ارشيف من :أخبار لبنانية

عوامل التمديد غير مؤمّنة والفراغ عواقبه وخيمة

عوامل التمديد غير مؤمّنة والفراغ عواقبه وخيمة
شادي جواد-"البناء"

بعد 315 يوماً من المد والجزر والمخاض العسير، ولدت الحكومة التي كان ينتظرها الشعب اللبناني بفارغ صبرٍ علّها تنتشله من الضيق الذي يكتم على أنفاسه، وتحول دون إنزلاقه إلى آتون الصراعات، وتبعده عن الحريق الذي يُلهب المنطقة. غير أنه وفور إعلان المراسيم من القصر الجمهوري مصحوبة بتحديد الحقائب والأسماء، وجد نفسه أنه أمام حكومة لا يسعه إلا ويطلق عليها إسم حكومة الفراغ، أو حكومة المتاريس العالية، كونها غير متجانسة بمكوناتها التي هي أقرب إلى مجموعة مختلفين وأضداد حكمت الظروف أن يكونوا حول الطاولة.

ومن الطبيعي أن يطرح السؤال التالي: ما دام تأليف الحكومة استغرق عشرة أشهر وعشرة أيام، فكيف سيمكن الذهاب إلى الاستحقاق الرئاسي الذي هو أخطر بكثير من حكومة عمرها لن يصل إلى ثلاثة أشهر؟

إن دراسة بسيطة لواقع الحكومة الغريبة العجيبة، تظهر بأنه لن يكون بإمكانها على الإطلاق التحضير للتوافق على رئيس جديد للجمهورية، وإن من شأن ذلك أن يطرح أحد أمرين الفراغ أو التمديد للرئيس الحالي.

من خلال المعطيات الموجودة يتبيّن أن الفراغ هو الأقرب مدى بسبب افتقاد التمديد لعنصر الدعم الخارجي أولاً، حيث أن هناك من ينقل أن الرئيس ميشال سليمان أسرّ يوماً إلى أقرب الناس إليه، بأن السعوديين وكذلك الفرنسيين أكدوا أنهم يؤيدون التمديد له، غير أنهم فشلوا في تسويق هذه الرغبة لدى الأميركيين الذين أكدوا بشكل قاطع أنهم مع إجراء الانتخابات الرئاسية ولا يحبذون الذهاب إلى خيار التمديد.

كما أن التمديد يفتقد ثانياً للعنصر الداخلي، حيث لا يوجد أي طرف سياسي على الإطلاق ينحاز إلى جانب التمديد الذي من الممكن أن يميل معه الرئيس سعد الحريري وتيار «المستقبل»، في مقابل رفض الكتائب و«القوات» والتيار الوطني الحر، وحزب الله وأمل وبكركي، وبما أن حظوظ التمديد حتى هذه اللحظة ضئيلة ما لم نقل معدومة، فماذا سيتأتى عن الفراغ إن حصل؟

ما من شك في أن الفراغ على المستوى الرئاسي يعني دخول البلد في متاهة طويلة الأمد، وهو ما قد يفتح البابا واسعاً أمام توترات أمنية وحلقة جهنمية، وقد يجد الشعب اللبناني نفسه ينقاد باتجاه الدخول إلى معترك جديد يفضي حكماً إلى نظام سياسي جديد على غرار ما حصل في الطائف، وكذلك في الدوحة، وإن لم يكن على المستوى نفسه، وهذا الأمر يتمنى حصوله غالبية اللبنانيين من مسلمين وكذلك من مسيحيين.

وإذا استطاعت الحكومة الإفلات من تحت دلفة التمديد، فإنها لن تفلت من تحت مزراب الفراغ الذي سيكون كالسيف الذي ليس له إلا حد واحد لا يصيب إلا عنق الحكومة، لنعود مجدداً بعد ذلك إلى دائرة التجاذبات والصراعات، سيما وأن المعادلة في لبنان باتت مقلوبة، حيث أن الشارع هو من بات يقود السياسة الآن وليس العكس على جاري العادة.

ومن نافل القوى أن لبنان لا يمكن أن يقوده فريق سياسي لوحده، بل إنه قائم على معادلة ثابتة وراسخة عنوانها التفاهم والتوافق، وإن أي خلل في هذه المعادلة يعني الانزلاق إلى متاهات غير محمودة، وهذا ما يؤكد ضرورة أن تتجاوز مكوناتُ الحكومة الجديدة الخطابَ الكيدي والنكدي والاستفزازي، لأن رفع المتاريس على طاولة مجلس الوزراء سيعجل في فرط عقد هذه الحكومة التي هي أصلاً وحكماً ستكون الأقصر عمراً في تاريخ الحكومات مع أنها، ويا للمفارقة، كانت الأطول مدة في تاريخ الحكومات من حيث المشاورات للتأليف.

لا شك أن قِصَر عُمر الحكومة يجب أن يكون حافزاً لها للإسراع في التفاهم على البيان الوزاري الذي ستبدأ اللجنة التي ستشكل لهذه الغاية عملها بدءاً من الغد وسط لغمين كبيرين، الأول يتعلق بتمسك فريق 8 آذار بثلاثية الشعب والجيش والمقاومة، في مقابل إصرار فريق «14 آذار» على إعلان بعبدا، وهذان اللغمان يتطلبان دقة وحكمة في تفكيك صاعقيهما وإلا فإن الحكومة ستكون حكومة «تصريف أعمال» بلا ثقة، وستكون أمام موجة جديدة من الاجتهادات القانونية والدستورية حول مصيرها.

غير أن أوساطاً سياسية ترى أن من حبك التوليفة الحكومية وأمّن ولادتها، سيكون قادراً على ابتداع فتوى لغوية تمرّر البيان الوزاري بحيث لن يكون في مقدور أحد تفسير ما تم التوفق عليه، وتالياً تنال الحكومة الثقة، اللهمّ إلا إذا ظهر ما هو ليس في الحسبان وأدخل البلد في الحلقة المفرغة من جديد، خصوصاً وان هناك من يدفع بلبنان إلى المنزلق، وأن خير تعبير على ذلك كشف السيارات المفخخة التي كان آخرها أمس سيارة مجهزة بـ 250 كلغ من المواد شديدة الانفجار.
إقرأ للكاتب نفسه
2014-02-17