ارشيف من :أخبار لبنانية
«التيار الوطني» يوسّع مروحة انفتاحه داخلياً
دنيز عطالله حداد - صحيفة "السفير"
لم يستهن العماد ميشال عون يوما بنفسه وبشعبيته وبقدراته. حتى في اقسى الظروف التي هددته وطاولته شخصيا ومناصريه، تعاطى مع "الحالة" التي يمثلها بوصفها انحيازا مطلقا لـ"الحق". هكذا يوم عاد من منفاه في 7 ايار 2005 وقف ليعلن باعتداد "لقد قلت سابقا ان العالم يستطيع ان يسحقني لكنه لن يأخذ توقيعي، وها انا اعود والعالم لم يستطع سحقي ولم يأخذ توقيعي".
بهذا المعنى، وبشواهد اخرى كثيرة، ليس التواضع سمة العماد عون، خصوصا متى كان يظن انه والحق اكثرية. اليوم يعتبر عون انه، وفق معاييره وتقويمه، له كل الحق في ان يكون رئيسا للجمهورية اللبنانية. هذا الشعور بالأحقية، معطوفا على شخصية عون المطبوعة بالكثير من تأثيرات المدرسة العسكرية السلبية في السياسة، تبرر الاسئلة الكثيرة حول ادائه السياسي مؤخرا. فجأة، هبط الانفتاح على "التيار الوطني الحر"، وازدادت محاولات تقربه من جميع القوى والاحزاب اللبنانية.
يبدي حلفاؤه، قبل الخصوم، تفاجؤهم من "تواضعه" المستجد. فبعد "حج" وزراء "التيار الوطني الحر" الى بنشعي للقاء النائب سليمان فرنجيه، في بادرة هي الأولى منذ تحالفهما، ها هم الوزراء يعرجون على برج حمود للقاء قيادة "حزب الطاشناق".
واذا كانت هذه الزيارات طبيعية بين الحلفاء، الا انها ليست كذلك عند "التيار الوطني الحر". فطالما اشتكى حلفاؤه من محاولات "الأستذة" من قبل الجنرال عليهم. ومنهم من يذهب، عند اشتداد الانفعال او الغضب، الى ابعد من ذلك. لكن ضرورات الرئاسة قد تبيح محظورات الزعامة. فانفتاح وتواضع عون ليسا فقط تجاه الحلفاء، انما تجاه الخصوم ايضا.
مطمئنا الى تحالفه المتين مع "حزب الله"، وهو ما تأكد عند اكثر من استحقاق، انطلق عون في مد جسور جديدة مع الجميع. جسور يفترض انها ستؤمن له العبور الى قصر بعبدا للسنوات الست القادمة. خفف عون من لهجته الهجومية ضد خصومه، تحديدا المسلمين منهم. التقى سعد الحريري. ابدى استعدادا كبيرا "للتواصل والانفتاح مع خطاب الاعتدال السني في المنطقة". فالحريري كتلة انتخابية وازنة في المجلس النيابي اللبناني. اختفت انتقاداته لبعض مواقف النائب وليد جنبلاط الذي لم يسلم غالبا من انتقاده، حتى حين جمعهم خندق سياسي واحد. شجع الشباب في حزبه على ضخ الروح في قنوات التواصل بين "الوطني الحر" و"الاشتراكي".
وفي مقابل انفتاحه على المسلمين، رفع وتيرة انتقاداته للمسيحيين. حيّد بكركي، بل يحاول دغدغة رغباتها في الكلام عن "رئيس مسيحي قوي يعيد التوازن بين السلطات". ينتقد "الوسطيين" ويضع صفات متعددة الى جانب اسمائهم، ليس الضعف الا ألطفها. هجومه المتواصل على الرئيس ميشال سليمان يندرج في السياق نفسه، خصوصا كلما زاد الحديث عن امكانية التمديد للرئيس، او ربما التجديد له.
بديهي ان يكون ضد اي تعديل دستوري. وطبيعي ان يحرص على التمسك بموعد الاستحقاق.
لكن انفتاح عون على كل القوى والاطراف السياسية، لا يقابله سلوك مماثل مع المحازبين. فهؤلاء يفاجأون في كل مرة باستبعادهم عند الاستحقاقات الوزارية او النيابية لصالح "اصدقاء" وحلفاء للتيار. وهو ما حصل في الحكومة الاخيرة. في كل مرة عذر جديد. هذه المرة توضع الحسابات الرئاسية في الميزان. وكعادتهم، يتقبل "العونيون" الوضع على مضض. يصعب عليهم رؤية انفسهم خارج "التيار"، وان كان يصعب عليهم في احيان كثيرة تحديد خارطة طريق لانفسهم في "التيار"، او حتى لمشروع ورؤية ومستقبل "التيار الوطني الحر" نفسه.
لكن هل تتيح كل الدروب الداخلية وصول عون الى قصر بعبدا؟
مصادر مطلعة في"التيار" تؤكد ان "الانفتاح على الجميع سياسة في جوهر فكر التيار وقناعاته. وليس عيبا ان نكون نسعى الى رئاسة الجمهورية. لا بل هذا هدف من اهداف ممارسة السياسة: الوصول الى السلطة بكل مواقعها. ولذلك، كما ننفتح على الجميع في الداخل، نحاول ان نتواصل مع الدول المعنية بالشأن اللبناني، ليس فقط لاسباب رئاسية، انما بشكل اساسي لتأمين مظلة استقرار للبنان والمساهمة في اجراء الاستحقاق في موعده. كما نعيد تعريف المعنيين بطريقة فهمنا وممارستنا للسياسة".
حماسة بعض الناشطين في "التيار" وتفاؤلهم المفرط في امكانية وصول عون الى الرئاسة الاولى، تقابله قناعة تامة لدى خصومه في "14 آذار" باستحالة الموضوع. "يُفترض، اقله، انتصار النظام السوري في سوريا ليتمكن ميشال عون من تبوّء سدة الرئاسة في لبنان، وهذان امران لن يحصلا"، يقول احد النواب "الصقور" في مجالسه. وهو وان كان وفريقه السياسي يؤكدون "تبني مرشح يُتفق عليه لقوى 14 آذار" الا انه يشير الى ان "الواقعية السياسية تفرض علينا الاقرار بان لبنان لا يُمكن الا ان يُحكم برئيس توافقي، منفتح ومعتدل وقادر على احياء فكرة لبنان".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018