ارشيف من :أخبار لبنانية
روسيا بين أوكرانيا وسوريا
محمود بري - صحيفة "السفير"
التدحرج المتسارع للأحداث في أوكرانيا، كان مفاجأة كبيرة. لكن المفاجأة الحقيقية والمضاعفة، تمثّلت في التئام شمل المختصمين على حين غرّة وبسرعة قياسية في جلسة تفاوض لم يكن يتوقعها أحد، ليعلن على اثرها التوصل إلى نصّ اتفاق متكامل من صفحات كثيرة وطويلة... وقبل أن يستفيق المتابعون من دهشتهم، جاءت المفاجأة الثالثة لتنسيهم ما سبق، حين جرى نقض الاتفاق بمثل السرعة التي جرى توقيعه فيها. ثم أعقب ذلك التصاعد الكبير من خلال إعلان القوميين المتطرفين الأوكرانيين استنفار ما تحت أيديهم من قوى مسلّحة لمواجة ما أسموه «الإجتياح الروسي الوشيك». وقال النائب عن حزب «سفوبودا» اليميني ذي الميول النازية «ألكسندر أرونيتس»، إن «نواب الحزب سيرفعون من الآن وصاعداً علم منظمة المتمردين الأوكرانيين»، وهي التشكيل النازي الذي ظهر في العام 1920 وقاتل أفراده إلى جانب القوات الألمانية النازية ضد الجيش الأحمر السوفياتي في الحرب العالمية، وواصلوا قتالهم بعد نهاية الحرب ضد الدولة السوفياتية، وهم الآن يتابعون ذلك ضد موسكو.
هذا التتابع السريع للأحداث والمواقف على خلفية عدائية عالية النبرة من قبل القوميين الأوكران، أوضح مبكراً أن الأزمة لا تزال حُبلى بالمزيد من المفاجآت، ومرشحة للتفاقم إلى حد اندلاع حرب(!) نظراً إلى تسابق العواصم الغربية إلى إذكاء النار المندلعة، مع استحضار «عدّتها» في مثل هذه الأحوال، من أحاديث مبالغٍ فيها عن الحرية والديموقراطية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
وإذا أضفنا إلى ذلك بعض ما تتناقله وكالات الأنباء العالمية عن تدخلات أجنبية لتسعير الفوضى، ولا سيما عن جنود إسرائيليين متقاعدين يشاركون المتمردين في أحداث الميدان المركزي في كييف، ومنهم قادة مجموعات، إضافة إلى ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية ذاتها من تأكيدات عن لسان جندي إسرائيلي مفادها أنه «يقود مجموعة إسرائيلية تنشط ضمن الاحتجاجات الجارية في أوكرانيا».
ما يستوقف المتابع في غمرة هذه الأحداث المتسارعة في الخاصرة الروسية، هو الحديث في بعض الصحافة اللبنانية والخليجية بشأن ما اعتبرته «عجز روسيا عن حماية خاصرتها المباشرة، وهي التي يُتوقع منها مواصلة دعم وتأمين وحفظ النظام السوري»، ثم الاستنتاج بأنه «وبالنظر إلى أهمية أوكرانيا الحيوية بالنسبة لموسكو، فإن الأمور المتفاقمة فيها ماضية بلا أدنى شك، وخلال مدة وجيزة، إلى إنضاج الصفقة المتوقّعة بين موسكو وواشنطن على حساب نظام الرئيس الأسد، حيث ستجري مقايضة دمشق بكييف»، ويكون بوتين قد اشترى سلامة خاصرته الضعيفة و«الملتهبة» في أوكرانيا، بانسحابه من المشهد السوري.
والحقيقة ان السيناريو المذكور يحتاج إلى كثير من التبصّر قبل الخوض في إمكانيات تحققه فمن السذاجة الاعتقاد أن ضرب بوتين داخل مناطق النفوذ الروسية المباشرة، سيدفعه إلى الإذعان والإسراع إلى التفاهم الذليل مع الولايات المتحدة حول سورية، وتوقيع صفقة «كييف مقابل دمشق» لمجرد النجاة.
فهذا لا يتناسب مع روسيا في العالم، ولا مع شخصية وسلوكيات الرئيس الروسي نفسه، ولا مع طبيعة العلاقات الروسية ـ السورية أساساً، فضلاً عن اختلاف الحالة الأوكرانية عن السورية، وتعقيدات الواقع الدولي اليوم.
يُحبط بوتين آمال متوقّعي انهياره واستسلامه ويذهب إلى مواجهة اليد الغربية في كييف، كما واجه من قبل محاولات الناتو نشر منظومة الدفاع الصاروخي الخاصة به في أراضي بولندا والتشيك بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث عمد إلى نشر منظومات إضافية من صواريخ أرض ـ أرض موجهة نحو الدولتين، هذا بالرغم من أن بولندا والتشيك لا تملكان حدوداً برية مع روسيا أساساً كما هو الوضع مع أوكرانيا؟ أم يكرر التجربة الجورجية في صيف العام 2008، حين أثبتت موسكو بقيادته أنها لن تتردد في استعمال القوة العسكرية متى حاول طرف ما تهديد حليف مباشر لها، كما كانت الحال يومها مع إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا؟
ولئن كان ما حصل في أوسيتيا الجنوبية العام 2008 لا يتطابق مع الحالة الأوكرانية حيث جمهورية ذات استقلال ذاتي تتعرض للهجوم، فهناك مواطنون روس يشعرون بأنهم مهددون ويطالبون روسيا بحمايتهم. والطلب بحدّ ذاته يعتبره الروس كافياً، إذ أعلنت موسكو بالفعل جاهزيتها للتدخل لحماية هؤلاء، وقدّم مجلس النواب الروسي ـ الدوما ـ موافقته بالإجماع على طلب الرئيس الروسي إرسال القوات الروسية إلى أوكرانيا لإعادة الأمن إليها.
لا يغيب عن ذهن القيادة الروسية أن أحد أبرز أهداف الغرب يتمثل منذ العهد السوفياتي، وبعده في زمن «الصحوة الروسية» الجديدة يتمثل بتوريط الجيش الروسي بصراعات هنا وهناك تستنزف قواته وتعرقل جهود إعادة بنائه وتحديثه. وقد سبق أن تورط الجيش بالفعل في «حرب الشيشان الأولى»، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي والهزيمة القاسية التي تلقاها في أفغانستان. وهذا درس لا بد من أن «فلاديمير بوتين»، تعلّمه بالفعل، فعندما شنت موسكو «حرب الشيشان الثانية» أظهر الرجل استيعابه لدروس التاريخ. فهو لم يشنّ حرباً تقليدية فظّة تعتمد على إرسال أرتال عسكرية على الطريقة التي اعتمدها السوفيات في براغ العام 1968 (ربيع براغ)، بل اعتمد أسلوب الضربات الذكية والمختارة بواسطة القوات الخاصة، والعمليات الاستخبارية حسنة التدبير، إضافة إلى جهود كبيرة ومتواصلة لخلق مناخات صديقة على الأرض المعادية، من خلال الجهود الاستخبارية ودفع المال. وقد نجحت طريقته هذه في إدارة تلك الحرب وساهمت في تقليل الخسائر العسكرية والمدنية، فحقق بذلك انتصاراً كبيراً بتكلفة محدودة، وثبت استقراراً ما زال قائماً في الشيشان حتى اليوم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018