ارشيف من :أخبار لبنانية
إدغام المقاومة في الدولة كيدية سياسية والتمايز بينهما مصلحة وطنية
هتاف دهام - صحيفة "البناء"
يدرك اللبنانيون بمختلف انتماءاتهم أنّ المقاومة باتت قوة استراتيجية في الصراع الدائر في المنطقة. ويدرك سياسيّو لبنان أنّ أيّ نقاش في الاستراتيجية الدفاعية حول أي طاولة حوار بهدف نزع سلاح حزب الله، أو المقايضة عليه ليس مجدياً، فالمقاومة لم تعد قوة محلية فقط، بل دخلت في معادلة الصراع الاقليمي والدولي في المنطقة، وتالياً فهي باتت ترعب الدول الإقليمية، والولايات المتحدة وإسرائيل، بأكثر مما تزعج الأطراف المحليين بأضعاف مضاعفة. وعليه فإنّ أي طاولة حوار حول الاستراتيجية الدفاعية ستكون موضع تجاذب بين الأقطاب السياسيين، انطلاقاً من التجاذب الخارجي حولها.
يؤكد فريقا 8 و14 آذار على التئام طاولة الحوار ويدعوان الى ذلك. الا أنّ كليهما لديه شروطه على الآخر، ففريق 14 آذار منذ عام 2005 وهو يدعو ويناشد الدول الغربية والأمم المتحدة للضغط لسحب سلاح حزب الله، وتسليمه إلى الدولة اللبنانية، الأمر الذي يرفضه فريق 8 آذار، فالمقاومة والدولة وفق مفهوم هذا الفريق هما مستقلان، المقاومة لا يمكن أن تكون في كنف أو تحت إمرة الدولة التي يقودها طرفان، طرف يميل الى المحور الأميركي ـ السعودي، وآخر إلى المحور المقاوم والممانع، فالتوجه السياسي للبنان منقسم بين سياستين، ما يستوجب توحيد هذا التوجه أولاً، لتحديد هوية لبنان، والمخاطر التي يواجهها قبل الانتقال الى مناقشة بند المقاومة، لأنّ إدغام المقاومة في الدولة يعتبر كيدية سياسية مكشوفة.
يرفض فريق 8 آذار أن تكون المقاومة في كنف الدولة، فهي برأيه صيغة تلتفّ على دمج المقاومة في الجيش، وهي مناورة احتيالية بامتياز، تفقد لبنان الميزة الأساسية لمقاومته التي يجب الا تخضع للدولة ولا تتحمّل وزرها، باعتبار أنّ المقاومة يقودها الشعب، لا السلطة، فالسلطة تنظم الجيوش وتدير العملية الدفاعية، والشعب ينظم المقاومة المخوّلة مواجهة الاحتلال، فاستقلال المقاومة عن الدولة، يقوّي دور الدولة ولا يضعفها، وتالياً لا تلقي عليها المقاومة تبعات أي عمل تقوم به، مع الإشارة إلى أنّ حزب الله لا يدعو الى قطع العلاقات مع الدولة ولا الى دمجها، بل الى الاستقلالية والتمايز الذي هو مصلحة للبنان أولاً، فـ»إسرائيل» في تموز 2006، على الرغم من أنها قصفت الجسور وقطعت أوصال الطرقات، الا انها لم تضرب مؤسّسات الدولة، والثكنات العسكرية، ولذلك فهو في رفضه مصطلحات 14 آذار التي يعتبرها اعتباطية يرفض تحميل الدولة مسؤولية أي أداء شعبي مقاوم، لا سيما أنّ اسرائيل تسارع مع ردّ المقاومة على أيّ عمل عدواني تقوم به، الى تحميل الدولة اللبنانية المسؤولية، على قاعدة إحراج المقاومة في الداخل، والدولة أمام المجتمع الدولي. فهل دعوة 14 آذار الى دمج المقاومة في الدولة استجابة للخطاب الاسرائيلي؟
هذا الكلام ليس بجديد، فالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وفي المطالعة الاولى حول الاستراتيجية الدفاعية في 2006 في الجلسة الاولى من هيئة الحوار1، التي دعا اليها رئيس مجلس النواب نبيه بري، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما رافق الاغتيال من تفجير للأوضاع ومن شحن طائفي، قدم مطالعة حول تهديد العدو الإسرائيلي للبنان وطبيعة هذا التهديد وأشكاله. وأسهب يومذاك بدقة وتنظيم ومنهجية، في عرض مميّزات المقاومة بالتفصيل من حيث المرونة، والديناميكية، والانضباطية، والسرية التامة، والقدرة السريعة على اتخاذ القرار من دون رتابة إدارية، كما عرض الوضع الجغرافي في جنوب لبنان، وميّزات لبنان بشكل عام، وكشف نقاط ضعف العدو الإسرائيلي التي ركزت عليها المقاومة في فترة مواجهتها للعدو.
خلص السيد نصر الله الى نتيجة انه في وضع مثل وضع لبنان، لا يمكن تحقيق توازن مع العدو إلا من خلال وجود مقاومة شعبية. وهذه المقاومة تحتاج الى تنسيق مع الجيش اللبناني الذي يتيح للمقاومة الفاعلية والقدرة على التحرك، كما خلص الى انّ المقاومة، التي حمت لبنان، وخصوصاً في مرحلة ما بعد التحرير في عام 2000 انما فعلت ذلك من خلال التوازن الذي أحدثته في ميزان القوى، ومن خلال إدراك العدو انّ المقاومة، شخصت بدقة نقاط ضعفه، وتملك القدرة على إصابة تلك النقاط بأذى كبير، الأمر الذي عطل إمكانية استسهال استخدام الاجتياح البري أو الجوي أو الاعتداء البحري الواسع.
لقد أدلى السيد نصرالله حينها بمعطيات أثارت اهتمام الجميع، فساد صمت كامل وإصغاء، واعتبر سمير جعجع المطالعة بالمهمة والكبيرة جداً، ليثني النائب وليد جنبلاط عليها ويعتبرها مطالعة استراتيجية. وعليه فقد كان من ثمار المحطة الأولى للحوار الذي عقد في مجلس النواب، التهدئة والاستيعاب، والإقرار بلبنانية مزارع شبعا، وضبط السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. ليتوقف هذا الحوار، مع بداية حرب تموز في 12 تموز 2006، ويعود في 25 تشرين الأول 2006، مع إطلاق الرئيس بري مبادرة حوارية تشاورية حول الطاولة المستديرة والتي تقوم على دعوة قادة مؤتمر الحوار السابق إلى حوار تشاوري لمدة أسبوعين. جاءت هذه الدعوة لكسر الجليد بين الأطراف في ضوء تداعيات عدوان تموز، ولم يقدم خلال الجلسات التي عقدت في شهري تشرين الاول وتشرين الثاني من عام 2006، أي من الاقطاب السياسيين رؤيته لأي استراتيجية دفاعية، إنما اكتفوا بالحديث عن المحكمة الدولية، ورئاسة الجمهورية وتأليف الحكومة، ليطلق رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في 9 أيلول 2008 بعد انتخابه نتيجة تسوية الدوحة، الدعوة إلى انعقاد طاولة الحوار الوطني. هذا الحوار الذي أتى بعد انتصار المقاومة في تموز 2006 على اسرائيل، وأحداث السابع من أيار، وما استتبع ذلك من اتفاق الدوحة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وكلّ ذلك كان لغير مصلحة فريق 14 آذار، فما عجز هذا الفريق عن تحقيقه في 2005، بعد اغتيال الحريري، فشل في تحقيقه أيضاً في 2008 لجهة سلاح المقاومة.
في تلك الجلسات التي امتدت الى 2010 قدم كلّ قطب من أقطاب الحوار مطالعته، رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون اقترح الاستحصال على شبكة دفاع جوي لحماية لبنان وتعميم المقاومة الشعبية المسلحة على سائر المناطق اللبنانية من الجنوب الى الشمال، والرئيس أمين الجميّل الذي شدّد على ضرورة التوصل الى خطة عمل قبل البحث في الاستراتيجية الدفاعية، أيد مطالعة رئيس القوات سمير جعجع الذي استوحاها من النمط السويسري الذي يقوم على «مقاومة شعبية بإشراف الدولة وسيطرتها»، وبدأه بالتشديد على «ضرورة الاستفادة من قدرات المقاومة، فيما أكد رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أسعد حردان ان أولوية الحوار ليست للسلاح أو الاستراتيجية الدفاعية، بل الإجابة على سؤال محدد هو: «هل هناك أراض لبنانية محتلة من قبل إسرائيل، وهل هناك مخاطر إسرائيلية محدقة بلبنان»، معتبراً أن في ضوء الاجابة يمكن ان يتم الاتفاق على طبيعة الاستراتيجية الدفاعية، وشدد النائب طلال أرسلان في استراتيجيته الدفاعية على التمسك بخيار المقاومة للدفاع، والتركيز على توسيع قدراتها لا تقليصها، لينصرف الرئيس سليمان في المرحلة الثانية من الحوار الوطني 2 الى تقديم تصوّره للاستراتيجية الدفاعية، لينتهي الحوار بخطوة إعلان بعبدا الذي توافق الافرقاء المجتمعون على مناقشة بنوده بالتفصيل، لكنهم في المقابل رفضوا الموافقة عليه كوثيقة وطنية، على عكس ما أعلن رئيس الجمهورية، فإعلان بعبدا الذي نصّ على النأي بالنفس عن الأزمة في سورية وتحييد لبنان عن الازمات المحيطة، وعلى دعم الحلّ السلمي البعيد من العنف للأزمة في سورية ورفض التدخل الخارجي، لم يأتِ أصلاً على ذكر المقاومة لا من قريب ولا من بعيد.
إذن، الاشتباك الحاصل، والذي لم ينته في المرحلة الماضية عاد من جديد اليوم، مع انعقاد اللجنة الوزارية المكلفة صياغة البيان الوزاري في أعقاب السجال الحاصل حول بند المقاومة، ولمّا دعا النائب وليد جنبلاط الى صيغة بيان وزاري مقبولة مع الأخذ في الاعتبار وجود أرض لبنانية محتلة، فإنّ فريق 14 يتمسك بوجوب ان تكون المقاومة داخل كنف الدولة وتحت إدارة الدولة، ولن يقبل بذكر ثلاثية شعب جيش ومقاومة في البيان الوزاري، فهو يريد إعلان بعبدا الذي أكد عليه رئيس الجمهورية.
ليبقى السؤال... ألا يُعدّ تضمين البيان الوزاري جملة المقاومة في كنف الدولة، استباقاً للحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، وإقفالاً للطريق على أي جلسات للحوار؟ ولماذا لا يُرحّل هذا البند الى طاولة الحوار الوطني، فيما يتمّ التركيز في هذه المرحلة على صياغة بيان وزاري يحدّد سياسة الحكومة لجهة سلطة الدولة ومرجعيتها وحق لبنان بجيشه ومقاومته في تحرير الأرض والدفاع في مواجهة اي عدوان إسرائيلي، مع إضافة عبارة تقضي بطرح بند سلاح المقاومة على طاولة الحوار؟ ليُعاد النقاش في الاستراتيجية الدفاعية التي كانت أساس طاولة الحوار المستديرة في 2006، في الحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية وهو الذي بدأ التحضيرات في القصر الجمهوري من أجل توجيه الدعوة إلى أعضاء هيئة الحوار الوطني، فور نيل حكومة الرئيس تمام سلام ثقة البرلمان، لمواكبة الاستحقاق الرئاسي في 25 أيار بجوّ من التفاهم.
ولكن كيف لذلك أن يحصل، في ظلّ أجواء كهذه، فاللجنة الوزارية التي لا تمتلك حتى الآن أي تصوّر مشترك، لم تخرج في اجتماعها أمس بأيّ جديد، وأرجأت اجتماعاتها الى يوم الجمعة المقبل؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018