ارشيف من :أخبار لبنانية
خيارات «14 آذار» ستكبّل الحكومة وتغرقها في الجدل السياسي
شادي جواد - صحيفة "البناء"
من المنتظر أن يكون لبنان في الأسابيع والأشهر المقبلة أمام رزمة من الاستحقاقات قصيرة وطويلة الأمد، ومن غير الممكن أن يستطيع مقاربة أي منها، ما لم يكن قد تجاوز الخلافات السياسية الموجودة أو على الأقل تم التوصل إلى صيغة ما يتم من خلالها تنظيم هذه الخلافات للتفرغ إلى ما هو آت من ملفات مصيرية ومهمة ومن بينها الاستحقاق الرئاسي، وقانون جديد للانتخابات، وما بين هذا وذاك مؤتمرات دولية محدد مكانها وزمانها وينحصر جدول أعمالها بالبحث عن الأطر التي تمكن أصدقاء لبنان من تقديم المساعدات السياسية والمالية لهذا البلد لكي يتجاوز ويكون قادراً على مواجهة تسونامي النزوح من سورية. وإن أقل ما يمكن أن يفعله أهل السياسة لكي يتجاوز لبنان هذا القطوع هو التفاهم بين مكونات الحكومة على مقاربة أي ملف بعيداً عن الكيدية السياسية والمصالح الخاصة، وهي قواعد أثبتت فشلها في بلد هو في الأصل قائم على معادلة التوافق والتفاهم.
والملاحظ أن بداية إقلاع الحكومة التي لم تنل بعد جواز العبور إلى العمل من مجلس النواب الذي ينتظرها لمناقشة بيانها الوزاري ومنحها الثقة على أساسه، هي بداية غير مشجعة، حيث يتخذ أفرقاء من هذه الحكومة منصّةً لإطلاق المواقف التي تصبّ الزيت على النار أو مجرد صندوق بريد لبعث بعض الرسائل التي تتضمن مواقف باتت ممجوجة وتأخذ شكل الخطاب الخشبي الذي ملّ سماعه غالبية الناس الذين باتوا يفقدون الأمل في أن تأتي حكومة وتنشلهم مما هم فيه طالما أن فريق الرابع عشر من آذار يراهن في كل خطوة يخطوها على مجريات الأوضاع على المسار الإقليمي ليبني على الشيء مقتضاه، وفق مصالحه ومصالح القوى الخارجية التي ترعاها.
إن فريق الثامن من آذار قدم في سبيل تأليف الحكومة ما لم يتخيله حتى الفريق الخصم، وذلك من منطلق حرص هذا الفريق وفي مقدّمه «أمل» وحزب الله على النأي بالبلد عن لهيب النار في المنطقة، وكذلك من خلال قراءاتهم الصحيحة لضرورات المرحلة الدقيقة والخطيرة.
غير أن فريق الرابع عشر من آذار وبدلاً من تلقف هذه الإيجابية فوق العادة للفريق الآخر والعمل على تجاوز غبار المرحلة السابقة والانطلاق باتجاه فتح صفحة جديدة ذهب في اتجاه التمسك بخيار المراوغة والمراهنة على صورة الوضع الإقليمي والدولي وتحديداً الوضع السوري ويترجم ذلك من خلال مواقف بعض الوزراء البارزين من هذا الفريق حيث تتسم بالعنجهية والكيدية المثيرة للجدل من حيث أن هؤلاء ما زالوا ينطقون بلسان غيرهم ولا يتصرفون على أنهم باتوا من مكونات الحكومة ويتولون مهام وزارات حساسة.
ولا يفصل مصدر سياسي مطلع ما يجري داخل اجتماعات اللجنة الوزارية المولجة إعداد البيان الوزاري عن مراهنة فريق «14 آذار» الدائمة على المشهد الإقليمي حيث أنه يحاول اللعب على عامل الوقت في ما تبقى من مهلة محددة لإعداد البيان الوزاري علّ الأيام المقبلة تحمل إليه تطورات تصب في خدمة تحسين أوراقه التفاوضية إن على مستوى ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة أو إعلان بعبدا.
وفي رأي المصدر أنه إذا ما أنجزت اللجنة البيان الوزاري وأخذت الحكومة على أساسه الثقة، فإن فريق 14 آذار سيمضي في اعتماد سياسة إغراق الحكومة في الجدل السياسي لمنعها من الإنتاجية وتكبيلها بانتظار وصول كلمة السر للمرحلة المقبلة، على عكس فريق الثامن من آذار الذي يبدي ليونة لافتة في كل المحطات التي على الحكومة عبورها وصولاً إلى نيلها الثقة.
ويتساءل المصدر عما سيكون عليه حال الحكومة في المرحلة المقبلة في ظل تأليفها من مكون سياسي غير متآلف ولا متجانس، حيث تنتظرها استحقاقات ومحطات كثيرة تحتاج مقاربتها إلى تفاهمات سياسية على مستوى عالٍ، وهذا العامل غير مؤمّن، أقلّه في هذه الآونة، حيث في الوقت الذي يضع فيه فريق الثامن من آذار مسألة مكافحة الإرهاب أولوية، فإن الفريق الآخر يحاول أن يكون لاعباً أساساً في الاستحقاق الرئاسي، وقد حاول الرئيس سعد الحريري خلال وجوده في الفاتيكان الإيحاء بذلك من خلال الخلوة التي جمعته مع البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي.
ويستغرب المصدر تعامل فريق 14 آذار مع شركائه في الوطن من بوابة وجود حزب الله في سورية، هذا الوجود الذي بات مثل «قميص عثمان» يرفعه هذا الفريق إنما وجد مصلحته في ذلك ويخفيه إذا شعر أن الظرف يقتضي ذلك.
وهذا يعني أن تعاطيه حتى مع المسائل الجوهرية والحساسة لا ينطلق من ثوابت ومسلمات بقدر ما يتعاطى معها بمنطق الربح والخسارة ومدى تلبيتها لرغبات أولياء الأمر في الخارج.
ويعرب المصدر عن شكوكه في أن تصمد الحكومة طويلاً ـ وإن كان عمرها الافتراضي ثلاثة أشهر ـ في حال استمر فريق «14 آذار» على هذا النهج السياسي الذي يتبعه حالياً حيث أن الآتي من الأيام ربما يشهد الكثير من المحطات التي تفرض على هذا الفريق اتخاذ مواقف حاسمة وخيارات واضحة لا لُبس فيها، لا سيما في مسألة مواجهة الإرهاب التي لا تحتمل أي تأويل أو التفتيش عن الذرائع التي تغطيه عن حسن نية أو سوء نية، حيث أن نظرية المواربة والتلطي خلف الإصبع لا تستقيم مع غول الإرهاب الذي لا يقصد طائفة أو حزباً أو مذهباً معيناً، بل إنه يضرب فقط لزعزعة الاستقرار في هذا البلد ومحاولة زجّه في آتون الفتنة المذهبية التي هي أحد أبرز عناوين مخططاته الجهنمية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018