ارشيف من :ترجمات ودراسات

الاضطرابات في الأسواق المالية

الاضطرابات في الأسواق المالية

ترجمة: عقيل الشيخ حسين

الكاتب Nick Beams

عن موقع alterinfo الالكتروني / 3 شباط / فبراير 2014

أياً تكن النتيجة المباشرة للاضطرابات التي تنتشر في النظم المالية للاقتصادات المسماة بـ "الناهضة"، فإن هذه الاضطرابات تمثل انعطافاً على مستوى الاقتصاد العالمي بكليته. فجذور الأزمة تعود إلى سياسة "الليونة الكمية"، أي إلى ضخ آلاف المليارات من الدولارات في النظام المالي العالمي من قبل بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي وبنوك مركزية أخرى تعلمت اللجوء إلى هذا الإجراء رداً على الانهيار الذي حدث عام 2008 بعد إفلاس بنك الاستثمارات الأميركي ليمان بروذرز. 

إن معظم الأموال التي يتم ضخها تتجه نحو "الأسواق الناهضة" بحثاً عن أرباح أعلى في ظل ارتفاع أسعار الأسهم وازدياد منسوب العودة إلى استثمار كميات أخرى من الأموال في البلدان المذكورة. لكن الفقاعة بدأت الآن بالضمور، كما أن أموال المضاربات تهرع نحو باب الخروج، ما يؤدي إلى انخفاض أسعار صرف العملات في تلك البلدان. 

وقد قام العديد من البنوك المركزية، ومنها البنوك المركزية في إفريقيا الجنوبية والهند والبرازيل وتركيا برفع أسعار الفائدة بنسب كبيرة. ولكن هذا الإجراء لم ينجح في الحد من هجرة الرساميل. 

 وبهذا الصدد، وبوصفه كبير الخبراء الاقتصاديين في شؤون الأسواق الناهضة، قال نيل شارينغ، من معهد "الأبحاث الاستشارية الاقتصادية" ومركزه لندن، في مقابلة مع فاينانشال تايمز: "إن استمرار انخفاض أسعار العملات حتى في البلدان التي بدأت برفع أسعار الفائدة يبعث على الاعتقاد بأن مرحلة جديدة  من مراحل الاضطراب في الأسواق المالية للبلدان الناهضة قد بدأت بالتكون، وهي قد تكون أكثر إثارة للقلق من المراحل السابقة. والواضح أن السياسيين الذين يجهدون أنفسهم في البحث عن وسيلة لمعالجة هذا الوضع لم يعد بمقدورهم أن يحموا عملات بلدانهم". أول المؤشرات على إمكان اندلاع أزمة جديدة بدأت بالظهور خلال أيار/ مايو وحزيران/ يونيو الماضيين، وذلك بعد تصريح لرئيس البنك الفيدرالي الأميركي، بن برنانكي، أكد فيه أن البنك الفيدرالي سيخفض مبلغ الـ 85 مليار دولار التي يدفعها شهرياً لشراء صكوك الرهون وسندات الخزينة الأميركية. وقد أدى هذا التصريح إلى اهتزاز "الأسواق الناهضة" وإلى حركة رحيل للرساميل. وقد عاد الاستقرار إلى الأسواق في أيلول/ سبتمبر عندما تراجع البنك الفيدرالي عن قرار التخفيض. غير أن قراراً آخر بتقليص المشتريات بقيمة 10 مليارات دولار في كل من الشهرين الماضيين، دفع مجدداً باتجاه رحيل الرساميل.

 

وبهدف تقديم هذا الوضع السيئ في أفضل صورة إيجابية ممكنة، حاول بعض المحللين تكريس الفكرة القائلة بأن هذه الاضطرابات المالية تعكس "مشكلات نوعية خاصة ببعض البلدان وليست لها أية تداعيات على الصعيد الدولي". وفي هذا الإطار، اعتبر وزير الخزانة الأميركي، جاك لوي، أن المشكلة الرئيسية قد نجمت عن السياسة السيئة المعتمدة من قبل بعض البلدان. وأضاف الوزير : "يمكنني القول بأننا لاحظنا وجود كثير من الاختلافات في الأسواق، ونرى أن التجربة كانت مختلفة في البلدان التي اتخذت إجراءات صعبة وتمكنت من تجاوز المشكلة".   

إن هذه الملاحظات تذكر بتلك التي قدمها الرئيس السابق للبنك الفيدرالي، آلان غرينسبان، خلال الانهيار المالي الآسيوي في الفترة 1997-98، عندما ركز على فكرة مفادها أن تلك الأزمة ليست نتيجة لعمليات ذات صلة بـ "اقتصاد السوق" الرأسمالية نفسها، بل نتيجة لما أسماه بـ "رأسمالية التعاون" الآسيوي. ولكن الأزمة المالية الآسيوية قد أفضت إلى عجز ميزان المدفوعات في روسيا عام 1988 وبعد ذلك إلى انهيار صندوق الاستثمار الأميركي المسمى"إدارة الرأسمال على المدى البعيد" الذي أعيد تعويمه من قبل البنك الفيدرالي بأموال دافعي الضرائب. كما كان انهيار الصندوق المذكور مؤشراً استباقياً على ما سيحدث بعد عشرة أعوام أي عندما ضرب العجز مجمل النظام المالي العالمي. 

إن القول بأن الاضطرابات الحالية هي نتيجة لمشكلات "نوعية خاصة ببعض البلدان" لا يأخذ في الاعتبار كون التدفق الغزير للرساميل نحو الأسواق الناهضة خلال السنوات الخمس التي أعقبت أزمة العام 2008 هو جزء من مستجدات أكثر اتساعاً. 

إن الضخ المتواصل للأموال، من قبل البنك الفيدرالي، بمعدل لا يقل عن 1000 مليار دولار سنوياً، في وضع كانت فيه أسعار الفائدة قريبة من الصفر، قد خلق حالة أصبح فيها النظام المالي العالمي شبيهاً بهرم يقف على رأسه: نمو سريع للكتل النقدية بالمقارنة مع الأساس الانتاجي للاقتصاد العالمي الذي تستند إليه تلك الكتل في نهاية الأمر. 

هذا يعني في التحليل النهائي أن قسماً كبيراً من هذه الكتل النقدية قد أصبح "مسموماً" إلى درجة أنها لم تعد تمتلك أية قيمة واقعية شأنها في ذلك شأن مئات المليارات من الدولارات المكدسة على شكل رهون تستند إلى عمليات إقراض من الدرجة الثانية، والتي تبين قبل خمس سنوات أنها أصبحت بلا قيمة. بكلام آخر، إن الاضطرابات الحالية هي مؤشر استباقي على أزمة مالية جديدة من شأن قوتها التدميرية أن تكون أشد مما كانت عليه أزمة العام 2008. ومن الممكن ملاحظة ذلك في الاحصاءات التي تبين مدى اتساع حركة الرساميل المالية السريعة التبخر خلال السنوات الأخيرة.  

وبهذا الخصوص، يؤكد "معهد التمويل الدولي" أن الأسواق الناهضة قد اجتذبت 7000 مليار دولار منذ العام 2005، وأن هذه الأموال استثمرت في خليط من المؤسسات الصناعية والخدماتية وعمليات دمج وبيع الشركات، إضافة إلى السندات  والصكوك. ويقدر بنك جي بي مورغان شاس أن سداد ما تبقى من سندات ينبغي ضخها في الأسواق الناهضة يصل الآن إلى 10000 مليار دولار مقابل 422 ملياراً فقط لا غير في العام 1993. 

وبالإضافة إلى حركات الرساميل التي أحدثها "التخفيض" المذكور أعلاه، هنالك عامل آخر من عوامل الأزمة وهو المتمثل بالتباطؤ الاقتصادي في الصين. 

وبهذا الصدد، تؤكد دراسة صدرت هذا الأسبوع أن المنتجين الصينيين قد قلصوا الوظائف بوتيرة هي الأعلى منذ مارس/ آذار 2009 وهو التاريخ الذي كان فيه الركود الذي أحدثته الأزمة المالية العالمية في مستواه الأدنى. 

وعلى هذا، فإن النمو في الصين قد يكون الأكثر انخفاضاً هذا العام منذ أكثر من عشرين عاماً، وهنالك مخاوف متزايدة تجاه استقرار النظام المالي في البلاد. وفي هذا الأسبوع تم تعويم بنك "تشاينا كريديت تراست" الذي يبلغ رأسماله 500 مليون دولار بهدف الحيلولة دون عجزه عن الدفع بسبب منتجات مالية كانت قيمتها مضمونة بقروض منحتها إحدى شركات استخراج الفحم وأفلست بعد ذلك. هذا، ويشكل بنك "تشايناكريديتتراست" جزءاً من النظام المصرفي في الصين الذي يقوم، وفق التقديرات، بتقديم ثلث القروض الجديدة إلى الاقتصاد الصيني.  

إن أزمة "الأسواق الناهضة" قد كشفت عن وجود اختلافات كبيرة داخل مجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الكبرى في العالم والتي عقدت سلسلة من قمم الأزمة خلال العامين 2009 و2010 بهدف تنسيق السياسات الدولية. وفي أعقاب القرار الذي أصدره البنك الفيدرالي الأميركي يوم الأربعاء الماضي، وهو القرار الذي لم يتطرق نصه إلى التأثيرات التي يتركها على بقية العالم استمرار تخفيض شراء الأموال، صرح حاكم البنك المركزي الهندي، راغهورام راجان، بأن "الأسواق الناهضة"  قد أسهمت بإخراج العالم من الأزمة المالية، وأن من غير الجائز عدم أخذ ذلك في الاعتبار. 

وقال راغهورام راجان: "إن التعاون النقدي الدولي قد توقف، وعلى البلدان الصناعية أن تقوم بدورها من أجل تحقيق الانتعاش، ولا يمكنها اليوم أن تغسل يديها وتقول "سنفعل ما نحن بحاجة إليه، أما أنتم فعليكم أن تتكيفوا مع الوضع". وحذر البلدان الصناعية من أنها قد لا تكون "معجبة بنوع التكيف الذي سنجد أنفسنا مجبرين على القيام به في نهاية المطاف" في حال إصرار تلك البلدان على ضرورة أن تتصرف البلدان النامية بمفردها. 

وتظهر أهمية تصريح راغهورام راجان عندما نعلم أن "الأسواق الناهضة" هي التي حققت ثلاثة أرباع الزيادة في الانتاج العالمي خلال السنوات الخمس التي أعقبت أيلول/ سبتمبر 2008. فخلال العامين 1997-98، أدت الأزمة الآسيوية إلى انخفاض ضخم  لجهة تأثيراتها السلبية على آسيا يعادل الركود الكبير الذي شهدته الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة. وإذا تكرر ذلك، فإن تكرر الأزمة سيؤدي سريعاً إلى ركود متزايد العمق في العالم كله. 

إن حدوث مثل هذه الأزمة، ستكون لها تداعيات كبرى على مستوى الطبقة العمالية العالمية. لأن رفع أسعار الفائدة وغير ذلك من إجراءات الطوارئ في "الأسواق الناهضة" سيؤدي إلى تركيز مكثف على تقليص الوظائف والأجور وإلى التراجع في المجالات الاجتماعية. 

إن الأزمة الحالية تظهر مرة أخرى أن تصريحات النخب القيادية والناطقين باسمها في وسائل الإعلام التي تؤكد أن الانتعاش الاقتصادي هو على الطريق هي تصريحات جوفاء. فالإجراءات التي كان يفترض بها أن تفضي إلى الانتعاش لم تفعل غير زيادة ثراء أصحاب الملايين والمليارات وغير خلق الشروط اللازمة لحدوث انهيار مالي جديد. 

على الطبقة العمالية العالمية أن تستخلص الدروس من هذه التجربة وأن تقوم بالرد عليها من خلال برنامجها الخاص، أي عبر النضال السياسي على الصعيد الدولي من أجل إسقاط النخب الرأسمالية كمرحلة أولى نحو إقامة اقتصاد اشتراكي.

2014-02-18