ارشيف من :أخبار لبنانية
ترَف التمديد وأدغال المنطقة
جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"
على رغم الاشتباك السياسي العنيف الذي ساد الساحة اللبنانية، إلّا أنّ الإنطباع الغالب يشير الى صدور البيان الوزاري ولَو وفق سياسة حافّة الهاوية، أي قبيل انقضاء مهلة الشهر الدستورية بوقت قصير.
في الأساس لم تندفع الاطراف السياسية اللبنانية، وخصوصاً تيار «المستقبل» و»حزب الله»، في تعبيد الطريق امام الولادة الحكومية لولا الضغوط الاقليمية للدول المؤثرة في الساحة اللبنانية. ووفق المعادلة الجديدة قدّم كل طرف تنازلات كبيرة، لا بل مؤلمة للوصول الى هنا، ما يعني منطقياً أنّ أيّاً من الاطراف غير قادر على نَسف كلّ المسار الذي حصل كون القرار أكبر من الجميع، وهو ما يعني في المحصّلة أنّ الحكومة ستُنجز بيانها الوزاري وستنال الثقة في النهاية.
والواضح أنّ تيار «المستقبل»، وهو المعنيّ الاول في فريق «14 آذار»، لم ينجرّ الى السجال الحاصل، لا بل انّ سقف مواقفه ظلّ مخفوضاً، وهذا له معناه الواضح. أمّا مواقف رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع فإنها تخضع لحساباته في دفع الامور الى الذروة لتطيير حكومة خسِر فيها بالنقاط، فيما لتصعيد منسّق اللجنة المركزية لحزب الكتائب النائب سامي الجميّل حسابات المزايدة في الشارع المسيحي لحماية دخوله الى حكومة واحدة جنباً الى جنب مع «حزب الله».
وبات واضحاً أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان حاول نَسف الحكومة لاعتقاده أنّ الوصول الى نهاية الولاية من دون الاتفاق على خَلف له ومن دون وجود حكومة شرعية قائمة سيفتح الابواب امام توافق دولي على التمديد له تجنّباً للفوضى الدستورية التي يمكن حصولها، كذلك فَرض هذا التوافق الدولي مساكنة حكومية بين «المستقبل» و»حزب الله».
لكنّ جواب «حزب الله» المقتضَب والحاد كان واضحاً جداً في الرسالة التي حملها: «لا تمديد للرئيس ميشال سليمان أيّاً تكن الظروف». ولم تنفع «الرسالة التوضيحية» التي حملها موفد سليمان الى قيادة الحزب بأنّ «التعبير الخاطئ الذي ورد في خطابه سببه أحد مستشاريه الذي أساء التعبير».
في أيّ حال بَدت العواصم المتابعة للواقع اللبناني، بما فيها باريس، على اقتناع باستحالة تأمين الإجماع الداخلي المطلوب للتمديد.
لا بل إنّ أوساطاً ديبلوماسية تتحدث عن مواقف مختلفة سيبدأ السفير الفرنسي باتريس باولي الإعلان عنها بعد انتهاء مؤتمر باريس وعودته الى مقر عمله في بيروت. فالعواصم الغربية الغارقة في التطورات السورية المعقدة والخطيرة والتي زادت مِن دقّتها التطورات في اوكرانيا، تريد استقراراً في لبنان ولَو بالحد الادنى.
لذلك جاء مؤتمر باريس، ولذلك ايضاً تضغط في اتجاه ولادة حكومة شرعية ودستورية، وهي التي تدرك جيداً أنّ سقوط هذه الحكومة سيدفع «حزب الله» بالتفاهم مع النائب وليد جنبلاط، القَلِق من الزلازل الحاصلة، لإعادة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي بعد الاشتراط عليه تأليف حكومة اللون الواحد. ما يعني أنّ النتيجة لسقوط حكومة سلام هي اللاإستقرار وليس التمديد. فالاستحقاق الرئاسي اللبناني عالق في عنق الزجاجة السورية.
ميدانياً، أضحَت القوات السورية وبمساندة «حزب الله» تُحكم طوقها على يبرود بعدما سيطرت على كل التلال المحيطة بها، وهي لا تبدو مستعجلة لاقتحامها على غرار القُصير. فالمعركة ستكون مُكلفة نتيجة وجود آلاف المسلحين المتطرفين. ولذلك، فإنّ الجيش النظامي السوري سيفتح بين الحين والآخر ممراً في اتجاه الزبداني لدفع المسلحين الى الانسحاب في اتجاهها لجَعل اقتحامها في مرحلة لاحقة اكثر سهولة.
لكنّ الاساس سيكون في حلب، حيث يستعد الجيش السوري خلال الاسابيع المقبلة لاقتحام المنطقة الصناعية، وهي آخر معاقل المجموعات المعارضة داخل المدينة. وينوي الرئيس بشار الاسد تحقيق هذا الانجاز نظراً لوَقعه المدوّي قبل شهر حزيران المقبل، حيث اتخذ قراره بالترشّح للانتخابات الرئاسية لولاية جديدة في تموز المقبل. هذه الانتخابات التي باتت موسكو أكثر اندفاعاً لحصولها بعد أزمة أوكرانيا، والتي تشكّل تحدياً كبيراً للدول الساعية الى إسقاط الاسد.
طبعاً هناك مصاعب ومعوقات حول طريقة اقتراع النازحين السوريين في تركيا ولبنان والاردن، لكن هناك من يضع الخطط لهذا الامر، وطبيعيّ ان يكون لكلّ ذلك ارتداداته على لبنان.
وهناك من يعتقد انّ الاستحقاق الرئاسي اللبناني يجب ألّا يحصل إلّا بعد انتصار ميداني مدوٍّ في حلب وضمان حصول الاسد على ولاية رئاسية جديدة. فطالما أنّ اللعبة هي لعبة موازين قوى، فإنه يمكن الانتظار بضعة اسابيع، فيما العواصم الغربية ومعها العواصم الخليجية لا تريد ان يكون الاستحقاق الرئاسي اللبناني نتيجة لموازين القوى السورية الجديدة. وسط كل ذلك، من الطبيعي القول إنّ «ترف» التمديد الذي يسعى اليه البعض هو بمثابة دَفع البلد «ببراءة ساذجة» وسط الادغال الموحشة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018