ارشيف من :ترجمات ودراسات
رائحة النفط تفوح من الربيع العربي
الكاتب : هنري دياكونو
عن موقع agoravox الالكتروني
24 شباط / فبراير 2014
الـ "فيغارو"، تلك الصحيفة الفرنسية التي توزع الأفكار الحميدة أكدت ذلك مؤخراً، بعد أن كان موقع agoravox قد أعلنه وأثبته منذ أسابيع : "العم سام" وأتباعه تمركزوا جيداً قريباً من حدود ذلك البلد الصغير الذي أطلق ثورات "الربيع العربي". ذلك البلد هو تونس.
وهو، أي العم سام، ليس الوحيد. فرنسا هي أيضاً هناك برجالها وبالمدربين العسكريين الذين يدربون ما يعرف باسم الـ "قوات الخاصة". وغير بعيد من هناك، احتشدت قوى لا تقل فاعلية عن القوتين المذكورتين. إنها الجزائر التي لا تريد بأي ثمن أن تعيش مجدداً تلك الحرب الأهلية المروعة التي انتزعت منها قبل وقت قصير عشرات الألوف من أبنائها.
لم كل هذا الازدحام للجزمات العسكرية والبنادق والطائرات بدون طيار فوق الرمال -المغناطيسية- في منطقة الصحراء؟ يقال بأن الهدف من ذلك هو إغلاق مختلف المنافذ التي ترسم حدود تونس وليبيا والجزائر. إغلاقها في وجه الجميع ؟ لا. فقط في وجه جماعات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب التي "تنام" هناك وتهدد البلدان الثلاثة المذكورة. لا، ليس الأمر كذلك بالمرة. أو بالأحرى هو ليس كذلك تماماً !
بل لأن منطقة شاسعة هناك تفوح منها رائحة نفط قوية ما زال مطموراً تحت الرمال. ولأن هذا الحلف الثلاثي الذي تشارك فيه أيضاً قوات الأمن التونسية المكونة من الجيش والحرس الوطني مدعو لأن ينفذ خطة واعدة بالدسم رسمت منذ زمن بعيد بأيدي ملوك الذهب الأسود... ومن ضمنهم شركة توتال الفرنسية. وكل ذلك على ذمة استخبارات موثوقة (تستمد معلوماتها من عسكريين وديبلوماسيين أجانب) تتم مقارنتها مع أحداث ووقائع حالية تستدعي زيارات متتابعة يقوم بها مسؤولون سياسيون في المنطقة وفي الولايات المتحدة الأميركية.
الموضوع الأول لهذه الخطة هو "إخضاع ليبيا" (المنتج الأول لذهب أسود إفريقي من نوعية ممتازة ومتميز بسهولة استخراجه). وإخضاعها يتم عبر ضرب مختلف قبائلها المتصارعة والتي كانت جيدة التسليح (قبل زمن طويل من التدخل الفرنسي-البريطاني). ثم العودة بعد ذلك بليبيا إلى تقسيمها القديم. أي إلى تكوين فيدرالية من ثلاث مناطق متمايزة هي منطقة طرابلس (عاصمتها طرابلس) المفتوحة على البحر والقريبة، لجهة الحدود المشتركة واللهجة والتاريخ، من تونس (التي كان اسمها القديم ليبيا)، ومنطقة فزان شبه الصحراوية في الجنوب الغربي، وأخيراً لجهة الشرق منطقة برقة القريبة من مصر وعاصمتها بنغازي.
ويقع القسم الأكبر من الثروات النفطية في ليبيا بشكلها الموحد كما هو اليوم في منطقة برقة تحديداً. لكن استثمار النفط ضئيل جداً في فزان حيث، وهنا مفارقة مذهلة، تنام كميات هائلة ليس فقط من النفط الذي يسهل استخراجه، بل أيضاً وخصوصاً مخزونات لا تقل ضخامة من الغاز. وإلى ذلك، يتواجد الغاز أيضاً بكميات كبيرة في البحر مقابل الشواطئ الليبية والشاطئ الطرابلسي تحديداً.
وبالنظر إلى موقع فزان الجغرافي خلف دولة طرابلس القديمة والمستقبلية، فقد شكلت منذ سنوات موضوعاً للمطامع الغربية، وفي الوقت نفسه لمطامع أمراء شبه الجزيرة العربية ومنهم أمراء قطر. وقبيل تفجر التمرد الذي تحول إلى ثورة قبل أن يتحول أخيراً إلى "ربيع عربي" في تونس، تراجع القذافي، فيما يخص هذا النفط النائم، عن قراره بالسماح لحفنة من الشركات الأجنبية، منها كبرى الشركات الفرنسية، بالتنقيب على النفط واستخراجه، ثم بإعطاء حق التنقيب والاستخراج لقطر. فتلك الرقعة الصغيرة من الأرض الرملية ترغب، فوق تعطشها للذهب، في أن تمد نحو هذه المنطقة نفوذها المالي، وخصوصاً نفوذها الديني القريب من التطرف عن طريق الإخوان المسلمين، تلك الجماعة المصرية التي تحتضنها قطر وتقيم لها مركزاً في الدوحة.
ثم هنالك بائع متجول شاب لا يحمل شهادة جامعية ولا ثانوية يقوم بإحراق نفسه في سيدي بو زيد. عندها تشتعل تونس بأكملها. ويستقل الدكتاتور بمحض إرادته طائرة الهرب، بعد أن أقنعه بذلك مستشاره الرئيسي الذي يثق به ثقة كاملة. وهذا المستشار هو جنرال في الجيش وعده بأنه سيعود سريعاً إلى موقعه في السلطة. ويا لها من فرصة أكثر من سانحة. يتم مباشرة تنظيم التمرد في ليبيا، وطبعاً توجه الدعوة إلى الغرب بتقديم المساعدة. ثم تمتد النار إلى مصر. ونكاد نعرف بقية القصة.
وبالنظر إلى عدم قدرة الإخوان المسلمين على تدعيم وجودهم في ليبيا بسبب وجود معارضة قبلية تمتلك ميليشيات مسلحة وفاعلة، فقد تمكنوا، على العكس من ذلك، من كسب الانتخابات "الحرة" -تحت اللواء المصطنع لإسلام معتدل- في مصر وتونس بفضل تنظيمهم المتمرس منذ سنوات طويلة والممول بسخاء من قبل حماتهم في شبه الجزيرة العربية. ولكن هذا الإسلام لم يتمكن من حكم تونس وتم تجاوزه من قبل الفصيل المتعصب داخل التنظيم مع الاغتيالات والهجوم على السفارة الأميركية. غير أن ذلك الإسلام شجع الفصيل المتعصب في مصر، ومن هنا جاء التدخل القوي من قبل الجيش الذي طالما أغرقته الولايات المتحدة بالدولارات.
من جهة أخرى، فإن دبلوماسية بلدان الغرب أوهنت أعمال العنف التي أصبحت أكثر خفاءً مع محافظتها على صلابتها. وقد ساعدها في ذلك موقف الرفض الذي قوبلت به جماعة الإخوان من قبل قسم كبير من الشعب التونسي. وهنا ينبغي الاعتراف بأن الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي كانا يمدان أحزاب المعارضة والدولة التونسية باليورو والدولار.
وبنتيجة ذلك، تم إبعاد قطر عن المنطقة من خلال ديكتاتورية عسكرية جديدة بدأت ملامحها بالظهور في مصر. أما في تونس التي تشكل حجر الزاوية في الخطة المذكورة، فقد تم شطب الإخوان المسلمين وقائدهم الذي اكتفى بالتربص بعد "اختفاء" جماعة القاعدة، أنصار الشريعة، وزعيمها المرهوب الجانب. وأعقبت ذلك ملاحقة شرسة للسلفيين واعتماد ديموقراطية هيمنت فيها العلمانية إلى حد بعيد على نتف صغيرة من "الشريعة". ثم شكلت حكومة انتقالية من المستقلين قام رئيسها على الفور بزيارته الأولى للجزائر حيث تم استقباله من قبل الرئيس. وبالتزامن مع ذلك، وصل مساعد وزير الخارجية الأميركية إلى تونس وزار رئيسي الحزبين الرئيسيين. وفي هذه الأثناء، كان رئيس وزراء السلطة الجديدة على وشك القيام بزيارة لملك المغرب. ومن المحتمل في ظل التوجه نحو التخلص من الدعاة الخطرين، أن يصار إلى اعتماد خطبة جمعة موحدة في جميع المساجد.
والمثير للدهشة أن الكوفيات الحمراء التقليدية عادت إلى الظهور فجأة في عدد كبير من المدن، في حين تضاءل ظهور اللحى بشكل متزايد واختفى النقاب بشكل كامل. باستثناء استخدامه كوسيلة للتخفي من قبل قادة أنصار الشريعة الذي تمكن، بفضل هذه الوسيلة (المخزية بالنسبة لمتطرف ديني) من عدم الوقوع في أيدي الشرطة عند باب الخروج من أحد المساجد في ضاحية العاصمة الكبرى.
تبقى ليبيا التي لن يتأخر فكا الكماشة من الإطباق عليها بحجة أنها قد تستخدم كملاذ للعناصر السامة القادمة من إسلام رجعي ودموي أوجدته إمارة تسعى إلى السيطرة على المنطقة... الفاحشة الغنى. الفاحشة الغنى إلى درجة لا يمكنها معها أن تقاوم رغبتها في السيطرة عليها. والبالغة الأهمية بموقعها الجغرافي. وإلى الشيطان (أو الجنة) مئات ومئات الجثث التي كان لا بد من دفنها من أجل الوصول إلى هذه المرحلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018