ارشيف من :أخبار لبنانية
عاش النظام عاشت المشاركة
سليمان تقي الدين ـ "السفير"
نجح النظام اللبناني مجدداً في اجتياز أحد العوارض الأساسية لأزمته. قوة النظام التي ظهرت من خلال تشكيل الحكومة بعد عشرة أشهر من النزاع حول عناوين ومواضيع كبرى لها تفسير واحد هو الطبيعة المتشابهة للمتخاصمين وتوافقهم الفعلي على القواعد نفسها. الوصول إلى تقاسم السلطة كيفما كان هذا التقاسم في التفاصيل دليل حاسم على غياب أي طرف نقيض للركائز الأساسية لكل المنظومة السياسية والاقتصادية والثقافية. أثبتت التجارب من "الطائف" إلى "الدوحة" إلى التسوية الأخيرة أن كل الادعاءات عن مشاريع تغيير مهما كانت شعاراتها تنتهي إلى إعادة إنتاج توازنات سلطوية ولا تتقدم خطوة واحدة في اتجاه بناء الدولة القادرة على معالجة مشكلات المجتمع اللبناني.
المسألة ليست في النيات والادعاءات، بل بالحصيلة الناتجة من طبيعة القوى لا عن مجرد أداء وسلوكيات أو إدارة للنزاع. الانقسام داخل الطبقة السياسية الذي انفجر منذ عشر سنوات، وتتوالى آثاره السلبية الاجتماعية والأمنية، وستزداد بفعل إضعاف الدولة، لا يقابله أي مشروع معاكس ولا حتى أي استدراك لوقف المسار الإحباطي لمناعة الناس. كل الطروحات التي يُقال إنها "خريطة طريق لبناء الدولة"، سواء جاءت على شكل "تفاهمات" أو على شكل "مذكرات" تتلاشى بسرعة هائلة في طاحونة النظام.
هناك فصام عميق بين مشاريع الحلول والقوى الفاعلة، والخطاب السياسي للقوى الفاعلة والمصالح الطاغية والحاكمة لأداء محافظ وسلطوي وخاضع لفكرة التعامل مع الأمر الواقع. الأزمة هنا أن لا قوى ضاغطة من خارج الخريطة السياسية التي يختصرها الفريق الحاكم بجناحيه أو أجنحته الطائفية. والاتجاه البارز الآن هو التمحور حول ثلاث كتل طائفية لصوغ تسوية لا نعرف مداها الزمني. من اللافت أن هذه الشراكة الطائفية لم تسمح لأي طرف بأن يتدخل في حصة الطرف الآخر بعد تحديد التوازنات الإجمالية في المصالح والخدمات والمواقع السياسية. نحن أمام تقليد جديد وعُرف مناقض للادعاء بالحفاظ على الأحكام والصلاحيات الدستورية. تشكّلت الحكومة وفق مطالب الكتل الطائفية بعد وضع إطار عام لمواقع النفوذ بينها.
ربما تتقدم صيغة "الترويكا" أو "المثالثة" في هذا التوازن، وقد يصل إلى بلورة يسعى لها البعض تختصر النظام في الرؤساء الثلاثة الأقوياء في طوائفهم. لكننا لن نشهد استقراراً في السلطة ولا معالجة لمشكلات المجتمع ولا حتى اكتفاءً ذاتياً لمطالب الطوائف ولن نتقدم بالتأكيد في الطريق إلى بناء "دولة قوية" حتى بالمعنى البسيط لحفظ الأمن والحدود والسيادة وفرض هيبة القانون. على مستوى اللعبة السياسية الظرفية حقق بعض الأطراف مطالبهم أو شروطهم وحصلوا على مخارج مرضية، فالجميع إلى حد بعيد نالوا مكاسب سلبية أو إيجابية بعضها لأنفسهم وبعضها الآخر لجمهورهم. لكن أحداً لا يستطيع الزعم أن "الحكومة الجامعة" أجمعت أو اجتمعت على شيء ممّا كانوا يتداولونه من قضايا كبرى.
هذه حكومة إدارة بلدية أو محلية لبلد يحتاج ويستحق أن تقوده نخبة سياسية إلى الأمن والأمان والحماية. لا رهان من هذا القبيل ولا تمنيات على البيان الوزاري ما دامت هذه الحكومة قد أضفت الشرعية على كل الأوضاع المزرية القائمة وعلى كل أدوار أطرافها ووظائفهم وسلوكياتهم. كل طموح آخر لا تسنده الوقائع. لبنان في حال من الانتظار السلبي لصوغ النظام الإقليمي وفي حال من الاستجابة شبه المطلقة لتداعيات التطورات المحيطة به. إن تضخيم الشعارات والمطالب لدى فرقاء الطبقة السياسية انتهى إلى ما هو دون أي مغزى سياسي وطني. التفاهم على توزيع الحصص كان الأولوية على التفاهم السياسي ليس لعلة دستورية بل لعلة تكوينية. ما يقلق ليس تأجيل الإصلاح ولا انتصار النظام الطائفي على ما هو مزعوم من "وطنيات" عابرة للطوائف، بل تفاقم الطوائفية في موقع الجماعات وصورتها وسلوكها، ما ينبئ بأن مشروع الدولة المؤجّل يعد بأشكال من تقاسم الكيان ومعركة جديدة قد تستوحي هذه المرة الحلول العربية المتدحرجة من بلد عربي إلى آخر.
نجح النظام اللبناني مجدداً في اجتياز أحد العوارض الأساسية لأزمته. قوة النظام التي ظهرت من خلال تشكيل الحكومة بعد عشرة أشهر من النزاع حول عناوين ومواضيع كبرى لها تفسير واحد هو الطبيعة المتشابهة للمتخاصمين وتوافقهم الفعلي على القواعد نفسها. الوصول إلى تقاسم السلطة كيفما كان هذا التقاسم في التفاصيل دليل حاسم على غياب أي طرف نقيض للركائز الأساسية لكل المنظومة السياسية والاقتصادية والثقافية. أثبتت التجارب من "الطائف" إلى "الدوحة" إلى التسوية الأخيرة أن كل الادعاءات عن مشاريع تغيير مهما كانت شعاراتها تنتهي إلى إعادة إنتاج توازنات سلطوية ولا تتقدم خطوة واحدة في اتجاه بناء الدولة القادرة على معالجة مشكلات المجتمع اللبناني.
المسألة ليست في النيات والادعاءات، بل بالحصيلة الناتجة من طبيعة القوى لا عن مجرد أداء وسلوكيات أو إدارة للنزاع. الانقسام داخل الطبقة السياسية الذي انفجر منذ عشر سنوات، وتتوالى آثاره السلبية الاجتماعية والأمنية، وستزداد بفعل إضعاف الدولة، لا يقابله أي مشروع معاكس ولا حتى أي استدراك لوقف المسار الإحباطي لمناعة الناس. كل الطروحات التي يُقال إنها "خريطة طريق لبناء الدولة"، سواء جاءت على شكل "تفاهمات" أو على شكل "مذكرات" تتلاشى بسرعة هائلة في طاحونة النظام.
هناك فصام عميق بين مشاريع الحلول والقوى الفاعلة، والخطاب السياسي للقوى الفاعلة والمصالح الطاغية والحاكمة لأداء محافظ وسلطوي وخاضع لفكرة التعامل مع الأمر الواقع. الأزمة هنا أن لا قوى ضاغطة من خارج الخريطة السياسية التي يختصرها الفريق الحاكم بجناحيه أو أجنحته الطائفية. والاتجاه البارز الآن هو التمحور حول ثلاث كتل طائفية لصوغ تسوية لا نعرف مداها الزمني. من اللافت أن هذه الشراكة الطائفية لم تسمح لأي طرف بأن يتدخل في حصة الطرف الآخر بعد تحديد التوازنات الإجمالية في المصالح والخدمات والمواقع السياسية. نحن أمام تقليد جديد وعُرف مناقض للادعاء بالحفاظ على الأحكام والصلاحيات الدستورية. تشكّلت الحكومة وفق مطالب الكتل الطائفية بعد وضع إطار عام لمواقع النفوذ بينها.
ربما تتقدم صيغة "الترويكا" أو "المثالثة" في هذا التوازن، وقد يصل إلى بلورة يسعى لها البعض تختصر النظام في الرؤساء الثلاثة الأقوياء في طوائفهم. لكننا لن نشهد استقراراً في السلطة ولا معالجة لمشكلات المجتمع ولا حتى اكتفاءً ذاتياً لمطالب الطوائف ولن نتقدم بالتأكيد في الطريق إلى بناء "دولة قوية" حتى بالمعنى البسيط لحفظ الأمن والحدود والسيادة وفرض هيبة القانون. على مستوى اللعبة السياسية الظرفية حقق بعض الأطراف مطالبهم أو شروطهم وحصلوا على مخارج مرضية، فالجميع إلى حد بعيد نالوا مكاسب سلبية أو إيجابية بعضها لأنفسهم وبعضها الآخر لجمهورهم. لكن أحداً لا يستطيع الزعم أن "الحكومة الجامعة" أجمعت أو اجتمعت على شيء ممّا كانوا يتداولونه من قضايا كبرى.
هذه حكومة إدارة بلدية أو محلية لبلد يحتاج ويستحق أن تقوده نخبة سياسية إلى الأمن والأمان والحماية. لا رهان من هذا القبيل ولا تمنيات على البيان الوزاري ما دامت هذه الحكومة قد أضفت الشرعية على كل الأوضاع المزرية القائمة وعلى كل أدوار أطرافها ووظائفهم وسلوكياتهم. كل طموح آخر لا تسنده الوقائع. لبنان في حال من الانتظار السلبي لصوغ النظام الإقليمي وفي حال من الاستجابة شبه المطلقة لتداعيات التطورات المحيطة به. إن تضخيم الشعارات والمطالب لدى فرقاء الطبقة السياسية انتهى إلى ما هو دون أي مغزى سياسي وطني. التفاهم على توزيع الحصص كان الأولوية على التفاهم السياسي ليس لعلة دستورية بل لعلة تكوينية. ما يقلق ليس تأجيل الإصلاح ولا انتصار النظام الطائفي على ما هو مزعوم من "وطنيات" عابرة للطوائف، بل تفاقم الطوائفية في موقع الجماعات وصورتها وسلوكها، ما ينبئ بأن مشروع الدولة المؤجّل يعد بأشكال من تقاسم الكيان ومعركة جديدة قد تستوحي هذه المرة الحلول العربية المتدحرجة من بلد عربي إلى آخر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018