ارشيف من :أخبار لبنانية
’كان’ يحدث انفصامنا!
نبيل بومنصف - صحيفة "النهار"
لست من طينة من يستحق أنسي الحاج ان يكتبوا عنه اي الشعراء الذين هم على سويّته وعلى مذهبه، على ندرتهم. مع ذلك استفزني موته المفجع مقدار ما احزننا جميعا فقده المبكر بالمرض العضال وهو الذي قاتل حتى الرمق الاخير ولم يسلم قلمه الذي تشهد عليه مقالته الاخيرة المنشورة في الزميلة "الاخبار" حتى الساعة. هكذا فعلت "النهار" بالمقالتين الاخيرتين اللتين كتبهما جبران تويني ثم غسان تويني كأنها ترفعهما شهادة انتصار وخلود وعلامة هزيمة للفناء.
أنسي الحاج كان اكثر من احدث فيّ انفصاماً شخصياً في التعامل معه كواحد من اعمدة "النهار" الكبيرة الذين عملت في ظلهم. كان نزقه الحاد مخيفا الى درجة تجعلك تحاذر الاقتراب اللصيق منه ولكنك لا تملك مقاومة اغراء التقرب منه لفرط ما تغويك فيه تلك الشرارة الحادة الممتعة في تصويره للامور وتعامله مع كل شيء بسخرية لاذعة لا حدود لها. يجعلك انسي الحاج تشعر كصحافي وكاتب بأنك في حضرة هازئ دائم من صنعة امتهنها واحتقرها في آن واحد لان محرابه الحقيقي كان الشعر اكثر من الصحافة. فكيف تراك امامه حين تقدم اليه ما تكتب وترى تلك اللامبالاة القاتلة؟
مع ذلك كان يدهشنا، وعلى الاقل يدهشني على سبيل الدقة، حين يخلع عنه كل وقار رئيس التحرير والامرة والوهرة ذاهبا في هجاء ممتع لاذع قارص لا يسلم منه قريب او بعيد في معجم انسي الحاج و"كلماته" التي غالبا ما كانت في اليوميات الشفوية لا تختلف عن المدونات المكتوبة. كان في سخريته التي ظننت بسذاجة لمدة طويلة قبل ان ابدأ باستكشاف ما تخبئه في عمقها ما يشبه المغناطيس الجاذب لصحافي ينشد صورة ناقد لاذع لا يرحم. لعله اراد، والآن يمكن الجزم بذلك، ان يثبت مذهبا صحافيا ناقضا ثائرا كشعره تماما فكان على ندرة المرات التي يحسن فيها اسباغ شهادات حسن السلوك المهني على الكتاب يفرج قليلا عن ملامح ابتسامة لمقال "شرس". اما ذروة المفارقات النادرة فكانت حين تجلجل ضحكته صاخبة هازئة شامتة فتخاله خلع عبوسه دفعة واحدة.
صار أنسي الحاج امس في عالم كبار ورفاق وشركاء حياة قاسمهم عقودا في "النهار". صاروا في دنيا الحق لكنهم والحق يقال انهم كانوا يصنعون من يومياتنا عظمة معايشة هذه المهنة في ظل انماطهم الشخصية والمهنية في "توافقاتهم" كما في "معاركهم" وصداماتهم احيانا. كانت نوعا من الكيمياء الفريدة وسط امزجة مختلفة، لكن امرا واحدا ثابتا لم يكن يخضع للامزجة وهو المعيار الصحافي الثابت ثبات خط الصحيفة العريقة. انسي الحاج بكل الحزن عليه وعلى كثير من لبنان يذهب مع كبار نودعك.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018