ارشيف من :ترجمات ودراسات
مكالمة هاتفية بخصوص أوكرانيا تكشف عن البلطجة الأميركية
الكاتب Bill Van Auken
عن موقع Mondialisation.ca الإلكتروني
11 شباط / فبراير 2014
أظهرت وسائل الاعلام الأميركية عدم اكتراث ملحوظ بالشريط الصوتي الذي سجلت عليه المكالمة الهاتفية بين فيكتوريا نولاند، المسؤولة الكبيرة في وزارة الخارجية الأميركية عن دائرة الشؤون الأوروبية والأوراسية، والسفير الأميركي في أوكرانيا جيفري بيات، وهو الشريط الذي نشر على يوتيوب وشكل موضوع مشادة دولية منذ يوم الخميس الماضي.
التغطية الإعلامية لهذا الموضوع تركز بشكل أساسي على استخدام عبارة في منتهى البذاءة بخصوص موقف واشنطن من الدور الذي يلعبه شركاؤها الأوروبيون في الأزمة التي تعصف بأوكرانيا منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر. أما الشكل الآخر لتقديم الحدث فهو استعادة نزيهة للمحاولة التي قامت بها وزارة الخارجية الأميركية بهدف التخفيف من حدة الإشكال عبر وصفها نشر مكالمة خاصة على الملأ بأنها "نقطة إسفاف جديدة بلغتها البراعة الروسية".
وقد نفت الحكومة الروسية بشدة الاتهامات الأميركية التي تحمل موسكو المسؤولية عن نشر المكالمة. والواضح أن هذا الاتهام لا يخلو من وقاحة لصدوره عن حكومة افتضح أمر تلبسها بالتجسس على المكالمات الهاتفية لمئات الملايين من الأشخاص في الولايات المتحدة وسائر بلدان العالم.
إن المعنى السياسي الحقيقي للمكالمة الهاتفية بين نولاند وبيات قد بقي طي الخفاء إلى حد بعيد. وليس من قبيل الصدفة أنه يشكل كشفاً فاضحاً للصفة الإجرامية والامبريالية للممارسة السياسية الأميركية في أوكرانيا، الأمر الذي يقوض الادعاءات "الديموقراطية" لحكومة أوباما.
وقد كان أوباما قد صرح في خطابه الذي ألقاه الشهر الماضي عن حالة الاتحاد بما يلي: "في أوكرانيا، نحن ندعم حق كل شخص في أن يعبر بحرية وبشكل سلمي وفي أن تكون له كلمته حول مستقبل بلده".
ومع هذا، فإن ما يظهره الشريط الصوتي بوضوح هو أن واشنطن تلجأ في سياساتها الدولية إلى استخدام طرق البلطجة، بما فيها العنف، من أجل إحداث انقلابات سياسية بهدف إقامة أنظمة مرتبطة بشكل كامل بالمصالح الجيوستراتيجية الأميركية. ومثل هذا السلوك فيما يخص أوكرانيا بعيد عن الديموقراطية شأن الانقلابات التي دبرتها الولايات المتحدة في بلدان مثل شيلي والأرجنتين قبل أربعين عاماً.
إن الهدف المحدد لما تبذله الولايات المتحدة من جهود في أوكرانيا هو نقل السلطة السياسية إلى أيدي تشكيلة من النافذين المتحزبين للغرب والذين حصّلوا ثروات ضخمة عن طريق الخصخصة، أي عن طريق سرقة الممتلكات العامة في ظروف تفكيك الاتحاد السوفياتي، عام 1991، من قبل البيروقراطية الستالينية. وعليه، تريد الولايات المتحدة تحويل أوكرانيا إلى رأس جسر على حدود روسيا بهدف تقسيم أراضيها وتحويلها إلى تابع للاستعمار الجديد. وهذا المشروع يشكل جزءاً لا يتجزأ عن تصميم واشنطن على فرض هيمنتها الاستراتيجية على كامل أوراسيا.
إن المكالمة الهاتفية بين نولاند وبيات تدور حول تفاصيل عملية في هذا المشروع. منها تأجيج المشاعر المعادية للروس في إطار التعصب القومي الأوكراني، ومساعدة القوى السياسية اليمينية التي تستخدم كأدوات ضد حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش. وكان توجه الرئيس الأوكراني نحو اتفاق مع روسيا بدلاً من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو الشرارة التي اندلعت منها نيران الحملة الحالية الهادفة إلى تغيير النظام.
وقد أظهرت نولاند بوضوح ما تفعله واشنطن في الكواليس من أجل فرض من تختاره -بين قادة المعارضة الذين يوصفون بأنهم "الثلاثة الكبار"- ليدخل الحكومة وينقلها إلى الصف الأميركي، وكذلك إلى تحديد أدوار زعيمي المعارضة الآخرين. والواضح أن من وقع عليه الاختيار هو آرسني ياتسنيوك من حزب الوطن الذي كان وزيراً للاقتصاد والشؤون الخارجية في الحكومة السيئة الصيت التي وصلت إلى الحكم بفضل الثورة البرتقالية المزعومة التي دبرتها واشنطن عام 2004. وقد وصفته مساعدة وزير الخارجية، نولاند، بأنه "الشخص الذي يمتلك خبرة في الاقتصاد وفي الحكم".
وبخصوص زعيمي المعارضة اليمينية الآخرين اللذين يتمتعان بنفوذ على المحتجين ضد يانوكوفيتش، وهما الملاكم السابق فيتالي كليتشكو، زعيم التحالف الأوكراني الديموقراطي للإصلاح (اختصارها "أودار" يعني "الضربة")، وأوليغ تياغنيبوك، زعيم الحزب النيوفاشيستي "سفوبودا" فينبغي أن "يظلا بعيدين" وفق ما تقترحه نولاند وأن يواصلا عملهما في إثارة الجماهير. وتضيف نولاند: "لكن ياتسنيوك سيكون بحاجة إلى التحدث معهما أربع مرات في الأسبوع". وعندما يتكلم السفير ومساعدة وزير الخارجية عن اثنين من هؤلاء القادة، فإنهما يستخدمان اسم "ياتس" وكليتش"، وهما اسمان يطلقان عادة على الكلاب المنزلية.
وخلال زيارتها الأخيرة التي قامت بها إلى كييف والتي تزامنت مع افتضاح أمر المكالمة الهاتفية، التقت نولاند بزعماء المعارضة الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في الشريط الصوتي. كما ظهرت معهم أمام الجمهور. والزعماء الثلاثة هم "ياتس" و"كليتش" والرجل الذي يقوم بالدور الرئيسي في تنظيم مظاهرات عنيفة في ساحة "ميدان"، أي تياغنيبوك، زعيم سفوبودا.
هنالك أنباء تفيد بأن تياغنيبوك قد منع السنة الماضية من دخول الولايات المتحدة بسبب خطبه اللاهبة المعادية للسامية التي يهنئ فيها أنصاره بإثارة الخوف عند "المافيا اليهودية الموسكوفية التي تحكم أوكرانيا"، ويتغنى بأمجاد الفاشيين الأوكرانيين خلال الحرب العالمية الثانية "لأنهم قاتلوا الـ ’يوبين‘ (كلمة تحقيرية للدلالة على اليهود) الروس والألمان وغيرهم من الحثالات". وكل هذا لم يمنع نولاند من الاحتفاء به.
وخلال زيارتها لأوكرانيا في كانون الأول/ ديسمبر 2013، عرضت نولاند، وهي ابنة مهاجر يهودي التجأ إلى الولايات المتحدة هرباً من القمع القيصري في روسيا، عرضت نفسها في مشهد مثير للقرف بشكل خاص عندما قامت بتوزيع البسكويت في ساحة "ميدان" على متعصبي سفوبودا الذين كانوا يوجهون التحية للبوليس السري الهتلري المسؤول عمّا لا يحصى من المجازر الجماعية.
إن نولاند هي تجسيد لاستمرار السياسة الخارجية الأميركية انطلاقاً من الجرائم التي ارتكبتها حكومة بوش وصولاً إلى تصاعد هذه الجرائم في ظل أوباما. وقد شغلت منصب المستشارة الرئيسية في الشؤون الخارجية لنائب الرئيس ديك شيني عندما كان هذا الأخير يمثل رأس حربة السياسة العدوانية وأعمال وضع اليد والتعذيب الممارسة في الخارج، إضافة إلى كونه قد أقام البنية التحتية لدولة بوليسية داخل الولايات المتحدة.
أما زوج نولاند، أي روبرت كاغان، فهو الخبير في السياسة الخارجية اليمينية والذي كان الرئيس المؤسس لـ "مشروع القرن الأميركي الجديد"، الذي يضم فريقاً للتفكير مكوناً من المحافظين الجدد في واشنطن. وقد لعب هذا الفريق الدور الرئيسي في وضع سياسة وإيديولوجيا الحرب على كل من أفغانستان والعراق.
وتتبنى نولاند اليوم سياسة مشابهة على حدود روسيا التي تمتلك السلاح النووي. وقد انعكست التوترات التي أثارتها هذه السياسة في عبارتها البذيئة المذكورة أعلاه. وبالتوازي مع الجهود التي تبذلها واشنطن من أجل مواصلة السعي إلى فرض هيمنتها الجيوستراتيجية، فإنها تعبر عن نفاد صبرها المتعاظم إزاء رفض ألمانيا، أقله حتى الآن، لفكرة الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا.
إن السياسة العدوانية التي تعتمدها الإمبريالية الأميركية تستفيد هذه المرة من دعم مختلف عناصر اليسار المزور المثقل حتى الثمالة بالشعارات الديموقراطية والانسانية التي تبدأ عند المشعوذ الحداثي الجديد سلافوي زيزيك وتنتهي عند تنظيم الأممية الاشتراكية، والذي نجح في نشر تقرير مطول عن أحداث أوكرانيا من دون الإشارة بكلمة واحدة إلى مؤامرات واشنطن.
إن سياسة إشعال الحرائق التي تعتمدها واشنطن تهدد باندلاع حرب أهلية في أوكرانيا وتعزز خطر نشوب حرب كونية. ولا تستطيع الطبقة العاملة الأوكرانية أن تنأى بنفسها عن هذه الأزمة من خلال مناصرة يانوكوفيتش أو خصومه اليمينيين. فالفريقان متفقان على تدمير مستوى معيشة الطبقة العاملة وحقوقها. ولا يمكن للطبقة العاملة أن تجد طريق التقدم إلى الأمام إلا من خلال تكوين حركتها الاشتراكية الجماهيرية الخاصة والمناهضة بعناد للإمبريالية، والمصممة على توحيد الجهود مع عمال روسيا وأوروبا وسائر العالم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018