ارشيف من :أخبار لبنانية

الضاحية تحيا مهما بلغ البهتان

الضاحية تحيا مهما بلغ البهتان
تفوق طبيعية الحياة في الضاحية نظيرتها في المناطق الأخرى.. الاجراءات الاحترازية المتخذة فيها ورغم كثافتها لم تعد دخيلة على يوميات أبنائها.. هم تعايشوا مع الوقائع المستجدّة فيها، بل تحدّوها الى ما هو أبعد من الشعارات.. يدركون أن الحرب ليس عبوات تتنقّل وتقتل وتدمّر، بل هي عزيمة وإصرار تتوازى مع تصميم على استمرارية في الكدّ والتعب من أجل الصمود بوجه تيار تكفيري يلغي كلّ من عداه..

عقب كل انفجار انتحاري يضرب الضاحية، يسارع أهلها الى ترداد عبارات التأييد للمقاومة وقائدها.. يكرّرونها غير مرة، ويرفعون يافطات الدعم والثبات على الموقف.. لا تراجع ولا استسلام.. إلحاحٌ على التشبّث بالضاحية المستهدفة قديماً وحديثاً من الارهاب المتلّون تكفيرياً وصهيونياً.

 في بئر العبد، ينتظر أحمد جاره مصطفى ليفتحا سوية متجرهما، ويرتشفا معاً قهوة الصباح، ويبدآن باستقبال زبائنهما.. زبائن قادمة لشراء صور السيد حسن نصر الله وأعلام حزب الله وأسطوانات أناشيد المقاومة.. يتحدّث أحمد عن إقبال كثيف على "هذه السلع" ولاسيّما بعد "كلّ عملية إرهابية تضرب منطقتنا.. العالم بدا تعيش وتتحدّى ومش فرقانة معنا".

عندما تتجوّل في حارة حريك وبئر العبد وأوتوستراد الشهيد هادي نصر الله ومعوّض، تلاحظ زحمة سير كبيرة.. على جوانب الطرقات وأمام المحال التجارية سواتر ترابية احترازية من أي عمل تفجير مباغت.. في المصارف المنتشرة في الضاحية لا مكان في الصباح يتسّع للزبائن.. الأفران لم توقف عملها والمطاعم مستمرة في استقبال روّادها.. رغم كلّ ذلك الخوف موجود وإن بنسبٍ متفاوتة.

الضاحية تحيا مهما بلغ البهتان

تستطلع آراء المارّة عن ظروف حياتهم في "زمن التفجيرات"، فتصادف إجابات شبه موحّدة. ياسر (40 عاماً) لا تعني له شيئاً كلّ حملات التهويل والتضخيم التي تشنّ على الضاحية، هو يقول "الضاحية هي بيتنا والخوف لا معنى له فالموت هو قنطرة نعبره إلى حياة أخرى"، ويضيف "التخلي عن المقاومة اليوم يعني تحوّل بلدنا إلى عراق أو سوريا أو صومال".

من ناحيتها، ترى فاطمة (26 عاماً) أن "الخوف شعور طبيعي ينتاب أي انسان انطلاقاً من حب البقاء"، غير أنها تعتبر أن "الوعي الكبير للمخطط الذي يُحاك ضد المقاومة يجعلنا أقوى وأكثر صلابة ومتمسكين بأرضنا مهما بلغ حجم الإرهاب". سارة (25 عاماً) تقرّ بأن "الخوف موجود"، لكنّها لا ترى نفسها منفصلة عن "نهج المقاومة مهما اشتدّت المحن".

لمهدي وجهة نظر هنا، هو يعترف بأن "أهل الضاحية حذرون أكثر من كونهم خائفين". ليس بعيداً، تشير ميساء (24 عاماً) الى أن "الخوف هو شعور طبيعي وفطري لكنه طبعاً لا يؤثر على قناعاتنا الراسخة، وشعب المقاومة ليس جديداً على الحروب والأخطار"، أما نضال (23 عاماً) فتكرّر "لا نهاب الموت ونحن عشاق الشهادة ولن نتخلى عن المقاومة".

يبني الدكتور في علم النفس التربوي والعائلي نبيل خوري على هذا الكلام، ليستنتج أن "اختلاط مشاعر الخوف والشجاعة لدى هؤلاء ينبع من القناعة الراسخة على صعيد القيم الانسانية من خلال المواظبة والمجابهة والمكافحة، وهذه العوامل الثلاث تضفي نوعاً من الشجاعة التي تحفّز أهل الضاحية أكثر لمواجهة كل النوايا الشريرة التي يتعرّضون لها".

الخوف، وفق ما يقول خوري، مستندٌ الى "الشعور بالخشية على أولادنا وعائلتنا وأصدقائنا من أن يتعرّضوا لسوء ما ولاسيّما في ظلّ الظروف الأخيرة، فالأمومة والأبوة في هكذا حوادث لا يمكن استبدالها أبداً، إلّا أن الشجاعة تأتي في موقع نحن بحاجة مطلقة إليها ورغم ذلك لا تلغي مكامن الرعب نهائياً".

يشدّد خوري على أنه "لا يمكن تقبّل فكرة أن ازدياد عدد العبوات الناسفة سيخيف أهل الضاحية أو الهرمل، لأن الذعر هنا سينعكس سلباً وسيؤدي الى ظهور مجتمع أكثر فساداً وسيردع المواطنين عن مواجهة أخطار الاساءة والقتل والتحقير"، ويوضح أن "الضعف يأتي في إطار السلوكيات الساذجة، على أساس أن خوفنا من المستقبل الأسوأ هو إذعان للأعداء".

"المواقف الشعبية الداعمة للمسيرة السياسية وتحديداً للمقاومة اليوم، تقوّي قيادة حزب الله وهي تساهم في إقناع المترددين بالانتماء الى هذه المدرسة وبأحقية خياراتها وقضيتها، وعليه بات خيار المقاومة هو الأوضح والأكثر أملاً في المستقبل"، برأي خوري.

خوري يضع "الحملات الاعلامية الكاذبة المغرضة وتكثيف الحديث عن النواحي السلبية والفساد والرشوى واللامبالاة"، في خانة "إضعاف الجماهير المؤيدة لنهج المقاومة، أما التمسك بمبادئ حزب الله وعدم الانقلاب عليها فيحفّز تلك الجماهير على البقاء على دعمها لهذا الخطّ السياسي، بينما تلعب كاريزما القائد وخطابه دوراً أساسياً في استقطاب المناصرين بشكل أوسع".

المحنات التي مرّت بها الضاحية الجنوبية لبيروت ولا تزال، تحمل خوري على ترسيخ فكرة أن "مجتمع الضاحية قبل عام 2006 مختلف تماماً عن المرحلة التي أعقبته، فبعد العدوان الذي دمّر 75% من معالمها، صمد أهلها وظلّوا متماسكين ومقتنعين بالمدرسة التي انطلقوا منها، وعليه لا قلق على هذه المنطقة مهما بلغ البهتان".
2014-03-07