ارشيف من :أخبار لبنانية

القبض على نعيم عباس لن يُنهي حركة الإرهاب

القبض على نعيم عباس لن يُنهي حركة الإرهاب

ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"

هل القبض على نعيم عباس كاف للزعم بأن الخطر الذي مثّله الإرهاب طوال الأشهر الماضية قد ابتعد إلى حد الزوال؟

لا ريب أن الأجهزة الأمنية الرسمية و"حزب الله" وكل المعنيين مباشرة بهذا الملف الحساس والمعقد يتصرفون على أساس أنهم حققوا انجازاً نوعياً يعتد به. فـ"الصيد" الذي وقع في الفخ بعد جهد ولأي طويلين ذو قيمة أمنية عالية، فهو الخبير المدرب البالغ من العمر 44 سنة والذي تنقّل بين عدد من الفصائل الفلسطينية كان آخرها حركة "الجهاد الاسلامي"، فضلاً عن أنه درّب وتدرّب في لبنان وسوريا والعراق، وكان الأهم من عملية اعتقاله سرعة إفشائه بقسم كبير من المعلومات الأمنية الخطيرة التي يختزنها، إلى كونه نقطة تقاطع بين العديد من المنظمات المتشددة التكفيرية.

كذلك فإن هاتين الجهتين، أي الأجهزة الأمنية الرسمية والحزب، يعتبران أن الصيد الامني الواقع في الفخ للتو، هو الحلقة الأعلى في سلسلة رموز إرهابية قبض عليها في الآونة الأخيرة في حالة ضلوع مباشر بالاعمال التخريبية، وفي حالة تحضير ونقل وتعبئة وحشد توزعت بين البقاع وبيروت ومخيم عين الحلوة.

هذه الإنجازات مجتمعة والتي تمت خلال فترة قياسية في قصرها (أقل من ثلاثة أسابيع)، من شأنها أن تضيّق الحصار والخناق على الإرهاب الفالت من عقاله والذي سرح ومرح بحرية نسبية في الآونة الأخيرة واجداً له بيئة حاضنة منظمة ومترابطة بشكل عنقودي الى حد بعيد، لكنها، على أهميتها ونوعيتها لن تجعل المعنيين ينامون على حرير هذا الإنجاز، ويتصرفون على أساس أنهم ادوا قسطهم للعلى، انطلاقاً من قراءة عميقة فحواها أن هذا الإرهاب الوافد بغالبيته قد اتخذ كل "الاحتياطات" الممكنة ليصمد وليكون عصياً على الاجتثاث مستغلا فترة تحضير واستعداد عمرها من عمر اشتعال فتيل الاحداث في الساحة السورية، وإمساك المنظمات والتيارات المسلحة "القاعدية" الهوى بالقرار الميداني للقوى المعارضة للنظام في سوريا.

وعليه ثمة إقرار بأن الإنجاز النوعي المبين ما كان ليتحقق بهذه السلاسة لولا تضافر جملة عوامل منها الرفد المعلوماتي الخارجي والداخلي، والذي وفر لجهاز المخابرات في الجيش، وهو جهاز معاد تلقائياً للتشدد وله ثأر معه، قاعدة بيانات شبه متكاملة كانت كافية لكي تنفتح أمامها مغاليق خلايا الإرهاب ومجموعاته المتناثرة والمترابطة على حد سواء خصوصاً بعدما اعترت ممارساته وعملياته الثلاث الأخيرة جملة أخطاء، على نحو بدت وكأنها "صنعت" وأعدت على عجل فاستفاد منها الخصوم.

وعموماً فإن الجهتين عينهما تقاربان المسألة من باب ان ثمة في العتمة بؤراً إرهابية أخرى متحفزة تنتظر الإشارة للتحرك وأن الخسارة المدوية التي مُني بها هذا الإرهاب أخيراً، لا تعني إطلاقاً أنها نهاية المطاف والمحطة الأخيرة في رحلة الألف ميل وأن عليه بعدها أن يترجل أو يرحل إلى حيث أتى.

وبناء على كل هذه المعطيات فإن الدوائر المعنية بملاحقة هذا الموضوع في "حزب الله" وضعت في ضوء ما حصل خطة محكمة عنوانها العريض الحيلولة دون أن يحقق الارهاب أية مكاسب أخرى ويسجل أية انتصارات جديدة. وهي خطة من شقين:

- شق تفصيلي تم الافراج عن بعض خطوطه العامة.

- وشق إجرائي – ميداني بقي طي الكتمان.

ولعل من أبرز خطوط الشق الاول: المساعدة في استيلاد حكومة جديدة من شأنها أن توفر مظلة وطنية لمواجهة الارهاب يشارك فيها الجميع بمن فيهم الذين كانوا يقدمون "غطاء تبريرياً" للممارسات والاعمال الارهابية من خلال اعتبارهم اياه رد فعل على فعل انخراط "حزب الله" في الميدان السوري. فضلاً عن ان ولادة هذه الحكومة هو في ذاته انجاز يخفض منسوب التوتر والاحتقان السياسي المتعاظم في الساحة اللبنانية منذ اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري قبل أكثر من ثلاثة أعوام.

وفي الاجمال، ان ميلاد الحكومة يعني تبديد منطق سياسي ساد لفترة طويلة وشكل بشكل أو بآخر حبل سرة رفد الارهاب، أو على الاقل منطقته خصوصاً انه بدأت تتكون لدى الحزب قناعات فحواها ان الارهاب هو في الغالب الأعم وافد وارد من الخارج والجذور التي يحاول ارساءها في التربة اللبنانية ما فتئت هشة طرية، بدليل ان معظم رموز الارهاب السبعة التي اعتقلتها مخابرات الجيش هم فلسطينيون، واللافت ان ثلاثة منهم كانوا في حركة "الجهاد الاسلامي"، أو هم سوريون أو لبنانيون تربوا في المناخ الجهادي الفلسطيني.

أما الشق الإجرائي – الميداني فيتلخص بأمور أربعة:

الاول: استمرار الاجراءات الامنية المشددة في الضاحية الجنوبية خصوصاً وفي مناطق أخرى بعدما نجحت هذه الاجراءات في التضييق على حركة الارهابيين الى أقصى الحدود، مستفيدة من ثغر وتجارب سابقة.

الثاني: العمل سريعاً لسد ما سمي "ثغرة" يبرود. فلقد صار ثابتاً لدى "حزب الله" والأجهزة الأمنية الرسمية ان معظم السيارات التي فجرها الارهابيون في الضاحية والهرمل وبئر حسن قد فخخت في عاصمة منطقة القلمون (أي يبرود) وسربت عبر معابر ومنافذ شتى الى الاراضي اللبنانية.

وعليه فإن ثمة أجواء ومناخات مفادها ان العملية التي شرع بها الجيش السوري ضد يبرود في الساعات الماضية هي في جزء اساسي منها الحد من عمليات الارهاب في الساحة اللبنانية.

وبحسب المعطيات الميدانية فإن بين يبرود وعرسال 18 منفذاً ومعبراً جردياً وان الهدف الاساسي لعملية الجيش السوري الحالية هو قفل 14 منفذاً نهائياً والسيطرة بالنار على الاربعة الاخرى، هذا إذا كان الهدف الاساسي من عملية الجيش السوري هو احكام الحصار على يبرود توطئة "لخنق" المسلحين فيها وليس اسقاطها في المرحلة الاولى، انطلاقاً من معادلة ميدانية فحواها ان الجيش السوري يمارس الآن عملية "جس نبض" بالنار للواقع الميداني في داخل يبرود، فإذا نجح في تطهيرها نهائياً فسيقدم وإلا فسيعمدالى خنقها لدفعها للاستسلام لاحقاً.

الثالث: استكمال "الضربات" الأمنية النوعية التي تقوم بها مخابرات الجيش بعدما صارت تقيم على قاعدة بيانات ومعلومات مهمة جداً، ستفتح أمام الجيش بالتأكيد كل "عالم الارهاب" المعتم.

الرابع: التوجه نحو العامل الفلسطيني لا سيما بعدما تبين بالدليل العملي ان مخيم عين الحلوة هو "خزان" عقول الارهاب وحصنها الاساسي.

في السابق قدمت جهات فلسطينية معلومات عن بؤر الارهاب والتشدد الكامنة في هذا المخيم المكتظ، لكنها لاحقاً أبلغت من يعنيهم الامر بأن لذلك حدوداً، لأن الاستمرار في هذا الطريق أي تقديم اخباريات ومعلومات عن تحرك المجموعات الارهابية سيقود حتماً الى انفجار "حرب اهلية" ومواجهات في داخل المخيم المتوتر أصلاً. لكن الثابت ان الجهات المعنية بجبه الارهاب لم تعد تقبل من الفصائل الفلسطينية إعلان التبرؤ من عباس وسواه فقط.
2014-02-15