ارشيف من :أخبار لبنانية

في دار الأيتام: الانفجار يسبق صافرة كرة القدم

في دار الأيتام: الانفجار يسبق صافرة كرة القدم

مهى زراقط - صحيفة "الأخبار"

«غزوة دار الأيتام الإسلامية». لم يخطئ من أطلق هذه التسمية على انفجاري الأمس، اللذين أحاطا بـ «مركز المجاد» التابع لمؤسسات الرعاية الاجتماعية. مئة طفل كانوا في الباحة الخارجية للمركز يلعبون، ومئة وخمسون آخرون كانوا في صفوفهم. مئتان وخمسون طفلاً كانوا في المكان الذي قصده انتحاريان، وأحاطا به قبل أن يفجّرا نفسيهما.

فمن كانا يعتقدان أنهما يستهدفان؟ أيّ هدف آخر كانا سيطالانه، ويستثنيان منه أطفالاً بالدرجة الأولى، وأيتاماً بالدرجة الثانية، ويعانون من صعوبات تعلّمية بالدرجة الثالثة؟

يصعب إقناع هؤلاء الاطفال بأن ما حصل لم يكن يستهدفهم، فـ «الانفجار طلع ورا الحيط». هذا الحائط يفصلهم عن الشارع الرئيسي. وعوض أن تعبره ضحكاتهم وهم يحتفلون في مهرجان ترفيهي أعدّوه بأنفسهم، عبرته الشظايا من الخارج، التي يسميها الأطفال قنابل.
يصفون ما حصل بلغتهم: «طلع صوت كتير قوي، هزّ المبنى، رجّت الأرض، طارت المعلّمة، اختفى رفيقاي من الصورة التي كنّا نتحضّر لها، وقعت على رجلي...».

بعدها، حلّ الذهول. استعاد كلّ طفل وعيه، ليجد نفسه راكضاً إلى داخل المبنى للاحتماء. وهناك كانت المفاجأة. لا شيء في الصفوف يمكن أن يحميهم. الشبابيك مقتلعة من مكانها، الزجاج يملأ المكان. هو زلزال وعبر. طلب منهم المشرفون أن يجلسوا في القاعة التي كانوا ينتقلون إليها لمشاهدة التلفاز، ففعلوا، بعدما نفضوا بأيديهم الزجاج عن الكراسي. وجلسوا ينتظرون. الأغلبية بقيت صامتة، ولا تزال.
في الباص، الذي نقل الأغلبية إلى المركز الرئيسي لمؤسسات الرعاية الاجتماعية في البربير، تحدّثوا قليلاً عما حصل. وعندما وصلوا إلى «القسم»، الذي يقيمون فيه، أتيح لهم أن يحكوا أكثر عما حصل لرفاقهم الذين لم يكونوا معهم. الاطفال الذين عادوا إلى المركز الرئيسي، يذهبون يومياً إلى «مركز المجاد» في بئر حسن، حيث يتعلّمون. فهو ليس مركزاً داخلياً، بل عبارة عن مهنية للفتيات، وعن مدرسة لمن يعاني من صعوبات تعلّمية من الجنسين.

تعيد كاميليا، التلميذة في صف منطلق، رواية ما حصل «كنّا في الملعب، لأن المدرسة كانت تقيم لنا مهرجاناً». مناسبة المهرجان ليست إلا مكافأة للتلاميذ «لأننا كنا شاطرين ومهذّبين». كان يفترض أن يكون يوماً جميلاً. حلم به الأطفال وحضّروا له. فهو مكافأتهم على ساعات الانضباط والاجتهاد التي تميّزوا بها. أنهوا الحصة الأولى، ونزلوا إلى الملعب. منهم من باشر اللعب فوراً، ومنهم من كان لا يزال يرتدي ثيابه التي حضّرها. أو يلوّن وجهه للعب الشخصيات التي رسمت له. كاميليا كانت قد ارتدت ثياب الأرنب، ووقفت تتصوّر مع رفيقيها، عندما «طلع الصوت». نظرت حولها، فلم تجد أحداً.

محمد (صف متمكّن)، الذي التقيناه في المركز الرئيسي ممسكاً بساقه اليمنى، كان غاضباً قبل وقوع الانفجار. لم يعجبه الفريق الذي قرّر الأستاذ ضمّه إليه في لعبة كرة القدم، وكان يهدّد بالقول «ما بدي إلعب» عندما «رجّت الأرض، ووقعت على إجري». أما أحمد (صف تحضيري) فكان موافقاً على اللعب في الفريق، وينتظر الحصول على الطابة من الاستاذ.

يدور هذا الحديث بصوت يكاد يكون هامساً، وبلغة حيادية تخلو من أي انفعالات ترافق عادة حديث الاطفال عن ألعابهم. الصورة التي كانت كاميليا ستلتقطها مع رفيقيها، لم تعد مهمة. حماسة أحمد لتلقي الطابة كذلك. حتى محمد، لم يعد غاضباً لأن الفريق الذي كان سيلعب معه، ضعيف. حصل شيء مسح كلّ هذا. وقع انفجار غيّر لون وجوههم، وبلّل عيونهم. لم يعد ممكناً إضحاكهم بالسؤال عمن سبق كاميليا، الأرنب؟ ولا حتى تحريضهم على المطالبة بمهرجان بديل، بما أن الأول لم يكتمل. لا يريدون الا أن يبقوا حيث هم، حيث شعروا بالأمان، ولو أنهم لا يزالون قلقين على رفاقهم الذين نقلوا إلى مراكز أخرى، بقرار سريع من المدير العام لمؤسسات الرعاية، الوزير السابق خالد قباني الذي كان قد توجّه مباشرة إلى المكان.

يروي قباني أنه تلقى الخبر فور وصوله إلى المركز الرئيسي، وعندما فشل في التواصل مع الإدارة في بئر حسن هاتفياً، توجّه بسيارته إلى مكان الانفجار. كان الدمار قد حلّ بالمبنى «فلم تسلم غرفة واحدة منه. الصفوف لم يبق فيها سقوف. الواجهات مكسّرة. الزجاج يملأ المكان. كل التجهيزات تضرّرت، ماكينات الخياطة، أجهزة الكومبيوتر، أدوات التعليم». لكن الأهم سلامة الأطفال «كان هناك 100 طفل في الباحة الخارجية، نجوا ولم يصب إلا 11 طفلاً نحمد الله أنهم صاروا بخير». يكرّر ما قاله عبر شاشات التلفزة: «هذا عمل إجرامي إرهابي. أياً كان فاعله، فهو مجرم وآثم لأنه يتعرّض للأبرياء بالقتل من دون تمييز بين الأمهات والشيوخ والذين يسيرون إلى أرزاقهم.

وهو عمل عبثي لأنه لا يوصل إلى نتيجة ولا يخدم أي قضية إلا الإجرام، ولا يمكن أن يلقى إلا استنكاراً من قبل كلّ صاحب ضمير». وأكد قباني أن العمل سيبدأ سريعاً لإعادة تأهيل المبنى. وفي الانتظار، سيعدّ للاطفال برامج بديلة سريعاً».

بدورها أصدرت الدار بياناً أوضحت فيه أن الانفجارين تسببا بإصابة 11 طفلاً، ومشرفة واحدة. وكان داخل المنشأة 250 شخصاً، 30 لم يتعرّضوا للاذى».
2014-02-20