ارشيف من :أخبار لبنانية
القضاء اللبناني أولاً
القاضي رشيد مزهر - صحيفة "السفير"
كما أنه لا قيامة لوطن من دون قضاء، ولا استمرارية لدولة من دون إرساء العدالة الحقة، فإنه أيضاً لا يجوز التهاون إزاء القضاء المحلي، والعمل على إنقاص هيبته ومكانته ومصداقيته لمصلحة قضاء آخر بما فيه القضاء الدولي، مهما بلغت الجرائم ذروتها، وأعمال الإرهاب طفرتها، لأن القضاء كما عهدناه في مسيرته، وخلال مشوارنا في هيكله الرحب والصلب، وبما يشكل من سلطة يفترض تقديرها لا تدجينها، وصونها لا تهديمها، هو الحصن الأمين والملاذ الأول والأخير لديمومة الأوطان ومصالح الشعوب ومبادئ السيادة والحريات.
ما استدعى هذا الكلام، هو ما سمعته وقرأته بأسف شديد عن العريضة الموجّهة من 69 نائباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، تطالبه فيها بضم كل جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال التي شهدها لبنان منذ العام 2004 ولغاية 2013 واستهدفت عدداً من الشخصيات السياسية، إلى المحكمة الخاصة بلبنان.
إن استمرار المطالبة بالتنازل عن سيادة القضاء الوطني هو إساءة إلى العدالة المرتجاة، وهو تشويش على عمل القضاة المنكبّين على ملفات خطرة وحساسة تمسّ سلامة لبنان وأمنه، ذلك أن القضاء اللبناني ممثلاً بالمجلس العدلي ومحاكم التمييز والجنايات والمحكمة العسكرية، لم يتوان للحظة واحدة عن إصدار الأحكام المناسبة في كل الدعاوى التي عرضت عليه، وأبرزها قضايا القتل والإرهاب والاعتداء على أمن الدولة، والتي كان أصحابها يتربصون شراً بالوطن وأهله.
ولم يتلكأ القضاء يوماً عن مكافحة الإرهاب وتهديداته اليومية، ضمن عمله المضني، وأظهر قدرة كبيرة على محاربة الأعمال الإرهابية بمختلف صورها، والدليل ما تزخر به المحاكم اللبنانية من أحكام وقرارات مبرمة في هذا الشأن، وهي علنية وموجودة ومنشورة، وهي ملك الشعب وليست سرية على الإطلاق.
واسترعت هذه العريضة جملة أسئلة في ذهني رأيت من الضرورة الإضاءة عليها من أجل سمعة القضاء اللبناني أولاً وقبل أي شيء آخر:
1 ـ لماذا الإصرار على إحالة جرائم سياسية معيّنة على محكمة هي موضع شكّ من شريحة كبيرة من اللبنانيين حول دستوريتها وطريقة إنشائها، وهي التي أتت من دون موافقة مجلس النواب الذي يجمع تحت سقفه كل أطياف الشعب اللبناني؟
2 ـ لماذا التفريق بين الجرائم، بحيث يشعر اللبناني بأن هناك جرائم لا تستوي إلا دولياً، بينما الأخرى يكفيها أن تبقى في إطار القضاء اللبناني، مع أن اللبنانيين كافة متساوون أمام قضائهم الوطني وأمام الدستور؟
3 ـ إن من يطمح إلى العدالة، يجب أن يطالب بأن تطبّق على الجميع من دون تفرقة أو تمييز، فهناك جرائم واغتيالات طاولت فئة من اللبنانيين ولم يطالب فريقها السياسي بإحالتها على المحكمة الدولية التي سمعنا أكثر من مرجعية سياسية تتحدث عن خطورتها ووقوعها في فخّ لعبة الأمم، فكيف يستقيم ميزان العدالة بين أيدي الدول والأمم؟
4 ـ لقد سبق لرئيس المحكمة الخاصة بلبنان القاضي الإيطالي الراحل أنطونيو كاسيزي أن قال في دراسة له بالفرنسية بعنوان «بعض الخواطر عن العدالة الجنائية الدولية»: «إن المحاكم الجنائية الدولية هي في مجملها شديدة التبعية للسياسة والديبلوماسية». وهذه الشهادة من أهل المحكمة تؤكد خضوعها وتبعيتها، فلماذا الاسترسال في منح الثقة لمحكمة دولية على حساب القضاء اللبناني الذي يفترض بنا أن نعتزّ بوجوده ونعزز إمكانياته ليبقى الضمانة الوحيدة لنا وللأجيال القادمة؟
إن القضاء اللبناني الذي افتخرتُ بالخدمة فيه، هو أهلٌ للثقة والنزاهة، وخرّج قضاة كباراً لهم في ميدان القانون والاجتهادات صولات وجولات هي موضع اهتمام العالم، وتجاوزت نطاقها المحلي إلى العالم العربي، وقد كان لبنان بفضل قضائه، منارة حقوقية يسطع نورها على أرجاء الخريطة العربية كافة.
إن توسّل القضاء الدولي على حساب القضاء اللبناني معناه دعوة مبطّنة إلى إقفال قصور العدل والمحاكم، والتوقف عن ترسيخ قيم العدالة الحقيقية التي يتوخاها كل ذي حق بعيداً عن السياسة وألاعيبها. فهل يراد للقضاة أن يذهبوا إلى بيوتهم لتُستباح الكرامات والحقوق ويعود اللبنانيون إلى مسرح الثارات وحلّ قضاياهم بطريقة العنف، وأيضاً للإرهاب لكي يضرب وبقوّة في صميم الوطن؟
لذلك كله، فإن اللجوء إلى القضاء الدولي لحلّ الملفات التي توجب الإحالة على القضاء اللبناني، هو ضربة لهذا الأخير الذي يجب على السلطة السياسية، بأطرافها كافة، الالتفاف حوله، ليس في الخطابات والتصريحات وإنما بالممارسة الفعلية والتصرّف الحكيم، لكي يتمكن من تنفيذ القانون وإحقاق الحق، وإنجاز واجباته تجاه وطنه وأهله على أكمل وجه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018