ارشيف من :أخبار لبنانية
تقطيع وقت ومعالجات بالقطّارة حفاظاً على الاستقرار
هيام القصيفي - صحيفة "الأخبار"
يجمع وزراء مشاركون في صياغة البيان الوزاري على ان البيان سيصدر في نهاية الامر، في شكل توافقي. لكن، في المقابل، ثمة تخوف من أن يكون الهدف من المناورات اللفظية استنفاد المهل في ظل المستجدات الإقليمية.
لا تزال اللحظات الأخيرة التي سبقت تأليف الحكومة ماثلة للعيان أمام جميع المعنيين الذين ناموا ليلة إعلان المراسيم من دون حكومة، وأفاقوا على كلمة سر بضرورة تشكيلها. فتألفت حكومة الشراكة في أقل من ساعات معدودة بعد انتظار 11 شهراً، ارتفعت فيها بورصة التأليف وانخفضت عشرات المرات.
وما كادت اللجنة الوزارية لصياغة البيان الوزاري تتشكل، حتى خُيّل للوزراء المعنيين أن البيان أصبح في حكم المنجز، ورأى بعضهم أنه تخطاه الزمن، وبدأ الحديث عن مرحلة نيل الثقة وما بعدها.
لكن ما حصل هو أن البيان أرجئ من جلسة إلى اخرى، بعدما استعاد فريقا 8 و14 آذار تشددهما حيال صيغة كان متفقاً ــــ خلال العمل على شروط التسوية الحكومية ــــ على أن تتناول تورية لغوية لإعلان بعبدا وثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، كي تنال الحكومة الثقة وتحقق ما جاءت من أجله، أي استقرار البلد في الحد الأدنى المطلوب.
حين انتهت جلسة الاثنين، أول من أمس، من دون بيان وزاري، ومن دون اتفاق على المعادلات المطروحة، بدا أن أمراً ما قد استجد على ملف الحكومة، يتعدى إطار التسويات اللغوية. وبحسب أوساط سياسية مواكبة لمراحل التأليف، إقليمياً، كان من المستغرب التبشير ببيان وزاري سريع قبل أن تتضح المعالم الحقيقية للتسوية التي أنضجت حكومة شراكة بعدما تعثر الاتفاق عليها قبل ساعات من إعلانها لبنانياً.
فحتى الآن، ورغم الحركة الداخلية واللقاءات الجارية خارج لبنان، لم يظهر من عناوين التسوية الإقليمية إلا تأليف الحكومة فحسب، تماشياً مع كل المواعيد الإقليمية التي كانت مضروبة، سواء في جنيف أو في سوريا والعراق، ما يؤدي إلى إعطاء الدواء للوضع اللبناني على جرعات، فلا صفقات متكاملة، ولا حلول شاملة، بل تقطيع للوقت، والاستفادة منه لتحصيل مكاسب محلية وإقليمية، كما حصل بالنسبة إلى عملية التأليف.
فمعادلة الاستقرار في لبنان، تطلبت منذ أن استقالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، سيناريوات مختلفة، فلم يأخذ تكليف الرئيس تمام سلام سوى لحظات، لكن عملية التأليف استغرقت أحد عشر شهراً، حفلت بمد وجزر إقليمي ومحلي، ما أسفر عن متغيرات جذرية، بعدما تدرجت المطالبات من حكومة تكنوقراط وحيادية وأمر واقع إلى حكومة سياسية بامتياز، إثر استنزاف الوضع السياسي والأمني حتى الرمق الأخير.
بعد التأليف، جاء دور البيان الوزاري. وبحسب مصادر وزارية مطلعة، كان البيان، منذ البداية، جزءاً أساسياً من الصفقة التي حصل بموجبها التأليف. وهذا يعني أن كل القوى السياسية كانت على اطلاع تام على موجبات الاتفاق الذي يقضي بصياغة البيان «بالتي هي أحسن»، والذهاب إلى نيل الثقة. وإزاء ذلك، لا مبرر للتأخير في إصدار البيان، ما دام الجميع ارتضوا التسوية قبل دخولهم الحكومة، إلا إذا كان المقصود إدخال البلاد في فوضى سياسية عشية الاستحقاق الرئاسي.
لم يستبعد أحد من المشاركين في الاتصالات الحكومية أن تأخذ المعادلة الثلاثية أو إعلان بعبدا أخذاً ورداً، وسط ما يعتبره الطرفان «مستلزمات الرأي العام» لكل منهما للخروج بأفضل الممكن إزاء جمهورهما الممتعض أساساً من التركيبة الحكومية. من هنا، كانت بعض الأوساط المطلعة حذرة في إعطاء مسحة تفاؤل على إمكان الخروج ببيان سريع، كما تقتضي ظروف المرحلة الراهنة. ففريق 14 آذار ظل على تمسّكه بإعلان بعبدا، وبرفض القبول بالثلاثية. وأوساطه كانت مصرّة على التأكيد لسائليها أن الاتفاق يقضي بالحصول على هذه الصيغة، وإن مواربة. ولسان حال فريق 8 آذار كان أيضاً مشابهاً، بعدما أكد وزراء معنيون أن الحصول على الثلاثية بات أمراً مبتوتاً، لو بعبارات ملطفة. حتى إن البعض منهم كان مساء أمس حاسماً بأن البيان سيصدر بصيغة توافقية وإن تأخر بعض الوقت.
لكن بقدر ما أن للتفاصيل المحلية ثقلها ووقعها على إصدار البيان، هناك اعتراف بحجم المتغيرات الإقليمية التي استجدّت في الفترة التي فصلت بين موعد التأليف والعمل على صياغة البيان. إلا أن هذه المتغيرات لم تحجب، رغم أهميتها، أن ثمة مواعيد محددة لإصدار البيان الوزاري. وإذا كانت عملية تأليف الحكومة لا تفترض مهلاً، فإن إصدار البيان محصور بمهلة محددة كي تمثل بعدها الحكومة أمام المجلس النيابي لنيل الثقة. وهذا يعني أن أي تشدد لفظي أو سياسي يتعدى الأيام المقبلة، لن يعود من السهل اعتباره مجرد مناورات لفظية؛ لأنه سيعكس آنذاك جانباً من الصفقة الإقليمية لم ينضج بعد. وحتى الآن، يرفض الطرفان الأساسيان اللذان قبلا التسوية المحلية أن يستبقا الأمور وينعيا الاتفاق الإقليمي؛ لأن أي إفشال حقيقي للبيان سيرتدّ على الوضع الداخلي في شكل حاد، وهو الأمر الذي لا يبدو أن الدول الراعية للاستقرار ترغب فيه، وخصوصاً أن لبنان مقبل على مجموعة من المؤتمرات الدولية تحت سقف حمايته وتأمين سلامته، ولا يمكن الذهاب إليها بحكومة من دون غطاء شرعي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018