات عن إنجازات الوزارة بالتعاون مع فرع المعلومات والأمن العام والأمن الداخلي في القبض على المجرمين والخاطفين وسارقي السيارات، من دون إغفال إصلاحاته في سجن رومية، فضلاً عن الإنجازات الأمنية غير المعلنة لأسباب داخلية. يطيب للوزير تسمية فرع المعلومات بـ«الشعبة»، حتى لو لم يُبَتّ مرسوم مجلس الوزراء (أقرّ عقب اغتيال اللواء وسام الحسن) القاضي بتحويلها إلى شعبة حتى اللحظة بسبب ــ وفقاً للوزير ــ خلاف سياسي في الرأي، وبات الأمر يتطلب تعديلاً في القانون. ولكن، «لا يهم إن كانت شعبة أو فرعاً. الأهم هو كيفية ممارسة العمل وإنتاجية الضباط الاختصاصيين. وبالنسبة إليّ، الفرع شعبة ويغطي الكثير من الأمور المهمة». ينفي شربل أن يكون في استطاعة الفرع أو أي جهاز أمني تابع للوزارة وتحت وصايتها التصرف من «وراء ظهر وزير الداخلية»، على الأقل «ليس على أيامي». علاقاته مميزة بكل من المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم والمدير العام لقوى الأمن الداخلي بالوكالة العميد إبراهيم بصبوص ورئيس فرع المعلومات العميد عماد عثمان، وحتى المدير السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. الأخير وشربل ينسقان أحياناً في بعض شؤون طرابلس، ويعمل ريفي اليوم «في السياسة مستفيداً من العلاقات المهمة التي نسجها خلال منصبه السابق». أما في ما خص سابقة عدم إقرار تشكيلات الضباط في قوى الأمن الداخلي منذ نحو تسعة أعوام، فيردها شربل إلى ضرورة وجود مجلس قيادة لاتمام الأمر. و«إنجازي، هنا أيضاً، أني خلقت مجلس قيادة يتوقع أن يبدأ في إقرار التشكيلات قريباً».

وبعيداً من التشكيلات، ماذا عن ظاهرة المحافظين بالوكالة كمحافظ بيروت، مثلاً، ومحافظ جبل لبنان ومحافظ الجنوب الذين لم يضغط لتعيين بدلاء أصليين لهم. هنا، أيضاً، يجد شربل جواباً؛ فتعيين موظفي الفئة الأولى يحتاج إلى أن يمر بمجلس الخدمة المدنية حيث تجرى الامتحانات، والحال أن رئيس المجلس تقاعد «وطارت الحكومة». لا يكاد ينهي جملته حتى يعقب بأخرى عن العرقلة السياسية التي تحول دون تعيين موظفي الفئة الأولى؛ إذ يحتاج القرار إلى ثلثي مجلس الوزراء. وهنا لا ينكر معاليه أن عهده ارتدى طابعاً أمنياً وليس إدارياً، رغم كون وظيفة الوزير الأساسية إدارية بامتياز. ولكنه تمكن، مثلاً، من وضع مشروع مكننة الأحوال الشخصية على النار، حيث كلّف شركة فرنسية تولي مهمة تحديث مشغل الهويات، أما رقم الهوية الموحد فسينطلق من المديرية العامة للأحوال الشخصية. ما سبق لا يعني أن سجلات اللبنانيين وهوياتهم باتت قوب قوسين من المكننة؛ إذ يحتاج المشروع إلى نحو أربع سنوات ليبدأ بالعمل. فضلاً عن ضرورة ترميم السجلات في كل مراكز وأقلام النفوس قبل المكننة، الأمر الذي نفذ في بعلبك (بعد سنتين من العمل) وسينفذ قريباً في صيدا والشمال. على المقلب الآخر، تمكنت وزارة الداخلية في فترة وجيزة من إعادة تفعيل غرفة التحكم المروري التي تعمل على مراقبة حركة السير طوال اليوم، والتي لاقت نجاحاً كبيراً، وخصوصاً في صفوف المواطنين.

منذ أسبوعين، حزم شربل كتبه وممتلكاته الشخصية وأصبح جاهزاً لمغادرة الوزارة متى قرروا تشكيل الحكومة. يتذكر كيف حالفه الحظ بتسلّم وزارة الداخلية، وهو الذي كان يستعد للسفر في إجازة إلى المكسيك لزيارة أشقائه. لا يستطيع إخفاء ابتسامته؛ فالوزارة غيّرت حياته وأكسبته علاقات دبلوماسية وسياسية وشعبية سيعوّل عليها في السنوات الآتية. ليس شربل طارئاً على الداخلية، بل يحفظ شاردتها وواردتها والمتعاقبين عليها من عسكر وموظفين منذ عام 2000 عندما تسلم قيادة القوى السيارة في عهد الوزير السابق إلياس المر، وتدرج فيها حتى تاريخ تقاعده الذي يعجز عن تذكره. لذلك لم يجد صعوبة في العودة إليها حين وقع الخيار عليه. ولكن ماذا بعد الوزارة؟ سيعود معاليه إلى السهر مجدداً أربعة أيام في الأسبوع كالسابق، معوّلاً على نسيان «داعش» وأخواتها له «نتفة نتفة». لا يخطط للترشح إلى النيابة كبعض الوزراء، ولن يعمل للترشح إلى رئاسة الجمهورية. ولكن إذا رأى السياسيون ضرورة تربعه على كرسي الرئاسة «فسأرحب». هنا، برنامج شربل الرئاسي «مش تأظهر بصورة القوي، بل كي أبني دولة فعلية: سأبدأ بالتعاون مع الحكومة لبناء مؤسسات الدولة وإقرار التعيينات ومعالجة الأمور الاقتصادية والاجتماعية، وأنتهي عند وضع الشخص المناسب في المكان المناسب». لا يزال هناك الكثير، لكن الوزير سيعلن عن الباقي في الوقت المناسب.
2014-02-15