ارشيف من :أخبار لبنانية
ذكرى 14 شباط: الأوركسترا لا تزال تعزف
ميسم رزق - صحيفة "الأخبار"
أراد منظّمو ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مساعدة الوافدين إلى البيال، من الألف إلى الياء. بدا ذلك واضحاً على المدخل الخارجي. ثمّة لافتة كبيرة زرقاء اللون، مكتوب عليها «مدخل المدعوين». تحتها، رجال أمن، تولّوا مهمّة الحراسة المشدّدة، والتفتيش الأمني غير المسبوق. أو يُمكن القول، إنه «الأكثر تضييقاً» على الناس، منذ انطلاق الذكرى.
فالخوف من أي عمل إرهابي، يستهدف الحفل، خيّم على المسؤولين، منذ بدء التحضيرات. لم تكُن حماية الناس الآتين إلى وسط بيروت، هي المهمّة الوحيدة التي أوكلت إلى عناصر الشرطة والأمن. مهمّة ثانية، تكفّل بها هؤلاء، تمثّلت بشرح خريطة الطريق المؤدية إلى باب القاعة الداخلية. ولأن، تيار المستقبل حريص على راحة مناصريه، كان، لا بدّ من الاستعانة بسيارات تاكسي، لنقل الناس من الخارج إلى الداخل. السائقون لا ينتمون بالضرورة إلى فريق الرابع عشر من آذار، ولا إلى تيار المستقبل. كلام أحدهم أثناء القيادة، على فريقي الصراع «اللي خربوا البلد» كان كفيلاً بأن يثير استياء إحدى مناصرات الرئيس سعد الحريري. لكن حديثه ليس مهماً. الأهم، في نظرها، كان «عدد الذين أتوا إلى هنا، لتجديد الولاء». للأمانة، لا بدّ من الاعتراف بأن الاحتفال هذا العام، لم يكُن مميزاً من حيث التنظيم وحسب، بل لجهة الحضور. لم يكُن نصف المقاعد فارغاً، كما السنوات الماضية. بل على العكس، امتلأت القاعة المقفلة بأكملها، حتّى إن عدداً كبيراً من الحاضرين، الذين دخل قسم منهم من باب «الشخصيات المهمة جداً»، والقسم الآخر من «البوابة العادية»، اضطُر إلى متابعة الاحتفال واقفاً على قدميه، في الداخل، وحتى في الباحة الخارجية. قبل إحياء الذكرى، كان لسان حال كل من شارك في عملية التنظيم، يقول بأن ثمّة شيئاً مميزاً هذا العام. من المؤكّد أن التنظيم والحضور، كانا هما المقصودين. لم يختلف التنظيم الخارجي عن التنظيم في الداخل. هناك أيضاً، حرص الكوادر وكشافة المستقبل على تسهيل الأمور للشخصيات الرسمية، كما للمواطنين، والصحافيين الذين أتوا للتغطية. لكن أحداً منهم لم يُزوّد على المدخل بشال أزرق، ولا بصورة لزعيم تيار المستقبل، فُقدت على جدران القاعة، كما جرت العادة. دخل الجميع فارغين، إلا من حشرية معرفة مضمون كلمة «الشيخ سعد».
لم تتبدلّ وجوه أصحاب الصف الأول. هي نفسها كما في كل عام. نواب ووزراء سابقون، وشخصيات أمنية وسياسية محسوبة على فريق الرابع عشر من آذار. غاب الرئيس المكلّف تمام سلام، فأرسل زوجته لتمثله. فيما اكتفى النائب وليد جنبلاط بنائبه دريد ياغي، ليحلّ محلّه. لم يظهر سمير جعجع، لكن زوجته النائبة ستريدا جعجع حضرت، من دون أن يركز التصوير التلفزيوني على وجودها. شيوخ بكفيا فضلوا الغياب. لم يدخل الشيخ أمين الجميّل القاعة على حين غرّة، ولا حتى النائب سامي الجميّل، الذي ارتأى الاستمتاع بطقس بكفيا، بدلاً من «الأسر» ضمن أربعة جدران.
اللافت، أن نواب تيار المستقبل أتقنوا تمثيل دور الكتلة المتناغمة. دخلوا على شكل مجموعات، حسب المنطقة التي يُمثلونها. حتى أولئك الذين تشوب علاقتهم بعض التوتر، ادعوا الصداقة، احتراماً للمناسبة. فيد النائب جمال الجراح، التي أمسكت بيد النائب زياد القادري، كانت مثالاً.
المشهد المعتاد، كان في السلام الحار بين النواب. لا شيء جديداً باستثناء التصفيق الحار الذي حازه الأب الروحي لقادة المحاور في طرابلس، اللواء أشرف ريفي. الحضور الشمالي كان طاغياً على «غير الرسميين». ومن بعد ريفي الرئيس فؤاد السنيورة، والأمين العام للتيار أحمد الحريري. سلب هذا الثلاثي المشهد بداية. أكدوا بطلّتهم ما يعرفه الجميع. إنهم نجوم المستقبل بامتياز. لم ينقصهم سوى النائب نهاد المشنوق الذي غاب بداعي السفر.
بعد تأخير تقني، مدّة نصف ساعة عن الموعد المحدّد لبدء الاحتفال، افتتحت الذكرى بالنشيد الوطني اللبناني. من ثمّ، دقيقة صمت على أرواح الشهداء الذين توزعت صورهم، يذيلها تاريخ استشهادهم. اللواء فرنسوا الحاج وحده لم يكُن موجوداً بينهم. فريق الرابع عشر من آذار، المعروف بمفاجآته، لم يتعب نفسه في تحضير ما يليق بهذه الذكرى. لم يجِد هذا الفريق مضموناً مناسباً، لشدّ عصب الجمهور وإثارة السخرية، أثناء العرض. تكاسل، فأنتج مادة شعبوية، تضمنت كلمات لشخصيات من فريق الثامن من آذار، وعلى رأسها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، تناولت عمل المحكمة واتهمتها بأنها «أميركية – إسرائيلية»، مدعومة بصور تُظهر أوركسترا تعزف بإمرة قائدها. بعد ذلك، ظهرت مطرقة «العدالة»، يليها وثائقي عن عمليات الاغتيال التي استهدفت الشخصيات الآذارية، مزوّداً بمشاهد انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005. بدا لافتاً غياب أي ذكر لما يجري في سوريا عن «وثائقيات» 14 شباط. ولأن الإرهاب يتجزأ في قانون الآذاريين، لم تفرض «العدالة» عليهم ذكر أي من العمليات الإرهابية التي استهدفت أهالي الضاحية والهرمل. هنا، القاتل معروف، ولا داعي لمهاجمته. فالحرب، هي ضد حزب الله. و«زمن العدالة» لا ينصف سوى من ينتمي إلى «مشروع العبور إلى الدولة».
ولأنّ لهذا الفريق «زمناً جميلاً»، نبش الآذاريون شخصية «استثنائية» لإلقاء خطاب سبق كلمة الرئيس الحريري، فلم يجدوا بديلاً من الوزير السابق شارل رزق، للقيام بالمهمة. فرزق هو وزير العدل (قبل أيار 2008) الذي رعى قيام المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
لم يتأخر «الشيخ سعد» في إطلالته. عبر شاشة، خرج «الزعيم» مخاطباً جمهوره. لم يأت الحريري بجديد، باستثناء الجهر بعداوته لتنظيم القاعدة، والتزامه نصيحة مساعديه بالوقوف بشكل استعراضي مقدّما كتفاً على الأخرى، ومكثراً من تحريك يديه، ومقللاً من شرب الماء. أكثر ما لفت الأنظار في إطلالة الشيخ سعد، هو الكمية الكبيرة من الماكياج على وجهه. الماكياج ليس للتجميل بالضرورة. يوضع على وجه الواقف أمام إضاءة التصوير، لكي لا تلمع وجنتاه. لكن «مزيّن» الرئيس الحريري بالغ في الماكياج على وجهه حتى بدا شاحباً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018