ارشيف من :أخبار لبنانية

«أنسي الحاج ... إنّه الأنقى بيننا»

«أنسي الحاج ... إنّه الأنقى بيننا»

الياس عشّي - صحيفة "البناء"

أدونيس
أنسي الحاج قيمة حضاريّة وإبداعيّة نادرة كما يجمع كلّ من عرفه ، أو قرأ له، أو مشى معه إلى أبجديّة أخرى ، ومعادلة أخرى تعلن :
« إنّ الله يزدهر في التنوّع والتناقض ، ويتعذّب ويُظلم في الطغيان والتّزمّت « .

وظلّ مخلصاً لهذه المعادلة حتّى آخر يومٍ من حياته . كتب مرّةً :

« ما حاجتي إلى الثواب بعد حياة يمكن ، إذا عشتها حرّاً طليقاً ، أن تكون أروع جنّة « ؟

هذه التجربة الرائدة في الحرّيّة بدأها أنسي الحاج في اللحظة التي قرّر بها أن يخرج من رحمَي القصيدة العموديّة، وقصيدة التفعيلة التي أرسى قواعدها كلّ من نزار قباني ونازك الملائكة والبياتي وغيرهم من المحدثين. ويمكن أن نعتبر ديوان أنسي الحاج «لن» أوّل ديوان للقصيدة النثرية الحديثة في العالم العربي، وأوّل بلاغ لثورة جديدة في الشعر العربي المعاصر، وهذا ما دفع الشاعر ابراهيم داود إلى القول: « أنسي مع الماغوط وسعدي يوسف هم الآباء الشعريّون للقصيدة الجديدة في مصر ، وهم الأقرب إلى ذائقتنا».
ما كان لثورته في الشكل لتأخذ هذا الحيّز من الإبداع ، لو لم تنسحب هذه الثورة على المتعارف عليه في الفكر، والدين، والسياسة، والأخلاق، والمجتمع، والفنّ، حتّى باتت كبريات الصحف تتهافت على إبداعاته، وحتّى تناقل الناس مقالاته بشغف، يحتفظون بها في أرشيفهم، أو يحفظون منها مقاطع لافتة.

عندما كان أنسي الحاج مسؤولاً عن الملحق الثقافي في جريدة «النهار» 1974 1964 ، أعطى هذا الملحقَ هُويّة أخرى لم تستطع كبريات المجلاّت الأدبية ، ولا ملاحق الصحف الأخرى ، أن تواجه رقعة الحرّيّة المعطاة للكتّاب فيها . وللحقيقة أقول : إنّ انطلاقتي الفكريّة والثقافيّة تجذّرت مع أنطون سعاده ، وتبلورت كتابة أدبيّة مع هذا الملحق الذي نشر لي تسعة أبحاث وقصيدتين نثريتين هما «هي وعيناها» و»الليل يؤنّبني يا حنان». ولم يخفَ على أحد يومذاك أنّ « حنان « كانت ترمز إلى أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان معظم قادته وراء القضبان.

الآن، وقد رحل عنّا أنسي الحاج صانعُ الأبجدية الأخرى ، أتصوّره يترك لنا وديعة يقول فيها:
« هل يتصوّر محتكرو الله مبلغَ الضجر الذي سيصابون به إذا انتصروا؟ إذا لم يعد في العالم إيمانٌ غيرُ إيمانهم ، وطقوسٌ غيرُ طقوسهم ، وإلهٌ غير إلههم « ؟

وهل ثمّة شهادة أفضل من شهادة أدونيس رفيق دربه في إطلاق مجلّة شعر ، عندما قال : « أنسي الحاج ... إنّه الأنقى بيننا».
2014-02-22